في ظل تطور أساليب وأدوات الصيد البحري الحديثة، لا تزال شريحة كبيرة من الصيادين تحافظ على هذه الحرفة التقليدية المتوارثة من الأجداد، والتي تعتبر بالنسبة لهم موروثا عريقا، على الرغم من حجم المعاناة والجهد الذي يحتاجه خائطو الشباك. ففي الوقت الذي يئن فيه المئات من الصيادين من الفقر وصعوبة الحصول على لقمة العيش، نتيجة المضايقات التي يواجهونها من تربص الاحتلال لهم وعرقلة مهنتهم أثناء رحلة الصيد، اتجه عدد كبير نحو العمل في حرفة حياكة الشباك كخطوة آمنة ومدرة للمال، من خلال خياطة كافة الأنواع وبيعها للصيادين بأثمان مرتفعة.
على رصيف ميناء غزة البحري، وتحت ظلال خيامهم وفوق أكوام الغزل، يجلس عشرات الصيادين في تجمعات، يقومون بغزل شباكهم أما بغرض التصليح أو إنتاج نوع جديد ليخوضوا البحر بإمكانياتهم البدائية والقليلة، وبصبرهم وعزيمتهم التي لا يماثلها شيء يستمر الصيادون رغم كل العوائق التي يضعها الاحتلال لهم، المواصلة في أداء مهنتهم أملا في العيش حياة كريمة.
لا ينفك صانع الشباك الحاج وائل العامودي 67 عاماً، عن حياكة شباك الصيد منذ ساعات الصباح الأولى حتى المساء، في خطوة لإنجاز كم كبير من الشباك، وهذا يحتاج لنوع معين من الأسماك كل حسب موسمه، ليمكن لأبنائه الدخول للبحر وجلب رزقهم، إضافة لإنجاز طلبيات أخرى باعتباره من كبار محترفي خياطة شباك الصيد.
يقول الصياد العامودي في حديثه لـ”القدس العربي” إن مهنة حياكة شباك الصيد من المهن العريقة التي توارثتها الأجيال، والتي لا يمكن الاستغناء عنها، فهي مصدر رزق لنا ولأبنائنا، في ظل غياب فرص العمل وتفشي البطالة، فنجتهد لنورثها لأبنائنا كي تكون مصدر رزق وعون لهم في حياتهم.
ويبين الصياد أن هذه المهنة، تعتبر من المهن الشاقة فهي تحتاج لجهد وتركيز كبير إضافة إلى الصبر والتحمل، لذا نحاول تعليمها لأحفادنا تدريجياً كي يتم استيعابها وتقبلها، فوقتها يتطلب منا في بعض الأحيان المبيت داخل الخيم، كي نتمكن من إنجاز أكبر قدر من أنواع الشباك التي تخص كل موسم، فكل نوع له موسم معين من الصيد خلال أشهر السنة.
أما الصياد راجي الفسيس 55 عاماً، والذي يعمل في مهنة الحياكة منذ 10 سنوات والتي تعلمها على يد والده فيقول حول هذه المهنة، إن مهنة حياكة شباك الصيد ليست سهلة فهي متعبة وصعبة وتستنزف جهدا ووقتا كبيرا، عدا عن إحداث اضطرابات في جسم الإنسان، مثل زغللة في البصر وأوجاع الظهر، لكن رغم ذلك هي مصدر رزقنا الوحيد.
وحول صناعة الشباك يقول الصياد راجي لـ”القدس العربي” إن غالبية عملنا في مهنة الحياكة هي التصليح، فالشباك تتعرض بشكل مستمر للتمزق أثناء العمل من عدة جوانب منها يتم تمزقها من قبل الأسماك الكبيرة والضخمة وبعض الصخور المنتشرة في البحر، والجانب الآخر إقدام بحرية الاحتلال الإسرائيلي على حرق الشباك وتمزيقها بشكل متعمد، وفي كل الحالات يعتبر ذلك بمثابة كارثة كبيرة على الصياد، على اعتبار أن الشباك تحتاج لمبالغ باهظة لتصليحها، إضافة إلى استغراق وقت كبير قد يؤثر ذلك على تأخر حركة الإبحار وجلب الرزق.
ويشير إلى أن هناك نوعين من شباك الصيد الذي يتم حياكته، النوع الأول شباك صغيرة تستخدم في صيد الأسماك الصغيرة كالسردين، ويأخذ هذا النوع جهدا، نظراً لحجم التركيز من قبل صانعه، أما النوع الثاني فهي الشباك الكبيرة، والتي تستخدم لصيد الأسماك ذات الحجم الكبير، كالوطواط والسلافيح واللوكس، ويستخدم في هذا النوع خيوطا حريرية خاصة لملائمتها مع حجم الأسماك الضخمة والمفترسة أثناء الصيد والحد من تمزقها.
ويبين أن تكلفة صناعة الشباك تعد باهظة ومكلفة كثيراً، نظراً لارتفاع أسعار الخيوط الحريرية المستخدمة وارتفاع أسعار المواد الخام الخاصة، حيث يبلغ تكلفة بيع الشبكة الواحدة والجاهزة للصيد في حد أدنى 1500 دينار وكحد أقصى 7000 دينار أردني.
ويستخدم الصيادون في حياكة شباكهم خيوطا من الغزل الحريري الخاص، يحصلون عليها وعلى كافة المواد الخام اللازمة من جمعية الصيادين، التي توفر لهم كافة الاحتياجات في ظل الحصار المتواصل على القطاع، والذي أدى إلى شح توفير كمية كافية لدى التجار والموردين، في حين أن هذه الحرفة تشكل طوق نجاة ومصدر رزق للمئات من الصيادين، في ظل محاصرة رزقهم وحرية عملهم، ونقض إسرائيل كافة المعاهدات التي تنص على السماح للصيادين بممارسة مهنتهم بحرية.