منذ أن بدأت حرب الإبادة على غزة مطلع أكتوبر 2023، عملت إسرائيل على تدمير كل سبل الحياة، فقطعت الكهرباء واقتلعت الأشجار ودمرت آبار وخطوط المياه، وتعمدت تجويع وتعطيش السكان، لكن هذا الواقع الصعب، دفع بعدد كبير من المواطنين إلى حفر آبار خاصة بهم، للحصول على المياه التي تعتبر شريان الحياة.
والحفر العشوائي الذي بات ظاهرة مقلقة، يشكل خطرا على مخزون المياه الجوفي، في ظل الاستنزاف والاستهلاك الكبير من قبل المواطنين، حيث تمنع الجهات الحكومية المختصة بالعادة حفر الآبار إلا بموافقة مسبقة ودراسة للمنطقة، ومدى تأثير حفر البئر على المياه الجوفية، لكن حالة الفوضى التي يمر بها القطاع وعدم وجود دوائر حكومية، دفعت بالمواطنين إلى استغلال الظروف وحفر الآبار للحصول على المياه، سواء للاستخدام المنزلي أو للشرب.
وينشط حفر الآبار داخل المخيمات المكتظة بالسكان والنازحين، حيث يحتاج السكان إلى المياه بشكل أكبر، واللافت هنا أن الازدياد الكبير في عمليات الحفر، ناجم عن قيام مؤسسات خيرية بتمويل عمليات حفر الآبار، بعد المناشدات من أجل المساعدة في الحفر.
وتنص المادة 35 من قانون المياه الفلسطيني لعام 2002، يعاقب لمدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد عن عام، وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار أردني أو ما يعادل ذلك بالعملات المتداولة، كل من يثبت أنه حفر بئرا بدون الحصول على ترخيص مسبق من الجهات ذات الاختصاص، فيما منحت المادة 36 المحكمة بإلزام الشخص المدان بحفر الآبار، بدفع قيمة الأضرار الناجمة عن المخالفة ومعالجة أسباب الضرر الذي تسبب به، وعودة الوضع إلى ما كان عليه.
في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة ثالث أكبر المخيمات حيث يسكن المخيم 85 ألف نسمة، وزاد عدد السكان بعد أن لجأ نازحون للعيش فيه في ظل الدمار الذي أصاب مناطق واسعة لاسيما في شمال غزة، فلا يكاد يخلو مربع أو حارة صغيرة من المخيم إلا وقد تم حفر بئر لخدمة السكان، بعد أن توقفت بلدية غزة عن ضخ المياه لمنازل المواطنين، حيث يقدر عدد الآبار الموجودة قديما وحديثا وفق معطيات محلية 130 بئرا، موزعة داخل مساحة جغرافية لا تتجاوز 52 كيلو مترا مربعا، وهذا الكم الكبير يعتبر خطرا كبيرا على البيئة.
يقول المواطن جهاد الهندي «بالرغم من مدى خطورة الآبار على المخزون ومستقبل المياه في القطاع، إلى أن تلك الآبار أنقذت السكان من خطر الموت عطشا، كما أنها منعت انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية، كون شح المياه يشكل أزمة والوفرة تساعد في تجاوز المخاطر المترتبة على قلة استخدام المياه». وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن «الاحتلال ومع بداية الحرب، تعمد تدمير الآبار المركزية وخطوط المياه التي تغذي المدن والأحياء، إلى جانب ذلك قطع الاحتلال عددا من الخطوط القادمة من الجانب الإسرائيلي، ولم يبق أمامنا غير حفر الآبار لتفادي الكوارث الإنسانية والبيئية».
ويضيف أن «حفر الآبار يحتاج إلى تكلفة مالية مرتفعة، تصعب علينا كسكان نمر في ظروف صعبة، لذلك ساعدت مؤسسات خيرية ومن فاعلي الخير في عمليات الحفر بالتحديد داخل المناطق المكتظة، وهذا الحال ليس فقط في مخيم الشاطئ، بل في جميع مناطق ومخيمات القطاع».
ولفت إلى أن «هناك مشكلة كبيرة تواجه السكان وهي الكهرباء، التي من شأنها تشغيل غواطس الآبار لاستخراج المياه، حيث يؤثر استمرار إغلاق الاحتلال للمعابر ومنع إدخال المحروقات على تشغيل الآبار بشكل دائم ومنتظم، في حين يلجأ السكان إلى استخدام الطاقة الشمسية التي يتم من خلالها توليد طاقة بديلة، لكن هذه المنظومة غير متوفرة بشكل كبير لارتفاع كلفتها، كما أن التقلبات الجوية تجعل من إمكانية الحصول على الكهرباء أمرا صعبا».
ويقول الخبير البيئي الدكتور نزار الوحيدي إن «ظاهرة حفر الآبار المتصاعدة في قطاع غزة تشكل خطرا كبيرا على مستقبل المياه في القطاع الذي يعاني أصلا من مشاكل منها، نقص منسوب المياه الجوفية بسبب زيادة الاستهلاك وقلة مياه الأمطار، حيث وصلت نسبة العجز إلى 130 مليون متر مكعب من المياه، كما أن تسرب المياه العادمة ومياه البحر إلى تلك الآبار في كثير من المناطق، أدى إلى حدوث مشاكل خطيرة في كمية وجودة المياه الجوفية».
ولفت إلى أن «خطورة حفر الآبار العشوائية تكمن في أنها تحفر بطرق قريبة من بعضها البعض، وبالتالي تؤثر على المخزون الجوفي وجودته، كما أن عددا كبيرا منها مخالف للمواصفات الفنية، من حيث عمق الحفر ومدى تأثير ذلك على تسرب مياه البحر إلى الآبار، وهذا ما بات يظهر حاليا من خروج مياه مالحة جدا من الآبار التي يتم حفرها، وهذا ناتج عن الأخطاء الفنية خلال عملية الحفر».
وأوضح لـ«القدس العربي» أن هناك عجزا كبيرا في منسوب المياه الجوفية نتيجة قلة الأمطار، «كما أن هناك عوامل بشرية أثرت على نقص المخزون، وهي انتشار محطات تحلية المياه العشوائية، التي تحتاج إلى حفر متكرر للآبار بين الفينة والأخرى، وهذا يعني استهلاكا كبيرا في المياه، كما أنه وقبل نشوب الحرب، لجأ كثير من المواطنين إلى حفر الآبار، خاصة من يسكنون داخل عمق المدن والمخيمات، ولم تصل المياه لمنازلهم».