توقفت عشرات التكايا الخيرية التي تقدم الطعام لمئات الآلاف من النازحين في مناطق جنوب وشمال غزة عن العمل، بعد القيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال البضائع والمساعدات إلى السكان، ضمن سياسة التجويع التي تفرضها على الغزيين، إلى جانب السماح لقطاع الطرق بسرقة شاحنات المساعدات، الأمر الذي أحدث مجاعة حقيقية في القطاع.
وتفاقمت الكارثة الإنسانية في غزة بعد اجتياح الاحتلال الإسرائيلي مدينة رفح في 5 آيار/مايو الماضي، وإغلاق معبر رفح البري وكرم أبو سالم التجاري مع غزة، حيث منع إدخال المساعدات والمعدات الطبية منذ إغلاق المعبرين، ولا تزال الأزمة الإنسانية قائمة مع استمرار الاحتلال اجتياح رفح وتقييد حرية نقل البضائع إلى قطاع غزة.
وتشهد الأسواق في مختلف مناطق القطاع شحا حادا في السلع والبضائع منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث بدأ الاحتلال بإغلاق المعابر مع غزة بحجة الأعياد اليهودية، على أمل استئناف فتحها نهاية الشهر ذاته وعودة حركة إدخال البضائع والمساعدات، لكن منذ ذلك الوقت يعاني السكان صعوبة في الحصول على المواد التموينية ومن غلاء حاد لما هو متوفر من البضائع، حيث بات الطحين والأرز والعدس والعديد من أصناف البقوليات، إلى جانب السمن وزيت الطعام مواد شبه مفقودة من الأسواق، وهذا ما أدى إلى إغلاق عدد كبير من التكايا وتوقف عملها في إعداد الطعام وتوزيعه على النازحين، ما أحدث مجاعة بين النازحين.
وتحاول الإدارة الأمريكية الضغط على إسرائيل من أجل العمل على تدفق إدخال المساعدات بعد صدور تقارير عن مؤسسات إغاثية دولية بوجود مجاعة داخل القطاع، وتدهور الوضع الإنساني ووصوله إلى مستويات خطيرة، لكن إسرائيل تناور في هذا الملف وتدخل القليل من الشاحنات بخلاف ما تطلبه الإدارة الأمريكية، بل وتتحيح سرقة تلك الشاحنات أثناء مرورها من الطرق القريبة من تواجد الجيش.
التجويع يهدف تفريغ القطاع من سكانه
منظمات حقوقية دولية عدة حذرت من التداعيات الخطيرة من جراء سياسة التجويع التي تمارسها إسرائيل بحق السكان في غزة، بعد منع المساعدات والسماح بإدخال البعض منها لمؤسسات إغاثية دولية، حيث اعتبرت منظمة أوكسفام الإغاثية أن فرض إسرائيل سياسة التجويع على السكان في غزة، يعتبر انتهاكا صارخا لجميع قواعد القانون الدولي الإنساني، وأشارت المنظمة إلى أن ما تفعله إسرائيل من تجويع يهدف إلى إفراغ القطاع من السكان وجعله غير قابل للحياة.
وتوجه اتهامات حادة إلى كبار التجار الذين تدخل لهم البضائع وفق تنسيقات خاصة لهم من جانب الاحتلال، حيث ينشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تحذيرات لبعض منهم، على اعتبار أنهم يشتركون مع الاحتلال في تأزيم أوضاع السكان برفع الأسعار بشكل جنوني، حيث أطلق ناشطون هشتاغ «التجار الفجار» يدعوهم من خلال سلسلة من المناشدات إلى تخفيض الأسعار ومراعاة ظروف المواطنين الصعبة.
ومنذ بداية الحرب المستعرة على قطاع غزة وبدء الجيش قطع إمدادات الطعام عن السكان، بدأت تكايا الطعام تنتشر في كل مناطق قطاع غزة، وتمول هذه التكايا مؤسسات خيرية وفاعلو خير من دول عربية وأوروبية، وتقدم كل تكية وجبات من الطعام للنازحين القريبين منها، وساعدت هذه الخطوة في سد رمق جوع الآلاف من الفقراء غير القادرين على توفير الطعام، لكن في ظل شح المواد التموينية الأساسية، توقفت العديد من التكايا عن العمل إلى حين السماح بإدخال المواد الخاصة بإعداد وجبات الطعام.
وفي منطقة المواصي غرب خانيونس، حيث تنتشر على طول هذه المنطقة المصنفة بالإنسانية أكثر من مئتي تكية طعام تقدم الوجبات يوميا للنازحين، أكثر من نصف هذه التكايا توقفت عن العمل لنفاد مخزونها من المواد التموينية، في حين تواصل بعض التكايا عملها بما هو متوفر لديها من مخزون، لكن حجم الإقبال عليها بات متزايدا، نتيجة بحث النازحين عن تكايا بديلة لتوفير الطعام.
الاحتلال يستهدف التكايا
المواطن أبو صبحي يدير منذ عدة أشهر تكية في منطقة مواصي خانيونس، بعد أن حصل على دعم مالي من أحد رجال الأعمال في الخارج لإنشاء تكية وإطعام الفقراء والمحتاجين.
يشير في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أنه توقف عن العمل فى تكيته، بعد أن بدأت المواد التموينية تشح من الأسواق، وإن وجد منها فإن تكلفتها مرتفعة جدا، وأثر توقف التكية حسب أبو صبحي على مئات النازحين الذين يسكنون المخيمات القريبة منها.
ولفت إلى أن التكية كانت تقدم يوميا قرابة 1200 وجبة طعام، تتنوع ما بين أطباق أرز وبازلاء، وفي بعض الأحيان يتم طبخ العدس والمعكرونة وغيرها من الأصناف المتاحة، متمنيا أن تتوفر أصناف اللحوم التي يمنع إدخالها وإن دخلت تكون بكميات شحيحة جدا، من أجل سد رمق جوع النازحين الذين يواجهون خطر الموت جوعاً.
أما المواطن أبو كفاح فهو يمتلك تكية تغطي مساحة كبيرة من مخيمات النزوح، ويوضح لـ«القدس العربي» أنه بات عاجزا عن تشغيل التكية التي توقفت قبل أسبوع، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار المواد التموينية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الحطب الذي يستخدم كمصدر أساسي لإشعال النار والطهي عليه نتيجة شح غاز الطهي.
وبين أن حال الناس بات صعبا للغاية، حتى أن الأسواق باتت خالية من البضائع كما أن المؤسسات الخيرية توقفت مشاريعها ولم تعد قادرة على تقديم المساعدات للفقراء، نتيجة شح الكميات وسرقة قطاع الطرق ما يدخل من شاحنات وبيعها بأثمان مرتفعة في الأسواق.
وفي مناطق شمال قطاع غزة يزداد الأمر سوءا، حيث يمارس الاحتلال سياسة تجويع للسكان بهدف تهجيرهم، حيث توقفت منذ أشهر العديد من التكايا إثر عمليات التوغل البري وقصف الاحتلال الأطفال والرجال المصطفين أمام بعض التكايا، حيث بات العمل في التكايا أمرا خطيرا نتيجة استهدافها المباشر من الاحتلال.
وفي منطقة حي الدرج شرقي مدينة غزة، قتل عدد من الأطفال وأصيب العشرات بعد أن استهدفت الطائرات المسيرة مجموعة من المواطنين أمام تكية تقدم الطعام للفقراء، ما دفع إلى الخوف من التردد على التكايا، الأمر الذي أحدث مجاعة حقيقية في مدينة غزة وشمالها، لاسيما في مناطق الشمال جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون.