غزة: تحركات تهدئة خجولة ومجازر إسرائيلية

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: على عكس المزاعم الإسرائيلية والأمريكية التي روجت قبل أيام إلى إمكانية التوصل القريب إلى حل ينهي الحرب التي دخلت عامها الثاني على قطاع غزة، تتجه الأمور الميدانية إلى التصعيد، مع زيادة وتيرة المجازر التي تقترفها قوات الاحتلال في قطاع غزة، وبصورة أخطر في مناطق الشمال، التي يتعرض سكانها لإبادة وتطهير عرقي وتهجير قسري، في الوقت الذي تعزز فيه قوات الاحتلال من تواجدها جنوب القطاع، بعد الانتهاء بشكل كامل من تعبيد طريق «محور فيلادلفيا» ما يعني التخطيط للبقاء فترة زمنية طويلة في غزة، وأن تحركات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة لا تعدو سوى محاولة لذر الرماد في العيون.

مجازر الشمال

ولا يأمل سكان غزة والمراقبون كما المرات السابقة، بأن تكون هناك نتائج ملموسة لزيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وأن لا تأتي جولته التي زار فيها تل أبيب والعديد من العواصم العربية بأي نتائج على الأرض، خاصة وأن دولة الاحتلال استقبلت الزيارة بمزيد من الهجمات الدامية، ووسعت التوغل البري في مناطق شمال قطاع غزة.
فبعد الحديث الإسرائيلي الأمريكي عقب اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس عن إمكانية التوصل لاتفاق تهدئة قريب، قامت قوات الاحتلال بتوسيع رقعة العمليات العسكرية البرية شمال قطاع غزة، على وقع مجازر أكثر دموية مما كانت عليه في بداية الهجوم البري الجديد هناك، لتنفيذ خطة تفريغ مناطق الشمال من السكان بالكامل.
ففي إحدى الغارات الجوية الإسرائيلية العنيفة مسحت قوات الاحتلال مربعا سكنيا بالكامل في منطقة مشروع بلدة بيت لاهيا، ما أدى إلى استشهاد نحو 90 مواطنا، بينهم أطفال ونساء، وجرح آخرين بينهم من لا يزال يعاني من إصابته الخطيرة، وقد جاءت هذه المجزرة التي اقترفتها قوات الاحتلال بداية الأسبوع الماضي، بعد أقل من 24 ساعة على مجزرة أخرى طالت مخيم جباليا، ومن قبلها بيوم مجزرة أخرى في ذات المخيم، أسفرتا عن سقوط عشرات الضحايا، بعد تصعيد جيش الاحتلال من هجماته البرية، وقصفه المتعمد البيوت السكنية بالطائرات الحربية والروبوتات المتفجرة، ولتنهي الأسبوع بمجازر أخرى، كان أعنفها ليل الخميس حين قصفت مربعا سكنيا في مشروع بيت لاهيا أسفر عن سقوط 150 مواطنا ما بين شهيد وجريح، وذلك علاوة عن مجازر أخرى دامية، كان من بينها المجزرة التي اقترفتها بحق النازحين حين أجبرتهم على مغادرة مركز إيواء يتبع وكالة «الأونروا» ومن ثم قصفتهم بالمدفعية فأوقعت العشرات منهم ما بين شهيد وجريح، فيما قامت بقصف آخر شمالي القطاع، استهدفت فيه أطفالا صغارا خلال تواجدهم عند مكان مخصص لملء الماء الصالح للشرب.
وجعلت الاستهدافات المتلاحقة والدامية مهمة طواقم الانقاذ والكوادر الطبية شبه مستحيلة، فغالبية مناطق شمالي القطاع خاصة مناطق العمليات البرية لا يسمح بوصول عربات الإسعاف إليها، وقد وثق استهداف بعضها بعدسات الهواتف المحمولة، فيما شددت قوات الاحتلال من حصار المشافي الثلاثة شمال قطاع غزة، وتعمدت خلال الأسبوع الماضي استهداف المشافي بالقصف المدفعي وبزخات من الرصاص الثقيل، أدت إلى صعوبة إيصال الضحايا الذين يجري انتشالهم إليها، وذلك قبل أن تقتحم مشفى كمال عدوان، وتدمر محطة الأوكسجين الرئيسية ما أدى إلى وفاة مرضى، فيما قضى الكثير منهم حسب وزارة الصحة في غزة، بسبب قلة الأدوية وعدم توفر طواقم طبية وتخصصية كافية، حيث اضطرت الطواقم العاملة في المشافي إلى «المفاضلة» ما بين الجرحى خلال تقديم الخدمات الطبية.
ولم يكن القتل والتدمير وحده هو لغة التصعيد الإسرائيلية خلال الأيام الماضية، فقد زادت قوات الاحتلال من رقعة الهجوم البري، وقامت بعمليات عسكرية جديدة، أجبرت فيها عشرات آلاف المواطنين الجدد على النزوح القسري من مناطق مخيم جباليا وبلدات شمال قطاع غزة، حتى أن التقارير الجديدة تحدثت بعد كلام إسرائيل وأمريكا عن التهدئة ان عدد النازحين ارتفع إلى 350 ألفا بعد أن كان في بداية العملية 50 ألفا، وغالبيتهم نزحوا إلى مدينة غزة التي تعرضت لهجمات دامية أخرى خطيرة أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا في غارات جوية عنيفة استهدفت مناطق تقع شمال ووسط وجنوب وغرب المدينة.
وكان الأمر نفسه سائدا في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة، والتي طلب جيش الاحتلال من سكان الشمال النزوح إليها، فارتكبت قوات الاحتلال سلسلة مجازر دموية، فقد تعمدت تصعيد هجماتها البرية ضد مناطق وسط القطاع، وسقط عدد كبير من الضحايا خلال الأسبوع الأخير جراء هجمات طالت خيام النازحين ومنازل مدنية آمنة.
وكما العادة قامت قوات الاحتلال باستهدافات أخرى على مدينة خانيونس، فقصفت هناك منطقة المواصي وهي منطقة تصنفها دولة الاحتلال بانها «منطقة إنسانية» فأدت تلك الغارة إلى سقوط عشرات الضحايا، فيما استهدفت مناطق خانيونس الشرقية بسلسلة هجمات أدت إلى سقوط ضحايا آخرين، كان أعنفها فجر الجمعة، حين قضى 28 مواطنا في استهداف طال عدة منازل في حي المنارة، الذي تعرض لتوغل بري مفاجئ.
أما في مدينة رفح التي يتواصل ضدها الهجوم البري منذ أكثر من خمسة أشهر، فقد شهدت الهجمات هناك تصعيدا خطيرا دللت عليه أعداد الضحايا الذين سقطوا جراء غارات جوية وقصف مدفعي عنيف على المدينة، طال جميع أحيائها سواء الشرقية أو الغربية مرورا بأحياء الوسط، كما تعمدت تدمير مربعات سكنية تقع غرب المدينة، التي تجوبها بشكل مستمر آليات الاحتلال.
وجاء ذلك على وقع نشر جيش الاحتلال صورا جديدة لـ «محور فيلادلفيا» وهو منطقة الشريط الحدودي الفاصلة عن الأراضي المصرية، أظهرت الطريق المعبد الذي أنشأته منذ بداية التوغل، وصور انتهاء جيش الاحتلال من هذه المرحلة، بوضعها إشارات مرورية تظهر تفرعات هذا الطريق، وهو ما يشير إلى وجود نوايا لدى جيش الاحتلال بالإبقاء على قواتها في تلك المنطقة لفترة طويلة، بما يخالف بنود مقترحات التهدئة التي قدمها سابقا الوسطاء.

زيارة بلينكن

ولوحظ أن ذلك القصف والقتل، الذي ترافق مع زيارة بلينكن، لم يغير شيئا في لغة الخطاب الأمريكي أو في الحلول المقترحة، رغم الحديث عن عودة اتصالات التهدئة التي انقطعت قبل ثلاثة أسابيع، وتجلى ذلك بعدم طرح خطة واضحة المعالم أو دعم تطبيق الخطة السابقة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جو بايدن في نهاية ايار/مايو الماضي، ووافقت عليها حماس ورفضتها إسرائيل.
وفي ختام زيارته لقطر أعلنت واشنطن أن من المتوقع أن تعقد مفاوضات خلال الأيام المقبلة حول التهدئة، وترافق ذلك مع زيارة وفد من قيادة حركة حماس إلى العاصمة المصرية القاهرة، التقى فيها مدير المخابرات المصرية وكبار مساعديه لبحث اقتراحات لوقف النار، وباستئناف المفاوضات لوقف الحرب وتبادل الأسرى، وقد أبدت حماس جاهزية لوقف النار، وطالبت بالتزام إسرائيل بوقف النار والانسحاب من القطاع وعودة النازحين، وإدخال المساعدات.
ومن المقرر أن يتجه رئيس الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية ديفيد برنياع الأحد، إلى الدوحة لبحث استئناف المفاوضات بهدف الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة، حيث سيلتقي هناك رئيس وكالة المخابرات الأمريكية «سي آي ايه» ورئيس الوزراء القطري، وحسب بيان إسرائيلي سيناقش المجتمعون الخيارات لاستئناف المفاوضات حول الإفراج عن الأسرى إثر التطورات الاخيرة.
لكن ما يشير إلى أن الجولة الحالية لن تأتي بأي جديد، وسيكون مصيرها كما الجولات السابقة، هو الموقف الإسرائيلي، والذي لمسه بلينكن بعد لقائه بنيامين نتنياهو في تل أبيب، حيث لم يعلن الوزير الأمريكي بعد اللقاء عن أي خطة واضحة لإنهاء الحرب على القطاع، بعد زعمه السابق، بأن الأمور ستكون أسهل للحل بعد مقتل زعيم حماس يحيى السنوار.
وكان بلينكن زعم خلال الزيارة مجددا ان زعيم حماس السابق يحيى السنوار، كان العائق الأول أمام مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، وطالب إسرائيل بأن «تحول النجاح العسكري إلى استراتيجي» وقال أيضا في ختام الزيارة «يتبقى أمران هما إعادة الرهائن وإنهاء الحرب وندرس إمكانية وضع صيغ جديدة لتحقيق الهدفين».
ويعني ذلك أنه لم يضع أي حلول عملية لإنهاء الحرب، وذلك بكلامه عن دراسة صيغ لتحقيق هدف عقد صفقة أسرى وإنهاء الحرب كاملة، وبما يدلل على ذلك أيضا، فقد ذكرت «القناة 12» الإسرائيلية، أن بلينكن قال لعائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، إن ثمة مسارا لـ «صفقة صغيرة» لإطلاق سراح محتجزين إسرائيليين، من دون أن يشير إلى صفقة كاملة لإنهاء الحرب.
أما نتنياهو فقد اعتبر خلال لقائه بالوزير الأمريكي أن مقتل السنوار «قد يؤثر بشكل إيجابي» على صفقة الأسرى، كما جرى خلال اللقاء حسب بيان مكتب نتنياهو مناقشة «تقدم العمليات العسكرية في غزة ضد حركة حماس».
وحملت الجملة إشارات على نوايا الإبقاء على الحرب وعدم الحديث حاليا عن التهدئة، حين أشارت إلى كلمة «تقدم» ما يعني الاستمرارية في الفعل.
وكانت الخارجية الأمريكية أعلنت هدف زيارة بلينكن الذي وصل الثلاثاء الماضي إلى المنطقة، هو الدفع في اتجاه التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة.

مخطط الاستيطان وبقاء الاحتلال

وبما يدلل على نوايا بقاء الحرب واطالة أمدها وتنفيذ خطط إسرائيل الجديدة، يدفع اليمين الإسرائيلي الحاكم تجاه الإبقاء على احتلال القطاع، وتعزيز الاستيطان.
وظهر ذلك في تصريحات وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي قال في مؤتمر عقد خصيصا لتعزيز الاستيطان في قطاع غزة، «إن تشجيع هجرة سكان غزة هو الحل الأكثر أخلاقية».
وقط طالب بإعادة إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة وقال «إذا أردنا، يمكننا إنشاء كفار داروم، ويمكننا إعادة إنشاء نيتساريم، وعتصمونة، ويمكننا العودة إلى ديارنا» حسب زعمه، ويقصد المستوطنات التي أخليت من القطاع عام 2005.
وكان وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش من بين الحضور، وقد قال قبل وصوله هناك «لكي أكون صادقًا، من الواضح تمامًا بالنسبة لي أنه في نهاية المطاف ستكون هناك مستوطنة يهودية في قطاع غزة».
وقد شارك في هذا المؤتمر الذي عقد على حدود غزة، وزراء وأعضاء «كنيست» من اليمين، حيث قدمت مقترحات لبناء 40 وحدة لتوطين عائلات يهودية في غزة.
وخلال المؤتمر عرضت حسب تقارير عبرية عرضت خريطة الاستيطان الجديدة التي يطلب اليمين بتنفيذها في غزة، حيث جرى الكشف بأن المؤتمر الذي سيعقد في غزة لاحقا لتعزيز الاستيطان، سيحضره ممثلو 700 عائلة من المقدر أن يكونوا بداية مستوطني غزة الجدد، باعتبار أن سكان غزة لن يبقوا في القطاع، بعد دفعهم للهجرة.
ويدلل التصعيد العسكري الإسرائيلي، والوقائع التي تفرضها سلطات الاحتلال على الأرض، أن مجمل التحركات التي قامت بها إدارة الرئيس جو بايدن، والمنوي إقامتها في أيامها الأخيرة، فارغة من المضمون، خاصة وأن المقترح الإسرائيلي الجديد بعيد كل البعد عن مطالب حماس وعن المقترح الأساسي الذي يطلب انسحاب إسرائيلي من غزة، وتحديدا من محوري «نتساريم وفيلادلفيا».
ويتجلى أيضا ذلك من استمرار تمسك دولة الاحتلال بالبقاء على تلك المحاور في أي حل قادم، وهو ما ترجمته مؤخرا بنشرها صورا جديدة لـ «محور فيلادلفيا» بعد الانتهاء الكامل من تعبيده، يتضمن إشارات مرورية وطرقا فرعية للطريق المعبد الذي خصص لمرور الآليات العسكرية، ومع استمرار خطتها العسكرية لتفريغ شمال قطاع غزة من السكان، وتهجيرهم قسرا، وهي خطط عارضتها حماس سابقا، وأدت إلى تعثر جهود الوساطة، حيث تطلب حماس بانسحاب كامل من القطاع، وفقا لمقترحات التهدئة.
ولذلك حذرت حركة حماس من تنفيذ «خطة الجنرالات» لإفراع شمال غزة، وقالت إن الخطة التي تحاول حكومة الاحتلال وجيشها الإرهابي تنفيذها في شمال القطاع؛ هي «وصفة إبادة مكتملة الأركان، وعملية تهجير قسري إجرامية تحت وطأة التطهير العرقي والمذابح والتجويع» منتقدة صمت المجتمع الدولي عنها، في ظل مُضِيّ الاحتلال في تنفيذها، ما يضع علامات استفهام كبيرة أمامَ سلوكٍ يصل «حد التواطؤ» مع جريمة العصر بحق المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، وطالبت المجتمع الدولي بأن يخرج من دائرة الصمت والتخاذل، وأن يُعلِن موقفاً واضحاً من هذه الجريمة النكراء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية