غزة: تضامن شعبي واسع مع أسرى جلبوع الفارين ودعوات للتشويش على عمليات البحث الإسرائيلية

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

يحظى الأسرى الفلسطينيون المعتقلون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بمنزلة كبيرة في وجدان الشعب الفلسطيني، لما تمثله قضيتهم من قيمة معنوية ونضالية وتعتبر من أبرز اهتمامات الفلسطينيين، كما أن قصة صمودهم ومقاومتهم للمحتل، تعتبر نموذجاً يقتدى به على الرغم من المعاناة التي يواجهونها من قبل إسرائيل، من خلال تعذيبهم والتنكيل بهم للنيل من عزيمتهم.
ووفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين، فقد بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين القابعين داخل السجون الإسرائيلية نحو 4 آلاف أسير، من بينهم 225 أسيراً من الأطفال، و43 أسيرة فلسطينية و540 أسيراً يواجهون الاعتقال الإداري لم تصدر بحقهم السلطات الإسرائيلية أي لائحة اتهام ولم يتم تقديمهم للمحاكمات العسكرية، فيما يقضي 547 أسيراً أحكاماً بالسجن المؤبد مدى الحياة.
وفي ظل المعاناة القاسية التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون داخل المعتقلات الإسرائيلية، وصمت المجتمع الدولي والعربي على ممارسات إسرائيل التعسفية بحقهم، فرض الأسرى داخل السجون العديد من الخطوات التصعيدية لمواجهة مخططات إدارة السجون، حيث شرعوا بالضغط على الاحتلال من خلال الدخول في معركة الأمعاء الخاوية، والتي خاضها وما زال يخوضها عدد من الأسرى كرد على إجراءات إدارة السجون التعسفية بحقهم، حيث لاقت هذه المعركة دعماً وإسناداً ومناصرة من قبل الشعب الفلسطيني، ونجحت في تحقيق مطالب العديد ممن خاضوا هذه المعركة.

هروب نوعي

وتشهد فلسطين استنفارا شعبياً واسعاً تضامناً مع حراك حافل للأسرى داخل السجون الإسرائيلية، وإلى جانب ذلك عم الفرح والسرور الشارع الفلسطيني، ووزع المواطنون الحلوى ابتهاجاً بانتزاع ستة من الأسرى الفلسطينيين حريتهم من داخل سجن جلبوع الإسرائيلي الأكثر تحصيناً، بعد أن تمكنوا من حفر نفق أسفل السجن والهروب في عملية نوعية، تمثل تحدياً واضحاً للتعقيدات الأمنية الإسرائيلية وتؤكد توق الفلسطينيين الأبدي للحرية. ومن هنا لم يكن مستغرباً توجه الاحتلال للانتقام من السجناء الفلسطينيين للتغطية على فشله في العثور على خيوط توصله بالأسرى، ولذلك تشهد سجون الاحتلال حالة تمرد من قبل الأسرى الفلسطينيين، انتصاراً للأسرى الستة الفارين ورفضاً لإجراءات الاحتلال الانتقامية ضد الحركة الأسيرة، حيث أشعل أسرى سجن النقب الصحراوي النار في الزنازين، فيما أشعل أسرى سجن ريمون النيران في عدة أقسام داخل السجن، وذلك احتجاجاً على حملة القمع الشرسة التي يتعرضون لها.
ويعد سجن جلبوع الإسرائيلي، قلعة حصينة أقيمت من الأسمنت المسلح والفولاذ، ويحاط السجن بجدار ارتفاعه تسعة أمتار ويوجد في أعلاه صاج مطلي، وذلك كبديل عن الأسلاك الشائكة التي توجد عادة في جميع السجون، وقد نصب على جميع نوافذ السجن قضبان مصنوعة من الحديد والإسمنت، فيما تم إدخال عنصر سري تحت أرضية السجن كي لا يسمح بالحفر، ومع بداية افتتاحه تم نقل مجموعة من الذين يعتبرون من النواة الصلبة للأسرى، كما يخضع لإجراءات أمنية مشددة ومعقدة.
ونتيجة لحالة الهستيريا التي تنتاب أجهزة الأمن الإسرائيلي، أقدم الجيش على سلسلة إجراءات عقابية بحق عائلات الأسرى الستة، حيث يواصل شن حملة اعتقالات واسعة بحق أقرباء وأصدقاء الأسرى الفارين، إلى جانب الاعتداء على منازل ذوي الأسرى، ونتيجة لذلك يواصل المواطنين في الضفة الغربية التصدي لممارسات الاحتلال بحق أهالي الأسرى والاقتحامات المتكررة للقرى والمدن الفلسطينية، حيث دعت القوى الوطنية والإسلامية المواطنين في قطاع غزة والضفة الغربية، للخروج الجمعة الماضية في مظاهرات حاشدة على كافة نقاط الاحتكاك مع إسرائيل، اسناداً للأسرى وللتشويش على محاولات الجيش البحث والعثور عليهم.
وقالت صحيفة «إسرائيل اليوم» العبرية، إن المؤسسة الأمنية متخوفة من التطورات الميدانية المصاحبة لعمليات البحث المتواصلة عن الأسرى الستة الفارين، والخوف يزداد من فقدان السيطرة على الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، فإسرائيل باتت تعي بأن السلطة الفلسطينية لا يمكنها أن تعبر على الموضوع، لأن ملف السجناء يجمع عليه الشارع الفلسطيني، ولكن مصلحتها هي الحفاظ على الهدوء خوفاً من عنف محتمل يوجه ضدها أيضاً، ولكن حالة الاستعداد في مخيم جنين من قبل المواطنين وفصائل المقاومة لمواجهة اقتحامات الجيش، تنذر بتفجر الأوضاع الأمنية.

إهانة ثانية لإسرائيل

وأشارت الصحيفة إلى أن الجمهور الفلسطيني يعرف هرب الفلسطينيين الستة كإهانة ثانية لإسرائيل، بعد نشر صور الحادثة التي قتل فيها القناص برئيل شموئيلي على حدود غزة، فحالة التضامن الواسعة من قبل الشارع الفلسطيني مع الأسرى زادت من إحباط الجيش الإسرائيلي، فهذا التضامن يرفع من معنويات الأسرى داخل السجون، ويجعلهم يفكرون بالانتقام من السجانين، كما أن ذلك يدفعهم للتفكير في كيفية انتزاع الحرية أسوة بالأسرى الفارين.
واعتبر مواطنون في قطاع غزة، أن تمكن الأسرى من تحرير أنفسهم بطريقة غير متوقعة رغم كل الإجراءات والتعقيدات الأمنية، هو عمل بطولي شجاع وانتصار لإرادة وعزيمة أسرانا الأبطال، في حين إن انتزاع الحرية بهذه الطريقة المذهلة، شكل عملاً بطولياً كبيراً وأحدث هزة شديدة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية التي تتباها بقوتها الأمنية والعسكرية.
في سياق ذلك، أشاد المواطن محسن أبو كرش بعملية الهروب العظيم التي نفذها الأسرى الفلسطينيون الستة في معتقل جلبوع، مشيراً إلى أن ما جرى يؤكد على صلابة الإرادة الفلسطينية وتحديداً لدى الأسرى الذين يعبرون بشكل يومي عن صمودهم في وجه الإجراءات التعسفية التي تنتهجها مصلحة السجون بحقهم، وهو مؤشر على أن الشعب الفلسطيني مستعد أن يتجاوز كافة المعيقات في سبيل الحرية وكسر القيود الإسرائيلية.
وقال لـ»القدس العربي»: «إن ما حدث هو حق وليس هروبا» في حين شكل انتزاع الأسرى لحريتهم بهذه الطريقة البطولية صفعة كبيرة وموجعة لمصلحة السجون الصهيونية، وذلك لفشلها الذريع في الكشف عن هذه العملية، رغم عمليات التفتيش المستمرة واليومية لزنازين الأسرى، بالإضافة إلى الحراسة المشددة وكاميرات المراقبة الدقيقة التي تغطي مساحات واسعة، ورغم كل هذه الإجراءات والتعقيدات نجح الأسرى من الفرار.
أما المواطن محمود الأشقر فقد عبر عن فرحته بانتزاع الأسرى حريتهم، من خلال توزيع الحلوى على المركبات والمحال التجارية المجاورة لمنزله، داعياً في حديثه لـ»القدس العربي» المواطنين وكل الأحرار في الضفة الغربية، للتشويش على محاولات البحث من قبل الجيش الإسرائيلي عن الأسرى، والعمل على احتضانهم وتوفير الحماية اللازمة لهم، باعتبار ذلك واجب وطني على كل فلسطيني في ظل التعاون الأمني بين السلطة والاحتلال، والذي من شأنه التأثير على الحاضنة الشعبية الفلسطينية.

تطورات خطيرة

وبين الكاتب والمختص في شؤون الأسرى شريف الحلبي أن المرحلة الحالية تشهد تطورات خطيرة، تكاد تكون من أخطر المراحل التي يمر بها الأسرى في السجون، بسبب إجراءات الاحتلال الانتقامية بحقهم في كافة السجون، مع انه لم يعهد من قبل أن رفع الأسرى الراية البيضاء، فهم على الدوام يواجهون مخططات الاحتلال ويتخذون خطوات تصعيدية، تصل أحياناً إلى الإضراب العام والعصيان المدني داخل السجون لانتزاع حقوقهم.
وقال الحلبي لـ»القدس العربي»: «إن عملية الهروب الكبير ستكون لها تداعيات على الشارع الفلسطيني، كما أن العملية لها ارتدادات على المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، والتاريخ سيكتب أن هذه العملية لها ما بعدها، حيث أدخلت الاحتلال في حرب نفسية منذ اللحظة الأولى لاكتشاف الأمر، وأدرك فشله في الحصول على معلومات حول الأسرى أنه في مأزق أمني غير مسبوق».
وأوضح الحلبي أن ما حدث في سجن جلبوع، كان له وقع إيجابي على الجميع سواء الأسرى في السجون أو المواطنين في الخارج، وأسهم في رفع المعنويات، في حين إن عملية الفرار التي قام بها الأسرى الأبطال، ستفتح المجال أمام باقي الأسرى للتفكير بطرق تمكنهم من الانتصار على السجان، لافتاً إلى أن الاحتلال لن يدخل تكنولوجيا جديدة إلى السجون فيما يتعلق بالبناء، فهي محصنة جيداً ولكن عزيمة الأسرى منحتهم الفرصة في الخروج رغم القيود والتحصينات المشددة.
ويتعرض الأسرى الفلسطينيون لأبشع صور التعذيب داخل السجون في أعقاب عملية جلبوع، وتتجه الأمور نحو المزيد من العمل العنصري الانتقامي بتوجيهات ودعم سياسي وعسكري إسرائيلي، للتغطية على الانكسار أمام بطولة وعزيمة ستة أسرى كسروا المنظومة الأمنية الإسرائيلية الأكثر تحصيناً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية