غزة تنتظر… تمديد وقف إطلاق النار أم عودة التصعيد العسكري؟

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: بالرغم من نجاح جهود الوسطاء في استكمال عمليات تبادل الأسرى ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الرسائل الإسرائيلية الأخيرة، خاصة تأجيل عملية التبادل، وما واكبها من تصريحات لمسؤولين كبار في دولة الاحتلال وآخرين أمريكيين، تثير الشكوك حول رغبه حكومة اليمين الإسرائيلية في المضي قدما تجاه تطبيق باقي بنود التهدئة، رغم انطلاق مفاوضات جديدة بخصوص التهدئة في العاصمة المصرية القاهرة.
وبشكل مفاجئ وبمبررات واهية، جمدت إسرائيل إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين من سجونها، وهم المقرر إطلاق سراحهم في المرحلة الأولى من اتفاق التهدئة، بعد مزاعم أن أسراها الستة الذين أطلق سراحهم في الدفعة الأخيرة، تعرضوا لـ«الإهانة»، من قبل المقاومة خلال عملية التسليم لطواقم الصليب الأحمر، لتلقي هذه المعضلة بظلالها على الأوضاع الميدانية في قطاع غزة، كادت أن تنسف اتفاق التهدئة كليا، وتعيد الأمور إلى المربع الأول.
وعلى مدار أيام من الاتصالات المكثفة التي قام بها وسطاء التهدئة، كانت إسرائيل تماطل في تنفيذ التزاماتها الخاصة بالتبادل، حتى نجاح العملية نهاية الأسبوع الماضي، بعد لقاءات عقدها المسؤولون المصريون مع وفد قيادي من حماس زار القاهرة، في وقت كانت القاهرة قد فتحت خط اتصالات بمسؤولين إسرائيليين، نجحت في نهايته في تذليل الصعاب.
وأعلنت حركة حماس، في نهاية مفاوضات واتصالات شاقة، عمل خلالها الوسطاء على منع انهيار الاتفاق والاستمرار في تنفيذه، أن وفدا قياديا برئاسة خليل الحية، الذي يرأس وفدها المفاوض، اختتم زيارة إلى العاصمة المصرية القاهرة، التقى فيها مع المسؤولين المصريين، حيث جرى التباحث في مجريات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى واستشراف مفاوضات المرحلة الثانية منه، وقالت الحركة إن وفدها أكد على موقفها الواضح بضرورة الالتزام التام والدقيق ببنوده ومراحله كافة.
وذكرت أنه جرى التوافق أيضا على حل مشكلة تأخير الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، الذين كان يجب إطلاقهم في الدفعة الأخيرة، على أن يتم إطلاق سراحهم بشكل متزامن مع جثامين الأسرى الإسرائيليين المتفق على تسليمهم خلال المرحلة الأولى، بالإضافة إلى ما يقابلهم من النساء والأطفال الفلسطينيين.
وبعد جهود مضنية، جرى إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وعددهم 640 أسيرا، وبينهم محكومون بأحكام عالية جدا، لتتم بذلك آخر عمليات تبادل الأسرى، في مرحلة التهدئة الأولى. لكن تراجع حكومة اليمين الإسرائيلية عن موقفها بعرقلة صفقة التبادل، بعد تدخل الوسطاء، لم يمنع استمرارها في انتهاك باقي البنود بشكل واضح، ما يدفع لترجيح الرأي الذي يشكك في جدوى التزامها بالاتفاق، والانتقال إلى المرحلة الثانية.
وقد بدا ذلك بعد تأجيل مبعوث الرئيس الأمريكي للمنطقة ستيف ويتكوف، زيارته التي كانت مقرر يوم الأربعاء الماضي، والتي كان يهدف منها متابعة ملف التهدئة.

مخاوف من القادم

مجمل التطورات على الأرض كانت تشير إلى ذلك، وتؤكد أن عملية تأجيل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين كانت مقدمة لانتهاكات أكبر، ربما تكشف عنها قادم الأيام، خاصة مع بدء مفاوضات جديدة، بدون التزام إسرائيل بأن يتم خلالها بحث الانتقال للمرحلة الثانية، والإبقاء على طلبها تمديد المرحلة الأولى فقط، والتي من المؤكد أن يتشدد فيها فريق إسرائيل بتعليمات من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بعد أن تسربت أنباء من مصادر مطلعة في إسرائيل، تفيد بأن نتنياهو وحكومته اليمينية، يريدون التمديد لوقف إطلاق النار بموجب المرحلة الأولى، لتكسب عملية تبادل الأسرى، وتنهي الضغط الشعبي عليها، من دون أن تقطع أي التزام بوقف شامل وكامل للحرب على غزة، ما يجعل احتمالية العودة إلى أصوات القصف والمدافع واردا في أي لحظة.
ويدلل على ذلك أيضا، تعمد نتنياهو تأخير انطلاق مفاوضات المرحلة الثانية، بعد أن غير طاقم التفاوض الذي كان يتواجد في المرحلة الأولى، واستثنى قادة الأمن ودفع بأحد الوزراء المقربين منه لتولي رئاسة الوفد الإسرائيلي.
وكان من المفترض ان تطلق مفاوضات المرحلة الثانية في اليوم 16 لدخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ما يعني أن عملية التفاوض قد تأخرت حتى اللحظة لثلاثة أسابيع.
وفي إسرائيل، يدرك نتنياهو أن خطوة الذهاب إلى المرحلة الثانية من الصفقة، وتطبقها على أرض الواقع، بإعلان انسحاب قواته بالكامل من قطاع غزة، بما في ذلك «محور فيلادلفيا»، الفاصل عن مصر، سيكلفه منصبه في سدة الحكم، خاصة بعد تهديدات شريكه في الائتلاف الحكومي اليميني الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يرأس حزب «الصهيونية الدينية» بالانسحاب من الائتلاف، ما يعني انهيار الحكومة.
ولذلك فقد استبق نتنياهو بدء المفاوضات التي أعلن شكلا عن موافقته على بدئها، ووضع شروطا تعجيزية، مرفوضة من حركة حماس وفصائل المقاومة، وقد أعلن عنها الوزير الإسرائيلي ايلي كوهين، والتي اشتملت على إفراج الفصائل المسلحة في غزة عن جميع الأسرى الإسرائيليين، وعدم بقاء حماس في القطاع، وتجريد غزة من السلاح، وسيطرة أمنية إسرائيلية.
هذا ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، عن وزراء في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، قولهم إن نتنياهو يرغب في توسيع المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار مع غزة، وعدم التوجه إلى المرحلة الثانية، وأن هذا الأمر يقابل برغبة أمريكية في توسيع المرحلة الأولى لإطلاق سراح المزيد من الأسرى الإسرائيليين.
وفي هذا السياق، نقلت قناة « i24NEWS» الإسرائيلية عن مسؤول سياسي كبير في تل أبيب قوله إن إسرائيل مستعدة لإتمام المرحلة الأولى من الصفقة، لكن من المتوقع أن تكون المرحلة التالية أكثر تعقيدا وأطول من المتوقع.
هذه المصادر قالت إنه لا يوجد جدول زمني واضح لاستكمال المرحلة الثانية، وأن إسرائيل لن توافق على الانسحاب من المناطق الاستراتيجية في قطاع غزة، بما في ذلك «محور فيلادلفيا» والمحيط الأمني بالقطاع، من دون اتفاق كامل على استمرار الصفقة، حيث من المفترض أن تنسحب إسرائيل من هذه المناطق وتحديدا «محور فيلادلفيا»، في اليوم الأخير للمرحلة الأولى، التي تنتهي السبت.  ويدلل على ذلك ما قاله نتنياهو الأسبوع الماضي، بأن جيشه مستعد لاستئناف القتال المكثف في قطاع غزة في أي لحظة، مشيرا إلى أن الخطط العملياتية لذلك قد أعدت بالفعل. وجاء الكشف عن خطط لنتنياهو حول غزة، وتخطيطه للهروب من الاتفاق والعودة إلى التصعيد والحرب، مع دعوة نائب رئيس «الكنيست» الإسرائيلي نيسيم فاتوري، إلى قتل كافة الرجال البالغين في غزة، زاعما رغم الوحشية والمجازر التي اقترفت في غزة وقت الحرب، أن إسرائيل تتعامل مع سكان غزة «بشكل متسامح أكثر من اللازم». وقال نيسيم فاتوري: «إنهم (الفلسطينيون بغزة) منبوذون ولا أحد في العالم يريدهم، يجب فصل الأطفال والنساء وتصفية البالغين»، وزعم كذلك أن المجتمع الدولي يدرك أن «سكان القطاع غير مرحب بهم في أي مكان، ويدفعهم باتجاه إسرائيل».
وتتكشف خطط نتنياهو أيضا تجاه إبقاء احتلال غزة، والسيطرة عليها، وفق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما أكد من جديد على ضرورة دعم خطة الترحيل القسري لكان غزة، وضرورة تطبيقها، وقال إن «خطة ترامب بشأن قطاع غزة يجب أن تحظى بالدعم وأن تطبق»، وأضاف «الجميع يقول إن غزة أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض، لذا سمحنا بالمغادرة دون دفع شيء»، لافتا إلى أن هذه الخطة تهدف إلى منح سكان قطاع غزة حرية مغادرته، مشيرا إلى أن إسرائيل تؤيد هذه المبادرة.
وأكد نتنياهو أن هدف إسرائيل الأساسي هو «القضاء على حماس وإعادة المحتجزين، وضمان ألا يشكل القطاع تهديدا مستقبليا على البلاد»، لافتا إلى أن «إسرائيل تعمل على تغيير وجه الشرق الأوسط بفضل شجاعة مقاتليها وقرارات القيادة السياسية التي تم اتخاذها في هذا السياق».
ولذلك كشفت «القناة 12 العبرية» أن نتنياهو أبلغ الإدارة الأمريكية قبل أن يدفع بفريق التفاوض إلى القاهرة، أنه يريد استئناف المفاوضات، وتمديد المرحلة الأولى من الصفقة، وأن وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات لغزة، سيستمر فقط مقابل الإفراج عن محتجزين.
ويؤكد ذلك، ما قاله وزير الجيش يسرائيل كاتس، بعد إنجاز التبادل في المرحلة الأولى، إن أفضل طريقة لاستعادة جميع الإسرائيليين الأسرى، بأن «تدرك حماس أن الجيش مستعد للعودة للحرب».
أما الوزير المتطرف سموتريتش، فأعلن أن جيشه يستعد لاحتلال قطاع غزة بقيادة رئيس الأركان الجديد إيال زامير وبالتنسيق مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقال خلال اجتماع لكتلة حزبه اليميني المتطرف «عندما نقرر أن الوقت قد حان لاستئناف الحرب، ستفاجأون بقوة وحِدة وفتك عملية احتلال غزة»، وتوعد حماس بـ«انتقام مؤلم لن يترك لها بقايا أو لاجئا».
في السياق، كان الشريك الأمريكي في الحرب على غزة يروج لهذه الخطة، التي يريد منها ترامب السيطرة على قطاع غزة، حيث كشف ويتكوف، أنه يجرى التحضير لعقد قمة مع مطورين عقاريين ومخططين من الشرق الأوسط قريبًا لبحث خطة إدارة ترامب بشأن مستقبل غزة، ونقل عنه القول إن العديد من الدول تواصلت مع واشنطن لعرض المشاركة في حل دائم لسكان عزة.
وجاء تنصل الاحتلال الإسرائيلي من الاستمرار بوقف إطلاق النار، وتطبيق المرحلة الثانية، بغطاء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إن هذا القرار، وكذلك قرار وقف الحرب، بيد إسرائيل، ونشر ترامب أيضا مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يتخيل فيه غزة بعد تحويلها إلى منتجع سياحي، ترويجا لمشروعه الخاص بتهجير سكانها والسيطرة عليها، وتحويلها إلى «ريفييرا الشرق الأوسط».

موقف حماس

وبشكل رسمي انتهت المرحلة الأولى من صفقة غزة ومدتها 42 يوما يوم السبت، ووفقا للاتفاق، سيستمر وقف إطلاق النار طالما أن المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من الصفقة جارية، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى احتمالات أخرى، بسبب سياسات الاحتلال.
وكان من المفترض أن يجري بدء عملية التفاوض حول المرحلة الثانية، التي تشمل وقف الحرب كليا، وانسحاب إسرائيل الكامل من غزة بما في ذلك «محور فيلادلفيا» الفاصل عن مصر، في اليوم الـ 16 لاتفاق المرحلة الأولى، لكن هذا الأمر لم يتم بسبب رفض نتنياهو إرسال فريق التفاوض الإسرائيلي، ومن ثم الإعلان عن رفضه الدخول في هذه المرحلة، والعمل على تمديد المرحلة الأولى، والاستمرار في عمليات تبادل الأسرى.
في المقابل، أعلنت حركة حماس مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، التزامها الكامل بتنفيذ كافة بنود الاتفاق بجميع مراحله وتفاصيله، وطالبت المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال للالتزام بدوره في الاتفاق بشكل كامل والدخول الفوري في المرحلة الثانية منه دون أي تلكؤ أو مراوغة. وأكدت أن تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي، حول إبقاء المنطقة الحدودية بين غزة ومصر منطقة عازلة يعد «انتهاكا واضحا لاتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولة لاختلاق الذرائع لتعطيله وإفشاله».
ولذلك تبقى الشكوك قائمة حول نوايا رئيس حكومة الاحتلال، رغم قيامه بعد تأخير طويل بإرسال وفد تفاوض إلى العاصمة المصرية القاهرة.
وذكرت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية نهاية الأسبوع الماضي، أن وفدين من إسرائيل وقطر، وصلا إلى القاهرة، لاستكمال المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وذلك بمشاركة ممثلين عن الجانب الأمريكي، وأوضحت أن الأطراف المعنية بدأت مباحثات مكثفة، لبحث المراحل التالية من اتفاق التهدئة، وسط جهود متواصلة لضمان تنفيذ التفاهمات المتفق عليها، وأشارت إلى مواصلة الوسطاء بحث سبل تعزيز إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف معاناة السكان ودعم الاستقرار في المنطقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية