سجل إنتاج عسل النحل هذا العام تراجعاً كبيراً في الكميات، وجاءت التوقعات مخيبة لآمال أصحاب المناحل.
وتنتشر في قطاع غزة العديد من المناحل داخل البساتين والمناطق الزراعية، حيث يعتبر النحل من أكثر القطاعات الحيوانية تضرراً من الاحتلال الإسرائيلي، لتواجد معظم المناحل على الحدود الشرقية لقطاع غزة، والتي تتعرض باستمرار للانتهاكات سواء من الآليات العسكرية التي تقدم على تجريفها، أو بفعل رش المبيدات الحشرية التي تتسبب في نفوق الآلاف منها وتكبيد أصحابها خسائر فادحة.
ومنذ القدم يهتم الغزيون بتربية النحل وجني العسل، ويعتبر عسل النحل من الكنوز الطبيعية في فلسطين، وكان المزارعون قديماً يربون النحل داخل أواني فخارية تسمى قواديس، تصنع من الطين والقش وتوضع فوق بعضها، ويتم وضع هذه القواديس في البساتين ليتغدى النحل على الأزهار، كما يتم وضع الخلايا بشكل عام في أماكن بعيدة عن البرد والمطر والضوضاء.
ومنذ أكثر من 10 أعوام يعاني أصحاب مزارع النحل من مضايقات الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتم إطلاق النار المتعمد عليهم وحرق الأزهار والأشجار القريبة من خلايا النحل، ونتيجة هذه الاستفزازات اضطر عدد كبير من المزارعين لترك المهنة، وتراجع عدد خلايا النحل في غزة من 30 ألف إلى 10 آلاف خلية، ما يهدد باندثار المهنة.
ويعتمد مربو النحل في فلسطين بشكل عام على الطريقة العلمية، ويستخدمون أحدث الأجهزة والتقنيات في تربية النحل، في حين تعتبر أرض فلسطين موطنا لأسراب النحل المهاجرة، حيث التنوع المناخي وتوافر المحاصيل الزراعية بكافة الأنواع، إضافة إلى ذلك هناك ميزة أخرى للنحل في فلسطين، فهو يعمل ثمانية أشهر في السنة، بينما يعمل شهرين فقط في مناطق أخرى.
ويقول محمود حجازي صاحب منحلة بالقرب من الحدود الشرقية لقطاع غزة، إن موسم حصاد العسل هذا العام «لم يلب الطموحات التي كنا نتوقعها، بل شهد الإنتاج تراجعاً غير مسبوق عن الأعوام الماضية وذلك بفارق 6 كيلو».
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن هناك عدة أسباب أدت لتراجع الإنتاج هذا الموسم وسيستمر التراجع خلال الأعوام المقبلة، ومنها هجران أسراب كبيرة من النحل خارج حدود قطاع غزة، بسبب عمليات القصف المتكررة للمناطق الزراعية من قبل الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى رش الطائرات المحاصيل الزراعية بالمبيدات السامة التي أدت إلى قتل أعداد كبيرة من النحل أثناء التغذية على الزهور.
وبين أن مهنة تربية النحل مكلفة وتحتاج إلى مصاريف، فتكلفة بيع خلية النحل الواحدة ارتفعت من 200 إلى 700 شيكل، كما أن تكلفة شراء النحل من الجانب الإسرائيلي مرتفعة جداً، إضافة إلى أن الخلايا تحتاج إلى أدوية بين الفينة والأخرى، لمنع وصول الحشرات السامة إلى قنواتها وقتل النحل.
ولفت إلى أن إنتاج العسل في قطاع غزة يعتمد على موسمين، الأول يكون خلال فصل الربيع مطلع نيسان/ابريل، ويتميز الإنتاج خلال هذه الفترة بجودة عالية ووفرة، وفيه يركز أصحاب المناحل على أزهار الربيع في تغذية النحل من دون أي إضافات بشرية، أما الموسم الثاني فيكون بداية فصل الصيف، وفيه تكون الأزهار شبه معدومة وهو موسم أقل جودة في العسل المنتج، لاعتماد أغلب مربي النحل على السكر في التغذية الأمر الذي يؤثر سلباً على جودة وكمية المنتج.
وعن أنواع النحل والعسل في فلسطين يقول حجازي: يختلف العسل تبعاً لعوامل كثيرة ومتداخلة، منها اختلاف أنواع النحل والمراعي من أشجار وأزهار وتربة، وعوامل بيئية تشمل المناخ والجغرافيا، كما تتميز فلسطين بسلالات خاصة من النحل، ومنها الحارثي الأصفر وهو ضعيف الإنتاج، والصنف الآخر القمري ولونه أسود، وهو أكبر حجماً وإنتاجاً من الحارثي، ومع تطور الزمن ظهرت سلالات أخرى مهجنة.
وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة المهندس أدهم البسيوني إن القطاع ينتج حوالي 200 طن من العسل طوال العام، فيما يعمل بهذه المهنة نحو 350 نحالاً في الأطراف الشرقية للقطاع، كما أن الإنتاج المحلي من العسل في غزة يغطي 80 في المئة من احتياجات السوق، لكن خلال السنوات الماضية تم استيراد كميات لتغطية العجز في السوق.
وأوضح البسيوني لـ«القدس العربي» أن الوزارة سجلت هذا العام تراجعاً ملحوظاً في إنتاج العسل مقارنة بالأعوام المنصرمة، وهذا يعود إلى رش المبيدات الحشرية من قبل إسرائيل على طول الحدود الشرقية، وكذلك ما نجم من أضرار عن سلسلة المنخفضات الجوية التي ضربت القطاع.
وبين أن الوزارة تحاول جاهدة تقديم المساعدة النقدية لأصحاب المناحل والعاملين في هذه المهنة لضمان استمرار عملهم، كما أنها تعمل على رش الخلايا والأشجار ببعض المبيدات التي تمنع تفشي أمراض ومنها الفاروا الطفيلي الذي يعيش داخل الخلايا ويؤدي إلى تراجع إنتاج العسل.
وأضاف إن تراجع إنتاج عسل النحل سيؤدي إلى ارتفاع أسعاره، وهذا سينعكس على المواطن الذي لا يرغب في شراء المستورد بالرغم من انخفاض أسعاره، كونه غير مضمون وربما مغشوش، بينما المحلي يتميز بالجودة العالية.
وأشار أن سعر كيلو العسل في القطاع يتراوح بين 60 إلى 120 شيكلا، أي ما يقارب من 30 دولاراً أمريكيا حسب نوع الزهور التي يتغذى عليها النحل، لكن توقع البسيوني أن يرتفع سعر بيع كيلو عسل النحل هذا العام إلى ما فوق 150 شيكلا، نتيجة شح الكميات وبالتالي سيؤثر ارتفاع السعر على المستهلك في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.