غزة ـ «القدس العربي»: تكشفت بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من مناطق كثيرة في قطاع غزة، كانت حتى ساعات قبل دخول المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مكانا للعمليات البرية، مدى الدمار الكبير الذي أحدثته آلة الحرب الإسرائيلية، خلال أكثر من 15 شهرا من الحرب المتواصلة والشرسة، لتتأكد بذلك أن المرحلة المقبلة وإن توقفت فيها أصوات المدافع والصواريخ والقتل، ستكون امتداد لأيام الحرب الطويل، حيث ستبقى غالبية أسر القطاع تداوي جروحها من فقدان الأهل أو دمار المنزل وخراب المدن والبنى التحتية.
وأظهرت مشاهد الدمار الكبير الذي حل بمدينة رفح، وهي المدينة التي عاشت أطول عملية برية منذ بدء الحرب، امتدت لأكثر من ثمانية أشهر متواصلة، وفي مناطق شمال القطاع جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، التي عانت من الهجوم البري الأخير عليها، والذي استمر أكثر من ثلاثة أشهر متتالية، حجم الدمار والخراب الكبيرين، فالمشاهد من هذه المناطق، كان تدلل على أنها تعرضت إلى ما هو أعنف من زلزال كبير، فهناك آلاف المنازل والوحدات السكنية دمرت أو تضررت بشكل بليغ، فيما تعمدت قوات الاحتلال تدمير مقومات الحياة من شوارع وبنى تحتية وشبكات صرف صحي ومياه، لجعلها حتى في مرحلة الهدوء غير صالحة للسكن. وقد أضيفت هذه المساكن المدمرة حديثا إلى تلك التي دمرت في فترة الحرب السابقة، بعد تمكن أصحابها من الوصول إليها، حيث حرموا من ذلك على مدار أيام العمليات البرية السابقة.
فالإحصائيات الرسمية الأولية، التي صدرت عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أشارت إلى أن الحرب أدت لتدمير 161.600 وحدة سكنية بشكل كلي، و82.000 باتت غير صالحة للسكن، فيما هناك 194.000 وحدة سكنية دمرت جزئياً، بعد أن جرى إحصاء قيام الاحتلال بإلقاء 100.000 طن من المتفجرات على القطاع.
كما أدت الحرب إلى تدمير وحرق 34 مستشفى ما أدى إلى إخراجها عن الخدمة، هي و80 مركزاً صحياً، إلى جانب استهداف 162 مؤسسة صحية، و3.680 كيلو متر من شبكات الكهرباء دمرها الاحتلال، و2.105 من محولات توزيع الكهرباء الهوائية والأرضية، و330.000 متر طولي شبكات المياه، و655.000 متر طولي شبكات الصرف الصحي، و2.835.000 متر طولي من شبكات الطُرق والشوارع، و717 بئر مياه، حيث بلغت نسبة التدمير في غزة 88 في المئة.
كما تطرقت الإحصائية إلى نزوح 2 مليون مواطن، وإلى اهتراء 110.000 خيمة، حيث باتت غير صالحة للنازحين، وهو ما يصعب من مشقة الإيواء وسكن المواطنين المدمرة منازلهم خلال الفترة المقبلة، حتى أن من دمرت منازلهم سيصعب عليه إقامة خيام على أطلالها، لعدم امتلاكه أساسيات إقامة الخيمة.
وحسب تحليلات الأقمار الصناعية التي أجراها باحثان أمريكيان، فإنّه في شمالي القطاع، تعرّض ما يقرب من ثلاثة أرباع المباني 74.2 في المئة للقصف، فيما دمرت إسرائيل 48.7 في المئة من المباني في مدينة رفح.
ولذلك قدرت الأمم المتحدة، أن عملية إعادة إعمار القطاع ستستغرق ما يصل إلى 15 عاماً، وستكلّف أكثر من 50 مليار يورو، وقد أكد المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عدنان أبو حسنة، أن عملية إعادة إعمار القطاع تفوق قدرات منظمته الأممية، بسبب الضرر الشديد والتدمير اللذين طالا كل مقومات الحياة في القطاع، وأكد أن منظمته يمكنها المساهمة في إعادة تأهيل البنى التحتية في المخيمات وعودة عمل الموظفين داخلها، وتشغيل الآبار التابعة لها، لافتا إلى أن عمل الوكالة تضاعف خلال اليومين الماضيين، عقب دخول أكثر من ألف شاحنة مساعدات، حيث يعمل الآلاف من الموظفين بأقصى طاقة في عملية توزيع المواد الغذائية، لافتا إلى أن الحديث عن البنية التحتية الخدمية في القطاع يحتاج إلى التركيز على الأساسيات، مثل تمكين البلديات من إعادة تشغيل المياه وخطوطها وإصلاح الآبار، وكذلك شركات الكهرباء التي تحتاج إلى أسلاك ومولدات وخطوط ضغط عالٍ.
صدمة السكان
وأوضح أن عملية البحث عن المفقودين، الذين يتجاوز عددهم الآلاف من الجثث تحت الأنقاض، تحتاج إلى تخطيط وعمل فرق خاصة لديها خبرة، خاصة فيما يتعلق بالقذائف غير المنفجرة التي قُدر عددها بعشرات الآلاف وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، معربا عن قلقه من الممارسات والعراقيل الإسرائيلية التي تواجهها الوكالة وموظفوها، وما سيترتب على ذلك من عقبات.
ولذلك فقد أصيب سكان قطاع غزة الذين تمكنوا من العودة لمناطق سكنهم قبل الهجمات البرية الأخيرة بالصدمة الشديدة، فلم يكن أي منهم يتصور حجم الدمار الكبير والخطير، حتى أن الكثير منهم لم يتمكنوا من معرفة مكان منزلهم، بعد أن دمر حيهم السكني بالكامل، وتشابك ركام المنازل ببعضها البعض، لتغلق حتى الطرق الفاصلة بين البنايات، وهو ما جعل فرق البلديات تواجه صعوبات في إعادة فتح الطرق.
وبما يدلل على حجم الدمار والخراب الكبيرين، قال ممثل منظمة الصحة العالمية في فلسطين الدكتور ريك بيبركورن: «إن إعلان وقف إطلاق النار يبعث الأمل، ولكن التحدي الذي ينتظرنا مذهل»، لافتا إلى أن معالجة الاحتياجات الهائلة واستعادة النظام الصحي ستكون مهمة معقدة وصعبة، بالنظر إلى حجم وتعقيد العمليات والقيود المترتبة عليها.
أما منظمة أطباء بلا حدود، فشددت على الحاجة لزيادة سريعة وواسعة النطاق للمساعدات الإنسانية من حول العالم ووصولها إلى مختلف أنحاء قطاع غزة، وأكدت أنها ملتزمة بالعمل على مدار الساعة لتوفير الرعاية لسكان غزة، رغم تفاقم الاحتياجات الإنسانية لتبلغ مستويات كارثية، وقد دعت إسرائيل إلى ضمان الدخول العاجل للمساعدات الإنسانية إلى غزة، وضمان الإجلاء الطبي للمرضى، ولا سيما الوصول إلى الشمال المحاصر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024، وضرورة العمل على إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان بشكل آمن ومضمون.
مساعدات الحد الأدنى
هذه المنظمة التي تقدم خدمات إغاثة طبية، أكدت وهي تشير إلى الأزمة بعد انتهاء الحرب إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار بعد أكثر من 465 يومًا و46 ألف خسارة بشرية، ليس سوى البداية لمعالجة الاحتياجات الإنسانية والنفسية والطبية الهائلة للسكان في غزة، وقد دعت دولة الاحتلال لأن تنهي فورًا حصارها المفروض على غزة، وأن تضمن زيادة هائلة في الإغاثة الإنسانية إلى مختلف أنحاء القطاع، ليتمكن مئات آلاف الأشخاص الذين يعانون ظروفا بائسة من أن يبدأوا طريقهم الطويل نحو التعافي، وقد أوضحت أن الخسائر الناجمة عن هذه الحرب الشنيعة شملت طمس المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، وتشريد أكثر من مليوني شخص هم في أمس الحاجة الآن إلى الماء والغذاء والمأوى في فصل الشتاء البارد، وتسبب الدمار الهائل في معاناة أكثر من مليوني شخص في قطاع غزة.
وقد دفع ذلك بمنسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مهند هادي، للقول إن جميع القطاعات في غزة بحاجة إلى الدعم الكامل.
وبهدف العمل على تخفيف الأزمة، أعلنت الحكومة الفلسطينية عن وضع خطة إغاثة وإنعاش مبكر واستجابة طارئة لقطاع غزة، لمواجهة الوضع الطارئ، تمثل المرحلة الأولى من خطة الحكومة، الاستجابة الطارئة خلال الستة أشهر الأولى لوقف العدوان الإسرائيلي.
لكن رغم تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ودخول مئات الشاحنات يوميا، منذ اليوم الأول للتهدئة، فإن ذلك لن يكون كافيا لإنهاء مأساة السكان الذين لم يعد الطعام وحده هو ما يفتقدون إليه، بعد أن توقفت معظم ملامح الحياة الطبيعية، حيث لا كهرباء ولا شبكات مياه متوفرة بالشكل المطلوب، حيث لا تصل امدادات المياه يوميا للسكان، بل مرة في الأسبوع في أغلب مناطق القطاع.
وسيكون من أجل إشعار المواطنين بالحد الأدنى للعيش بكرامة، توفير المأوى لإقامتهم في أماكن غير مزدحمة، على خلاف الوضع الذي كان قائما خلال فترة الحرب، حين تكدس معظم السكان بناء على الأوامر الإسرائيلية في مناطق تقع وسط القطاع وفي غرب مدينة خانيونس، تمثل ما نسبته فقط 10 في المئة من مساحة القطاع.
هل تعود الحرب؟
وسيظل الخوف الأكبر لدى السكان من تجدد الحرب مرة أخرى، أو استمرار جيش الاحتلال في خرق الاتفاق، أو عدم تنفيذه بالشكل المطلوب، خاصة وأن الأيام الأولى للتهدئة شهدت قصفا إسرائيليا وهجمات بينها إطلاق نار أدت إلى سقوط الكثير من الضحايا.
ويعزز ذلك تهديدات أطلقها مسؤولون إسرائيليون، أشارت إلى وجود مثل هذه النوايا بعودة الحرب، ومنها ما قاله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي توعد باستئناف الحرب في غزة، إذا ثبت أن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار ستكون بلا جدوى، وقال وهو يتلو بيانا قبل دخول اتفاق التهدئة حيز التنفيذ «إذا اضطررنا للعودة إلى القتال فسنفعل ذلك بطرق جديدة وقوية»، لافتا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يدعم بشكل كامل ما زعم بأنه «حق إسرائيل في العودة إلى القتال»، وقد توعد بتنفيذ كل أهداف الحرب، وقال: «سنعمل على ضمان تحقيق كل أهداف الحرب في غزة وألا تشكل حماس تهديدا لإسرائيل. وعلى إعادة كل المحتجزين الإسرائيليين».
أما شريكه في الحكومة الوزير المتطرف بتسلئيل سموترتش، فقد هدد بإسقاط الحكومة في حال الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار مع غزة، والتي تتضمّن وقف الحرب، حيث طالب بـ«القضاء على حماس بشكل نهائي»، وقد وصف صفقة تبادل الأسرى مع حماس بانها «خطأ كبير»، واعتبر ما حصل بمثابة «رسالة مفادها أنّ من يريد إخضاع إسرائيل ليس بحاجة إلى صواريخ أو برنامج نووي».
وهذا الوزير المتطرف الذي صوت ضد الصفقة الحالية، وجه انتقادات لاذعة لرئيس الأركان هرتسي هاليفي، واصفاً سياساته بأنها «وجّه يساريّ تقدّمي»، ومشدّداً على أنه «لا يمكن هزيمة حماس من دون السيطرة على غزة بالكامل». وعقب إعلان كل من رئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي يارون فينكلمان استقالتهما، والكشف عن نية رئيس «الشاباك» تقديم الاستقالة أيضا، بسبب فشلهم في الكشف أو التصدي لهجوم السابع من أكتوبر، نقل عن سموترتش قوله «الفترة المقبلة ستشهد استبدال القيادة العسكرية العليا تمهيدًا لاستئناف الحرب».
هذا وقد كان الوزير المتطرف ايتمار بن غفير، قدم استقالته، من حكومة بنيامين نتنياهو، احتجاجاً على اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة، والذي وصفه بـ «المشين»، واضعا الائتلاف الحكومي اليميني حاليا بين قبضة سموترتش، لو فكر بالاستقالة، وهو ما يعطي الأخير قوة في دفع نتنياهو للتهرب من إتمام باقي بنود الاتفاق.
وفي دلالة على خطورة الوضع، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن ترامب قوله «لست واثقا من القدرة على الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة»، فيما نقلت تقارير عبرية عن ستيف ويتكوف مبعوث ترامب للشرق الأوسط قوله «إن اتفاق غزة كان صعبا وربما يكون تنفيذه أكثر صعوبة». وبما يوحي بوجود خطط عسكرية إسرائيلية لإطالة أمد احتلال مناطق في قطاع غزة، وربما العودة مجددا للحرب، كان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نفى ما تردد عن أن الجيش الإسرائيلي سيتخلى عن معبر رفح خلال فترة وقف إطلاق النار وستتولى السلطة الفلسطينية السيطرة عليه، وقال إن الجيش يحاصر المعبر، ولن يمر أحد من خلاله من دون مراقبة وإشراف وموافقة مسبقة من الجيش.
ولذلك فقد دعت عائلات الأسرى الإسرائيليين، في مؤتمر صحافي لضرورة استمرار الجهود لإعادة جميع الأسرى، وطالبت الحكومة باتخاذ إجراءات حاسمة ومتسقة لضمان تنفيذ الصفقة بالكامل، وأعربت عن قلقها حيال عدم الانتقال للمرحلة الثانية.