على مدار عام ونصف من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يعاني السكان من تبعات انقطاع التيار الكهربائي، وعدم توفر مصادر بديلة وكافية لإنتاج الكهرباء، التي تعتبر وسيلة أساسية في حياة المواطنين، خاصة في الحصول على المياه وشحن هواتفهم، والعديد من الأمور الحياتية التي تعتمد على وجود الكهرباء.
ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023، عملت إسرائيل على وقف إمداد محطة الكهرباء الرئيسية بالوقود اللازم لتشغيلها، بالإضافة إلى منع إدخال مصادر توليد الطاقة من خلايا شمسية ومولدات، إلى جانب استهداف منازل المواطنين التي تنتشر فوق أسطحها خلايا شمسية لإنتاج الطاقة، وهذا ما كرس من معاناة السكان، الذين عانوا وما زالوا يعانون من تبعات استمرار انقطاع الكهرباء وعدم توفر بدائل.
وتواصل إسرائيل تنصلها من بنود اتفاق الهدنة الموقع برعاية الوسطاء في غزة، حيث تم الاتفاق خلال مشاورات الهدنة على تحسين الأوضاع الإنسانية في غزة، بما يشمل توفير مصادر الطاقة البديلة، إلى جانب العمل على مد القطاع بالكهرباء من خلال إدخال المعدات والأعمدة والكوابل، لكن الاحتلال الإسرائيلي ما زال يماطل في إدخال المعدات وألواح الطاقة الشمسية والبطاريات لإنتاج الكهرباء.
وينذر استمرار انقطاع التيار الكهربائي وعدم وجود خطط سريعة لإعادة إصلاح الخطوط، بمخاطر كبيرة على حياة السكان في غزة، فعلى سبيل المثال باتت مياه الصرف الصحي تسيل في الطرقات وبين منازل المواطنين، بعد توقف عمل محطات الصرف الصحي المسؤولة عن شفط المياه وإعادة تكريرها وتعقيمها وضخها إلى شاطئ البحر، كما أن هناك العديد من أصحاب الأمراض المزمنة بحاجة للكهرباء وباتت حياتهم مهددة بفعل غيابها.
ومع عودة سكان مدينة غزة والشمال من الجنوب إلى ديارهم، اصطدموا بتدمير الاحتلال الإسرائيلي خلال العملية البرية كافة خطوط الكهرباء والأعمدة والمحولات والكوابل، فلم يعد هناك أي خط كهرباء صالح للاستخدام، وهذا الدمار يترافق مع استمرار منع الاحتلال إدخال المعدات الخاصة بالإصلاحات وإعادة توصيل الخطوط، للضغط على السكان ودفعهم للرحيل.
العديد من المنشآت الطبية الخاصة إلى جانب المصانع والمطاعم، يحاول أصحابها النهوض بها مجددا، لكنهم يصطدمون بمشكلة انقطاع التيار الكهربائي، وعدم توفر بدائل تتيح تشغيل تلك المرافق ولو لساعات محدودة يوميا، وهذا انعكس سلبا على حياة السكان الذين باتوا يواجهون عجزا كبيرا في الخدمات، وخاصة العيادات الطبية التي توقفت عن العمل لغياب الكهرباء، ومصانع الملابس وغير ذلك من المنشآت التي تقدم خدمات ضرورية للمواطنين ولا يمكن الاستغناء عنها.
إسرائيل تمنع إدخال الخلايا الشمسية
وتمنع إسرائيل رغم الطلبات المتكررة من كبار التجار إدخال على الأقل الخلايا الشمسية العالقة على معابر غزة وتحتاج إلى قرار سياسي إسرائيلي لادخالها، حيث من شأن إدخال هذه الشحنات حل مشكلة الكهرباء جزئيا، وتسهيل عودة العديد من المنشآت الطبية والاقتصادية والمطاعم للعمل وتوفير الخدمات للمواطنين.
وبالرغم من حالة الهدوء الحذر وعودة السكان وتوفر المستلزمات الغذائية، إلا أن الحياة باتت شبه معدومة بالنسبة للسكان، فالحصول على المياه الصالحة للشرب في غاية الصعوبة، لتوقف محطات التحلية عن العمل لعدم توفر كهرباء.
يقول المواطن خليل الحلبي صاحب محطة لتحلية المياه في مدينة غزة، «تعد الكهرباء مصدرا أساسيا للحياة، بوجود الكهرباء يتوفر كل شيء بالنسبة للإنسان، اليوم وبعد العودة من الجنوب عدت لترميم محطة المياه الخاصة بي من بعض الدمار الذي حل بها، وهناك إمكانية تشغيلها وتوفير مياه صالحة للشرب، لكن المعضلة الكبرى عدم توفر الكهرباء لتشغيل أجهزة التحلية».
ويقول لـ«القدس العربي» إن «الاحتلال دمر مولدي كهرباء كانا يعملان قبل الحرب في حال انقطاع الكهرباء لتشغيل المحطة وتوفير مياه الشرب، لكن حتى لم تدمر فهناك صعوبة في الحصول على الوقود، وإن توفر يباع في السوق السوداء بأسعار خيالية ولا يمكن شراء كميات كبيرة وكافية لتشغيل المولدات، فعلى سبيل المثال لتر السولار كان يباع قبل الحرب بدولار ونصف أمريكي، واليوم يباع اللتر الواحد بـ 15 دولارا، وهذا سعر باهض جدا ولا يمكن تحت أي ظرف شراء المحروقات بهكذا سعر». ويضيف، على الوسطاء وكل الدول العربية الوقوف إلى جانب سكان غزة الذين يغرقون في الظلام الدامس منذ ما يزيد عن عام، بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي من أجل السماح بإدخال كل مصادر الطاقة البديلة، وتوفير كل مستلزمات شركة الكهرباء من أجل العودة لترميم الشبكات وإعادة مد السكان بالكهرباء.
الأجهزة والمعدات الطبية عاطلة
في سياق ذلك يعاني طبيب الأسنان قصي حسين من أزمة الكهرباء الحادة التي تضرب غزة منذ بدء الحرب، وتأثير ذلك على عمله في العيادة الطبية الخاصة به والتي تحتاج إلى كهرباء للنهوض بها مجددا، وتقديم الخدمة العلاجية للمواطنين كما قبل الحرب.
ويقول لـ «القدس العربي» إن الكهرباء مصدر أساسي في عمله في العيادة، نظرا لأن كافة الأجهزة والمعدات تحتاج إلى كهرباء لتشغيلها، كما أن أجهزة تعقيم معدات الأسنان متوقفة وتحتاج إلى كهرباء متواصلة ومنتظمة لكي لا يتم نقل أي عدوى إلى المواطنين.
ويشير إلى أن توقف عيادته والعديد من العيادات الأخرى يصعب الحياة على السكان خاصة في ظل انهيار كامل المنظومة الطبية في قطاع غزة «بالإضافة إلى التأثير الاقتصادي بالنسبة لنا كأصحاب عيادات تأثرنا من تبعات الحرب وتسببت الكهرباء بتوقف عملنا بشكل كامل». وبين أنه حتى لو توفرت كهرباء لساعات محدودة، فالمشكلة هي خوف الناس من التوجه للعيادات بسبب سوء تعقيم المعدات والأجهزة الطبية.
أصحاب المطاعم في غزة أيضا يحاولون العمل مع توفر اللحوم، لكن تواجههم معضلة انقطاع التيار الكهربائي، فهناك مأكولات تحتاج اللحوم فيها إلى ماكينات تعمل بالكهرباء، كما أن إضاءة المطاعم أمر ضروري لجذب الزبائن هكذا يقول فادي عبدالله صاحب مطعم للمشاوي لـ«القدس العربي» والذي يحاول الحصول على منظ
ومة كهرباء تعمل بالطاقة الشمسية لإعادة فتح مطعمه المتوقف منذ بداية الحرب، باعتبار الكهرباء مصدرا أساسيا لعمله، لكن ارتفاع أسعار الطاقة الشمسية وعدم موافقة الاحتلال الإسرائيلي إدخال تلك البدائل، يعيق عمله ويؤثر ذلك على وضعه المادي.