غزة-“القدس العربي”:بالرغم من الوساطات التي تدخلت قبل عدة أيام، وقادتها كل من مصر والأمم المتحدة، وأوقفت التطورات الميدانية التي كادت أن تقود إلى مواجهة مسلحة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، عبر تهدئة الأمور بالاتفاق على عودة العمل بتفاهمات التهدئة، إلا أن القائمين على فعاليات “مسيرات العودة” أبقوا على شيء من “التصعيد الشعبي المدروس” في إطار توجيه رسائل لقادة تل أبيب، تؤكد إمكانية زيادة حدة الفعاليات، حال لم توف الأخيرة بتعهداتها رفع الحصار.
وقد ظهر ذلك جليا في أحداث الجمعة الماضية التي حملت الرقم 65 لـ “مسيرات العودة وكسر الحصار” حيث شهدت مناطق الحدود الخمس المقام فيها “مخيمات العودة” شمال ووسط وجنوب القطاع “تصعيدا مدروسا” تمثل بنزول المواطنين بحشود كبيرة لتلك المناطق، والدخول في مواجهات شعبية حامية بشكل فاق الجمع الماضية.
قوات الاحتلال من جهتها لم تلتزم ببنود تفاهمات التهدئة التي تنص على عدم استخدامها الرصاص الحي، فأطلقت النار بكثافة صوب المتظاهرين، ما أدى إلى وقوع عدة إصابات بينها من وصفت جراحه بفوق المتوسطة والخطرة.
وأفادت وزارة الصحة بإصابة 40 مواطنا بجراح مختلفة، منهم 22 برصاص قوات الاحتلال الحي، خلال مشاركتهم بالفعاليات السلمية.
وقد أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع بكثافة تجاه المتظاهرين السلميين في مخيمات العودة الخمس، على خلاف الجمع الماضية، التي كانت تطلق فيها الرصاص المعدني المغلف بالمطاط، إلى جانب قنابل الغاز المسيل للدموع.
وعلى الرغم من لجوء قوات الاحتلال للقوة المفرطة وإطلاق الرصاص الحي، إلا أن ذلك لم يخف المتظاهرين الذين زحفوا إلى مناطق قريبة من السياج الفاصل، ورشقوا جنود الاحتلال بالحجارة، حاملين أعلاما فلسطينية، في رسالة تحد جديدة للجنود المتحصنين خلف الثكنات وداخل آليات عسكرية مصفحة.
وفي العادة تستبق قوات الاحتلال فعاليات أيام الجمع، بنشر المزيد من وحدات جنود القناصة، لقمع التظاهرات الشعبية بالقوة، رغم الانتقادات الحقوقية والدولية لتلك الأساليب التي أوقعت مئات الشهداء وآلاف الضحايا من المدنيين العزل.
تصعيد مدروس
وعلى مدار الأسبوع الماضي، أبقت الهيئة الوطنية لمسيرات العودة، على استخدام “الوسائل الخشنة” لكن بشكل مقنن جدا، فاندلعت حرائق قليلة في مناطق “غلاف غزة” لم تكن كما كانت عليه في الأسبوع قبل الماضي، حين سجلت الحرائق وقتها رقما قياسيا، باندلاع 100 حريق في سبعة أيام فقط.
وحسب إعلان الجانب الإسرائيلي، فإن أيام الأسبوع الماضي شهدت تقريبا حريقا واحدا في اليوم، في إشارة فهمت من الهيئة الوطنية والفصائل المشاركة في فعالياتها، بأن هدف الإبقاء على هذه “الوسائل الخشنة” بهذا الشكل المحدود، يحمل رسائل تحذير مباشرة لإسرائيل، من مغبة التلكؤ أو التهرب مرة أخرى من تنفيذ بنود تفاهمات التهدئة.
ومن أجل الإبقاء على عمليات “الضغط الشعبي” دعت الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار، لاستمرار المسيرات لمنع إسقاط حق العودة وكسر الحصار عن غزة، مؤكدة أنها ستتصدى بالوحدة الميدانية والوطنية للتهديد المباشر للقضية وللاستيلاء على الضفة ومحاولات تهويد القدس وحصار غزة، وشددت على ضرورة المشاركة في فعاليات الجمعة الـ66 شرق قطاع غزة، بعنوان “لا تفاوض لا صلح لا اعتراف بالكيان”.
وقال الدكتور خليل الحية عضو المكتب السياسي لحركة حماس، خلال المشاركة في فعاليات الجمعة الماضية، أن الشعب الفلسطيني يثبت أنه الأقدر على إفشال المؤامرات التي تحاك ضده، وأكد أن الشعب سيواصل الفعاليات السياسية والشعبية لإفشال “صفقة القرن”.
أما خضر حبيب القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، فقد قال، إن أول أمر يجب ان نتوحد عليه هو “تكوين رؤية وطنية تجمعنا لمواجهة العدو” وطالب بتحديد “موقف واضح تجاه العدو المركزي ونتفق على تعريفه” ودعا للشروع في “حوار وطني” يتم من خلاله الوصول لرؤية وطنية تجاه كل المحاور.
جولة وساطة
يشار إلى أن فعاليات الجمعة الـ 65 لـ “مسيرات العودة” استبقت جولة للوفد الأمني المصري إلى قطاع غزة وإسرائيل، لعقد سلسلة لقاءات مع المسؤولين، في إطار العمل على تثبيت تفاهمات التهدئة، وفق الوساطة الأخيرة التي جرى إقرارها من جديد الخميس قبل الماضي، والتي تم بموجبها تفادي اندلاع مواجهة مسلحة.
ومن المقرر أن يقوم الوفد بعقد لقاءات مع قادة غزة وتل أبيب، من أجل بحث تطبيق الشق الثاني من تفاهمات التهدئة، التي يتردد أن إسرائيل وافقت على البدء بتنفيذها، والتي تشمل إقامة مشاريع بنى تحتية كبيرة، من بينها منطقة صناعية على حدود غزة تستوعب آلاف العمال، وكذلك إقامة مشفى كبير شمال القطاع، إضافة إلى الاستمرار في تنفيذ بنود الشق الأول من التفاهمات التي تشمل تنفيذ برامج إغاثة عاجلة.
وتنص تفاهمات التهدئة على تقديم تسهيلات وبرامج إغاثة عاجلة لسكان غزة المحاصرين من بينها توسيع رقعة الصيد، وصرف مساعدات مالية للأسر الفقيرة وتحسين وضع التيار الكهربائي في المرحلة الأولى، على أن تشمل المرحلة الثانية تنفيذ مشاريع إعمار وبنى تحتية كبيرة.
وجرى الاتفاق على أن تقوم إسرائيل بتقديم التسهيلات اللازمة لوصول المساعدات والأدوية وكذلك توسيع عملية تصدير المنتجات الزراعية والصناعية من القطاع، والسماح بدخول سلع كانت تمنع دخولها للقطاع كونها تصنف “ذات استخدام مزدوج” على أن تقوم الفصائل الفلسطينية والهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، بتخفيف حدة التظاهرات على الحدود، ووقف استخدام “الوسائل الخشنة”.
وعلى الرغم من استمرار تحركات وسطاء التهدئة من المصريين والقطريين والأمميين، إلا أن الفصائل الفلسطينية، تأخذ بعين الاعتبار لجوء إسرائيل مجددا للتهرب من التنفيذ أو التلكؤ في التطبيق على غرار مرات سابقة، كما يأخذون بعين الاعتبار أن تقوم حكومة إسرائيل اليمينية، بتنفيذ عمل عسكري، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة لها من أقطاب في المعارضة وقوى اليمين، على خلفية تعاملها مع ملف غزة.
وخلال الأسبوع الماضي أراد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يوصل رسائل تحذير وتهديد لغزة، حيث عقد اجتماعا لحكومته المصغرة في قيادة المنطقة الجنوبية لقوات جيشه التي تشرف على قطاع غزة، ومن هناك دعا قواته للاستعداد لشن عملية عسكرية في غزة، إذا ما اقتضت الضرورة، لكنه أكد في الوقت ذاته على استمرار المساعي الهادفة لإعادة التهدئة.
وسبق وأن أنذرت فصائل المقاومة في غزة الاحتلال من مغبة الغدر من خلال العمل العسكري ضد القطاع، وتوعدت بالرد القاسي على أي عملية من هذا النوع، وقد ردت المقاومة الأسبوع الماضي على تهديدات نتنياهو المبطنة، من خلال تجارب صاروخية أطلقتها صوب البحر، اختبرت فيها صواريخ جديدة صنعت محليا.