تتفاقم معاناة الغزيين للشهر الثاني على التوالي، في ظل استمرار الجانب الإسرائيلي في إغلاق المعابر ولاسيما معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد مع القطاع، حيث أدى الإغلاق المستمر لهذا المعبر إلى ارتفاع أسعار السلع والبضائع المكدسة لدى التجار بشكل حاد، وسط تذمر وامتعاض من قبل المواطنين، الذين يواجهون هذا الغلاء في ظروف معيشية واقتصادية صعبة.
ومنذ أن شنت إسرائيل عدوانها على قطاع غزة في 10 أيار/مايو الماضي، تواصل تشديد الخناق من خلال ضرب اقتصاد القطاع، فلم تكتف إسرائيل بتدمير عشرات المصانع والمنشآت التجارية، بل تواصل حصارها الاقتصادي وتمنع إدخال العديد من السلع والمواد الخام الضرورية للصناعات.
وفي حصيلة شبه نهائية، قدر البنك الدولي الخسائر المباشرة في قطاع غزة جراء العدوان الإسرائيلي الأخير بنحو 570 مليون دولار، في حين فاقم العدوان الذي استمر 11 يوماً معاناة الغزيين بسبب الخسائر الإنتاجية والمالية ومرافق البنية التحتية.
وعلى الرغم من سماح الاحتلال بدخول الوقود القطري الخاص بمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، والإعلان عن السماح بدخول بعض أنواع السلع، إلا أن ما يشاع من وجود تحسن في حركة البضائع غير صحيح مطلقاً، فالقيود المشددة على المعبر تحول من امكانية جلب التجار بضائعهم العالقة في الموانئ الإسرائيلية.
ويواجه سكان غزة صعوبة كبيرة في الحصول على بعض السلع الأساسية سواء لعدم توفرها أو ارتفاع أسعارها، ومن أبرز السلع التي تأثرت بسبب إغلاق المعبر، الإسمنت والمركبات ومواد التنظيف، فعلى صعيد المركبات شهدت أسعارها في سوق غزة ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة لمواصلة الاحتلال منع إدخال مئات المركبات واحتجازها في الموانئ منذ مطلع شهر أيار/مايو الماضي، حيث ارتفعت أسعار المركبات في قطاع غزة بنحو 20 في المئة مقارنة مع ما كانت عليه قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع.
أما على صعيد مواد البناء وخاصة الأسمنت، فقد سبب استمرار منع الاحتلال ادخاله إلى القطاع توقف العديد من القطاعات الإنشائية والارتفاع الحاد في أسعاره.
مواد بناء
وعبر المواطن شادي محيسن عن بالغ استياءه من الحال الذي يعيشه في غزة، في ظل التضييق الإسرائيلي وفرضها حصارا جديدا وخانقا بعد العدوان الذي دمر غزة وألحق بها خسائر فادحة يصعب التعافي منها قريباً.
يقول محيسن لـ«القدس العربي»: توجهت بعد العدوان لشراء مواد بناء من أجل تشطيب شقتي السكنية، ولكني تفاجأت بأن الأسعار زادت أضعافاً مضاعفة، ولا أملك مالا يكاد يكفي للمباشرة بالبناء، واضطررت لتأجيل كل المخططات في ضوء التطورات التي رافقت العدوان الإسرائيلي الأخير، والارتفاع الحاد في كافة أسعار مواد البناء.
وعزا المواطن محيسن هذا الغلاء، إلى محاولة العديد من التجار استغلال هذه الظروف من أجل تعويض خسائرهم الناجمة عن العدوان، فهناك العديد من السلع متوفرة بكميات كبيرة، ولكن أصحاب الشركات والمحال يقومون بإخفائها واحتكارها لزيادة أسعارها على المواطنين.
أما على صعيد مصانع المنظفات العاملة في القطاع، فيواصل الاحتلال منع إدخال المواد الخام الخاصة بصناعتها، ما ألحق أضراراً اقتصادية كبيرة بأصحاب المصانع والمشاريع العاملة في هذا المجال، كما أدى المنع الإسرائيلي إلى إغلاق العشرات من المصانع الصغيرة وورش التصنيع في محافظات غزة أبوابها.
من جهته يقول صالح عليوة صاحب مصنع للمنظفات إن استمرار منع إسرائيل إدخال المواد الكيميائية الخاصة بصناعة المنظفات وخاصة مادة الكلور، زاد من الأعباء الاقتصادية على أصحاب المصانع، متوقعاً أن يتم إغلاق مصنعه في غضون أسبوعين إذا استمر المنع، حيث يعمل المصنع حالياً بربع طاقته بما هو متبقي من مواد خام.
ولم يخف عليوة لـ«القدس العربي» قلقه من أن المنع الإسرائيلي منح كبار تجار المواد الخام فرصة لاحتكار ما لديهم من مواد ورفعوا أسعارها بشكل لافت، مؤكداً أن غالبية المواطنين في غزة يعتمدون على مواد التنظيف المصنعة محلياً، لأنها تتناسب مع إمكانياتهم المادية المتواضعة، مشيراً في ذلك إلى أن توقف مصنعه سيضم عشرات العاملين فيه إلى جيش البطالة، كما أن شح مواد التنظيف ينعكس سلباً على إجراءات الوقاية من جائحة كورونا، خاصة لدى العائلات الفقيرة التي تعتمد على المنتجات المحلية في تعقيم منازلها، مع عودة ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس مجدداً.
توقف نقل البريد
وتخطى الاستياء والغضب غلاء السلع والمواد التموينية، إلى وقف نقل البريد من قطاع غزة إلى رام الله والعكس حيث أن الأزمة الإنسانية المتصاعدة بشكل يومي أظهرت مدى بشاعة قطع مصالح المواطنين، فالطالب ينتظر والعروس تنتظر والعائلات تنتظر، إضافة إلى استمرار حجز الجوازات والتحويلات وتأشيرات السفر وحجوزات العلاج، التي عرقلت حياة المواطنين وزادت من معاناتهم. وقال الخبير في الشأن الاقتصادي معين رجب إن استمرار الجانب الإسرائيلي إغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد مع غزة، فاقم من معاناة التجار والمواطنين وتسبب ذلك بنقص حاد في المواد الخام الأولية اللازمة للقطاعات الصناعية المختلفة، ونتيجة لذلك من المتوقع توقف بعض القطاعات الصناعية في القريب العاجل، في حال استمرار إغلاق المعبر التجاري.
وقال رجب لـ» القدس العربي»: أن هذا الإغلاق أدى إلى حرمان قطاع غزة من دخول حوالي 7000 شاحنة من الأصناف المسموح دخولها إلى القطاع، بالإضافة إلى عدم تمكن ما يزيد عن 250 شاحنة من الخروج محملة بسلع مصدرة للضفة الغربية وأوروبا.
وبين أن قطاع غزة يعيش أيام الحصار الأولى التي فرضها الاحتلال مطلع العام 2007 فاستمرار إغلاق معبر كرم أبو سالم أدى إلى خسائر فادحة للتجار والمستوردين، نتيجة عدم تمكنهم من استلام بضائعهم من الخارج وجلب بضائع مخزنة في الموانئ الإسرائيلية وتحملهم لرسوم التخزين.
ولفت إلى أن إسرائيل تقدم للتجار الكبار وأصحاب المصانع المتوقفة وعودات يومية كاذبة بإدخال مواد الخام والسلع والبضائع المختلفة، إلا أن شيئاً لا يتغير على أرض الواقع بل أن الوضع يتجه نحو مزيد من التأزم.
وطالب الخبير الاقتصادي المجتمع الدولي، بالتدخل العاجل وممارسة الضغط الحقيقي على إسرائيل، من أجل فتح كافة معابر قطاع غزة أمام حركة الأفراد والبضائع، والعمل على إنهاء الحصار بشكل فوري لتجنيب القطاع المزيد من الخسائر، مع منع خروج مرضى قطاع غزة لتلقي العلاج في مستشفيات القدس والضفة الغربية.