غزة ـ «القدس العربي»: تدلل التهديدات الإسرائيلية بتصعيد العدوان على غزة، والتي ترجمت خلال الأيام الماضية واقعا على الأرض، من خلال سلسلة مجازر دامية استهدفت قطاع غزة راح ضحيتها عشرات المدنيين، أن حكومة اليمين الإسرائيلي تواصل سياستها القائمة على الضغط الميداني لفرض شروط التهدئة، أو إفشالها في حال رفضت هذه الشروط التي لا تعطي أي تعهد بوقف الحرب، لتكون بذلك قد أدارت ظهرها للوسطاء وللإدارة الأمريكية التي تلقت «بادرة حسن نية»، بإطلاق سراح أحد الجنود الأسرى الذين يحملون جنسيتها، بعد تعهدها بوقف الحرب وانهاء الحصار.
نزيف غزة
ولوحظ الأسبوع الماضي أن حكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة، لم تأبه لتدخلات الوسطاء بمن فيهم أمريكا، والتي هدفت إلى إنهاء الحرب، وبدلا من التوجه نحو تهدئة الأمور الميدانية، صعدت من الهجمات الدامية، خاصة بعد إطلاق حركة حماس سراح الأسير مزدوج الجنسية عيدان ألكسندر، وكذلك بعد دفع الحكومة بوفدها لمفاوضات التهدئة لزيارة العاصمة القطرية الدوحة، بما يؤكد أن إرسال الوفد جاء بعد الضغط الأمريكي، وليس اقتناعا بإنهاء الحرب.
ولم تكد تمضي على عملية إطلاق سراح الأسير ألكسندر الأسبوع الماضي سوى وقت قصير، حتى بدأت إسرائيل بتنفيذ تهديدات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتصعيد الميداني، فشرعت بغارات جوية تزايدت وتيرتها بشكل خطير مع مرور أيام الأسبوع، لتحصد أرواح مئات المدنيين غالبيتهم من الأطفال والنساء، وكان من بينهم صحافيون.
وفي اليوم الأول لذهاب الوفد الإسرائيلي للدوحة لبدء مفاوضات تهدئة جديدة برعاية الوسطاء المصريين والقطريين والأمريكيين، قام الطيران الحربي الإسرائيلي باستهدافات عدة كان أخطرها تلك التي ضربت مشافي ناصر والأوروبي في مدينة خانيونس، فالأول أسفر عن استشهاد الصحافي حسن أصليح وآخرين، فيما الثاني نجمت عنه مجزرة راح ضحيتها 16 مواطنا، ولم تقف المجازر عند هذا الحد، فقد دمرت أجزاء كبيرة من المشفيين، وهما يعانيان من نقص حاد في المواد الطبية والأجهزة التي دمر الكثير منها في الغارات.
وعلى ذات الوتيرة، لم يكن يمضي على بدء الوفد الذي أرسله نتنياهو بطلب من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بعد إطلاق حماس سراح الأسير ألكسندر، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، حيث تعهدت أمريكا مقابل ذلك دفع إسرائيل لبدء مفاوضات تهدئة جديدة وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، حتى اقترفت مجزرة أكثر دموية، تمثلت في سلسلة استهدافات متلاحقة على العديد من المنازل في مناطق شمال قطاع غزة التي استهدفت أكثر من مرة بغارات دامية وعنيفة الأسبوع الماضي، وكذلك مدينة خانيونس جنوبي القطاع، لتسفر الغارات عن استشهاد وإصابة المئات من المواطنين، فيما لا يزال آخرون تحت ركام المنازل المدمرة.
ووثقت لقطات مصورة حجم الدمار الذي لحق بتلك الأماكن، كما وثقت حجم المأساة التي تركتها الغارات التي أبادت عائلات كثيرة من السجل المدني، فقتلت الآباء والأمهات والأطفال، وبثت الخوف والذعر في صفوف المواطنين الذين يواجهون حرب الجوع التي تفتك بهم بسبب الحصار المفروض عليهم أيضا من قبل إسرائيل.
وبسبب تلك الغارات العنيفة ضد غزة، أبدت عائلات الأسرى الإسرائيليين قلقها على مصير أبنائها جراء هذا التصعيد، وحذرت حكومة بنيامين نتنياهو من إضاعة فرصة التوصل إلى صفقة تبادل ووقف إطلاق النار، وجاء في بيان أصدرته «استيقظت عائلات المختطفين صباح اليوم (الجمعة) بقلوب ثقيلة وقلق كبير وسط تقارير عن تزايد الهجمات في قطاع غزة واقتراب انتهاء زيارة الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب إلى المنطقة».
إبقاء الحصار
وبدلا من إدخال المساعدات لسكان قطاع غزة، بناء على الوعد الأمريكي مقابل إطلاق سراح الأسير ألكسندر، أبقت سلطات الاحتلال على الحصار المطبق الذي فرضته يوم الثاني من اذار/مارس الماضي، لتزيد بذلك من أعباء الحياة ومشقاتها على كافة الأصعدة، حيث تزايد عدد الجوعى فيما تزايدت التحذيرات من موت المرضى جراء نقص الأدوية.
وكان أكثر ما يدلل على ذلك، هو تصريحات نتنياهو التي كانت قبل وبعد إطلاق سراح هذا الأسير، ففي البداية قال متوعدا، إن هذا الأمر لن يقابل بوقف لإطلاق النار في قطاع غزة أو الإفراج عن أسرى فلسطينيين، معلنا أن إسرائيل «غير ملزمة بأي وقف لإطلاق النار أو الإفراج عن إرهابيين، بل هي ملزمة فقط بإقامة ممر آمن يسمح بالإفراج عن عيدان»، وقد زعم كذلك أن التعهّد بالإفراج عن ألكسندر لم يأت إلا بعد «الضغوط العسكرية» في قطاع غزة، وأضاف «نعيش أياما حاسمة تم خلالها عرض اتفاق على حماس يتيح الإفراج عن رهائننا»، وقال إن مفاوضاته غير المباشرة مع حماس للتوصل إلى اتفاق لضمان الإفراج عن جميع الأسرى في غزة ستتواصل «تحت النار، تزامنا مع التحضيرات لتصعيد القتال».
تهديدات متتالية
وتلا ذلك بتصريحات مماثلة، قال فيها إن «مهمتنا لم تنته ومستمرون في العمل بكل حزم وقوة حتى يعود كل المخطوفين إلى منازلهم»، كما توعد بتوسيع رقعة الهجمات البرية ضد قطاع غزة، وقال «سندخل بكل قوة من أجل استكمال هزيمة حماس في الأيام المقبلة»، وقد كشف عن مخططه تجاه الحرب، والذي يدلل على عدم وجود نوايا لوقف كامل للحرب، رغم إرساله وفده المفاوض للدوحة، بالقول «قواتنا على أهبة الاستعداد وإذا قررت حماس إعادة 10مخطوفين سنتسلمهم ثم نستكمل العملية»، وليتابع «لن يكون هناك وضع نوقف فيه الحرب ولكننا قد نتوصل إلى وقف إطلاق نار لوقت محدد ثم نستأنف حتى النهاية.. سنذهب باتجاه تحقيق النصر المطلق في قطاع غزة»، وقد كشف عن استمرار خطته لتهجير سكان غزة، وقال إن ما يعيق ذلك هو عدم وجود دولة تستقبلهم.
وتعطي هذه التصريحات أو وفد نتنياهو المفاوض، ذهب بدون أي صلاحيات، بل دخل في المفاوضات الجديدة وهو مكبل اليدين، فحركة حماس الطرف الآخر من المفاوضات تطالب بتعهد وضمانات توقف الحرب على غزة، مقابل إطلاق سراح ما لديها من أسرى.
وجاء ذلك بعد الكشف عن طروحات جديدة للمفاوضات قدمها المبعوث الأمريكي ويتكوف، تشمل هدنة أولية تستمر لنحو 40 يوما، يتم خلالها إطلاق سراح عدد من الأسرى، بينهم من هم على قيد الحياة، وآخرين جثث، كما يتم خلالها فتح المعابر والممرات الإنسانية لإدخال البضائع لسكان قطاع غزة، على أن تتعهد إسرائيل بعدم العودة للحرب من جديد كما فعلت سابقا، حتى لو لم يجر التوصل إلى حل نهائي للحرب وتبادل باقي الأسرى، وأن تستمر الجهود التي تبذل من أجل ذلك لحين الاتفاق الشامل.
ويتردد أن إسرائيل ترفض هذا المقترح، وتتمسك بما طرحه المبعوث ويتكوف السابق، والذي يشمل إطلاق سراح عشرة أسرى، دون إمكانية توسيع الحوار إلى تسوية شاملة، أو وقف إطلاق النار، أو التعامل مع المعايير السياسية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.
ولذلك طالب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير باستمرار الحرب على غزة، كما دعا إلى عدم ادخال المساعدات إلى السكان، فيما وجه وزراء انتقادات للرئيس دونالد ترامب، ونقل وزير التعاون الإقليمي، دافيد إمسالم، اتهامه لترامب بـ «القيام بخطوات بدون تنسيق مع إسرائيل»، وأضاف في حديثه عن «صفقة ألكسندر» «نُبارك ما يحدث، لكن الطريقة التي تصرّف بها ترامب ليست صحيحة، وتعكس شخصيته المتقلبة، وفي كل ما يتعلّق بقضايا وجودية، على إسرائيل أن تتصرّف فقط بموجب مصالحها».
خطط تصعيد الحرب
وبما يؤكد النوايا الإسرائيلية القادمة، كشف النقاب أن حكومة تل أبيب اليمينية بعثت مؤخرا برسالة إلى الوسطاء والولايات المتحدة، فحواها أن فشل زيارة ترامب إلى الشرق الأوسط في تحقيق تقدم ملموس، سيعني انطلاق عملية برية، ولن تكون هناك فرصة جديدة للمفاوضات إلا بعد مرور عدة أسابيع، وذلك وفقا لما أوردته «القناة 12» العبرية، والتي أشارت نقلا عن مصادرها إن الجيش الإسرائيلي لن يرضى بوقف سريع بعد الدخول في عملية عسكرية.
وكانت حكومة إسرائيل وافقت على الخطة العسكرية التي وضعها مؤخرا رئيس الأركان إيال زامير، والتي تشمل احتلال مناطق واسعة في قطاع غزة والسيطرة على توزيع المساعدات.
ولذلك نقلت تقارير عبرية عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين، القول إن أحد أسباب الهجمات الواسعة في قطاع غزة هو الاستعداد لدخول القوات البرية والمدرعات في حال تنفيذ عملية «عربات جدعون»، وأشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» نقلا عن المسؤولين العسكريين، بأن القصف المكثف يأتي وفقا للخطط التي قدمها الجيش الإسرائيلي والتي وافقت عليها القيادة السياسية بالفعل، من أجل التمهيد لدخول القوات.
واكتفت الإدارة الأمريكية بالمشاهدة فقط بدون أن تتدخل، رغم وعودها التي قطعتها بإنهاء الحصار وعقد مفاوضات جدية تلزم إسرائيل بوقف الحرب، خاصة بعد إطلاق حماس سراح الجندي عيدان ألكسندر.
وقال الرئيس الأمريكي، إن الولايات المتحدة تسعى إلى «معالجة» الوضع في غزة، معتبراً أن الناس «يتضورون جوعاً»، وأضاف «نحن ننظر في أمر غزة، وسنعمل على حلّ هذه المشكلة»، حيث بقي حديثه دون حلول عملية تلزم إسرائيل بوقف الحرب.
انزعاج الوسطاء وحماس
أما الوسطاء فقد أبدوا انزعاجهم من تصرفات حكومة اليمين الإسرائيلية، وانتقد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري مواصلة سلطات الاحتلال الإسرائيلي قصف مناطق غزة، بينما ترسل وفوداً للتفاوض في الدوحة، وأكد أن الأمر بمثابة «رسالة سلبية» تعيق سير عملية التفاوض والوساطة التي تجريها بلاده بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.
أما حركة حماس، فقالت إن عدم التزام الاحتلال بوعود تفاهمات أبرمتها مع الجانب الأمريكي وتقضي بدخول المساعدات إلى غزة، «سيلقي بظلال سلبية على أي جهود لاستكمال المفاوضات حول عملية تبادل الأسرى».
وقالت الحركة كذلك إن الاحتلال الإسرائيلي يقابل جهود الوسطاء لإعادة المسار التفاوضي بالتصعيد العسكري ضد المدنيين، في محاولة لفرض شروطه بالقوة، مشيرة إلى أن حكومة الاحتلال تصر على التفاوض بدون وقف العدوان، وترسل رسائل واضحة بعدم الاكتراث بمساعي الوسطاء، «ما يكشف العقلية الإجرامية التي تدير هذا الكيان، والتي ترى في التهدئة مجرد وسيلة لشراء الوقت»، لافتة إلى أن الهدف من المفاوضات هو وقف العدوان بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، وإطلاق سراح الأسرى، مؤكدة أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو «يريد حربًا بلا نهاية، ولا يكترث لحياة أسراه أو إعادتهم لعائلاتهم»، وأكدت أن «نتنياهو يشكل خطرًا ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل على المنطقة والعالم بأسره».
كما أشارت إلى عدم جدوى التصعيد، وقالت إن الغارات الوحشية المكثّفة التي يشنها جيش الاحتلال، واستهدفت منازل مأهولة مكتظة بالسكان، «تمثّل إمعاناً في حرب الإبادة ضد المدنيين العزل في القطاع».
تدهور الأوضاع
ومع تواصل الحرب والتلويح بالتصعيد، فإن الأوضاع الإنسانية مرشحة للتدهور بشكل أخطر، حيث كان تقرير جديد صادر عن الأمم المتحدة، كشف أن قطاع غزة بأكمله يواجه خطر حدوث مجاعة، مع تصاعد القتال مرة أخرى، واستمرار إغلاق المعابر الحدودية، وندرة الغذاء بشكل خطير.
وأكد تقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، أن 470 ألف شخص في غزة سيواجهون «جوعا كارثيا» (المرحلة الخامسة والأشد من التصنيف)، خلال الفترة بين أيار/مايو وأيلول/سبتمبر 2025، بزيادة قدرها 250 في المئة عن تقديرات التصنيف السابقة.
ويشير التقرير الذي نشره موقع الأمم المتحدة، أن جميع سكان قطاع غزة يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، كما يتوقع أن 71 ألف طفل وأكثر من 17 ألف أُم سيحتاجون إلى علاج عاجل لسوء التغذية الحاد.
وتوضح الأمم المتحدة بعد إعلان وكالاتها الاغاثية نفاذ ما لديها من مساعدات، أن مخزون منظمة «اليونيسف» لمنع سوء التغذية قد نفد، فيما انخفضت إمدادات علاج سوء التغذية الحاد بشكل حرج، فيما استنفد برنامج الأغذية العالمي آخر مخزوناته الغذائية لدعم مطابخ الوجبات الساخنة للعائلات في 25 نيسان/أبريل الماضي، بعد أن أُغلقت جميع المخابز الـ 25 المدعومة من البرنامج بسبب نفاد دقيق القمح ووقود الطهي.
وتوقع تقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي أن تدفع العمليات العسكرية المتجددة والحصار الكامل المستمر والنقص الحاد في الإمدادات اللازمة للبقاء على قيد الحياة، انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد ومستويات الوفيات إلى ما يتجاوز عتبات المجاعة، وأشارت 17 وكالة تابعة للأمم المتحدة ومنظمة غير حكومية، والتي أصدرت التقري إلى أن الغالبية العظمى من الأطفال في غزة يواجهون حرمانا غذائيا شديدا.
وتوقعت أن يحدث زيادات سريعة في سوء التغذية الحاد في محافظات شمال غزة وغزة ورفح، إلى جانب محدودية الوصول إلى الخدمات الصحية والنقص الحاد في المياه النظيفة والصرف الصحي خلال الأشهر الخمسة المقبلة.