غزة-“القدس العربي”: لا تعلق الفصائل الفلسطينية الناشطة في قطاع غزة ولا المواطنون، أي آمال على نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المزمع عقدها يوم 17 الجاري، والتي من شأنها أن تحدد شكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وذلك لتشابه برامج الأحزاب المتنافسة مع بعضها البعض، الخاصة بالشأن الفلسطيني بشكل عام، وقطاع غزة المحاصر بشكل خاص.
فعلاوة على تأييد جميع الأحزاب سواء اليسار أو الوسط أو اليمين واليمين المتشدد استمرار بل وتوسيع الاستيطان في الضفة، وضم الكثير من مناطقه خاصة المصنفة “ج” والتنكر بذلك لكل الاتفاقيات السياسية الموقعة مع منظمة التحرير، تكشف التصريحات الأخيرة لقادة تلك الأحزاب خاصة الحزبين الكبيرين “الليكود” و”أزرق أبيض” الذي سيكلف أحدهما حسب استطلاعات الرأي تشكل الحكومة المقبلة، في حال لم يتكرر فشل المرة السابقة قبل خمسة أشهر، والذي لم يتمكن فيه “الليكود” من تشكيل الحكومة، لعدم حصوله على التأييد المطلوب، وكذلك البرامج المعلنة، أن أيا منهم لا يختلف برنامجه في طريقة معالجته لقضايا غزة المحاصرة، والتي تستند إلى التلويح بالقوة العسكرية.
أوجه لعملة واحدة
مؤخرا تناوب وبشكل شبه يومي قادة أحزاب إسرائيل على الإدلاء بتصريحات خاصة بالتعامل مع غزة، في مسعى منهم إلى كسب أصوات الناخبين خاصة القاطنين في البلدات القريبة من حدود غزة، والتي تتأثر بشكل أكبر من أي عملية تصعيد عسكري ضد القطاع، من خلال تعرضها لعمليات إطلاق صواريخ، ردا على هجمات الجيش على أهداف للمقاومة في غزة.
كل من طرفه حاول الظهور بموقف المتشدد، منهم من دعا لشن حرب رابعة بشكل سريع، وآخر لوح بالحرب بعد استنفاد الطرق الأخرى، فيما لم يؤيد أي منهم الدعوات الدولية المطالبة برفع الحصار المفروض على سكان قطاع غزة وعددهم مليوني مواطن، يقطنون في شريط ساحلي ضيق ومزدحم، ويعانون بسبب الحصار من ارتفاع معدلات الفقر واستفحال البطالة بنسب منقطعة النظير.
وفي غزة، ما يزال السكان المحاصرون يستعيدون ذكريات مريرة ومواقف صعبة عايشوها في ثلاث حروب سابقة، كانت تشرف عليها حكومات مشكلة من أحزاب اليمين والوسط واليسار.
ففي العام 2008 كانت الحرب في عهد حزب من الوسط وبمشاركة أحزاب اليسار وفي مقدمتها العمل، والثانية كانت في العام 2012 التي قادها حزب الليكود اليميني برئاسة بنيامين نتنياهو، وكان وزير الجيش وقتها أيهود باراك، رئيس حزب العمل اليساري، وكان وزير الخارجية وقتها أفيغدور ليبرمان، فيما قاد الحرب الأخيرة عام 2014 حزب الليكود الذي كان على رأس ائتلاف يميني.
وقد خلفت تلك الحروب المريرة، التي قادتها أحزاب اليمين والوسط واليسار، ضحايا كثر، وأدت إلى مجازر أتت على عشرات العوائل، وخلفت آلاف المصابين، ودمارا كبيرا في القطاع، ما زاد من حجم المأساة التي خلقها الحصار المفروض منذ حزيران/يونيو 2007 حيث أكدت منظمات حقوقية دولية أن قوات الاحتلال ارتكبت “مجازر حرب” واستخدمت “أسلحة محرمة دوليا” خلال قصفها العنيف لقطاع غزة.
التهديد لكسب الأصوات
ولم يلاحظ أن أيا من الأحزاب الإسرائيلية التي حكمت إسرائيل منذ العام 2007 العام الذي فرض فيه الحصار على غزة، قامت بتخفيف إجراءات الحصار المفروض على السكان، بل تعمدت كل منها على فرض قيود صارمة أكثر من سابقتها، علاوة على تعمدها إلحاق الخسائر بين السكان.
وقد أظهرت تصريحات قادة الأحزاب الرئيسية، أنه لا يوجد أي اختلاف بين برامجها بشأن التعامل مع غزة، والتي تقوم على أساس الحديث بـ “لغة النار والرصاص والصواريخ”.
زعيم حزب “أزرق أبيض” الجنرال بيني غانتس، وهو المنافس الشرس لحزب “الليكود” بقيادة بنيامين نتنياهو، قال ساخرا “يسافر نتنياهو حول العالم ويخترع القصص أمام الكاميرات، في الوقت الذي يمر سبت آخر على أطفال سديروت (بلدة قريبة من حدود غزة) في الملاجئ وتحترق حقول المزارعين، بدلاً من استعادة الردع الإسرائيلي، حماس قامت بردع نتنياهو”.
وأكد أنه حال فوزه في الانتخابات سيعمل على تشكل مجلس وزاري أمني لـ “استعادة الردع” كما كان قد توعد سابقا، بأن تكون الحرب المقبلة على قطاع غزة هي الأخيرة، مهددا باغتيال قادة المقاومة، والمعروف أن غانتس هو من قاد الحرب الأخيرة ضد غزة، حين كان رئيسا لأركان جيش الاحتلال.
ولم تختلف تصريحات أفيغدور ليبرمان رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” الحليف السابق لنتنياهو، والخصم البارز له في الانتخابات الحالية، عن ما أبداه غانتس، في الاستهزاء بسياسة ومواقف نتنياهو، وتحمليه مسؤولية “فقدان قوة الردع” وقد طالب هو الآخر بشن حرب قوية جديدة ضد غزة، متهما نتنياهو بشراء الهدوء في مناطق الجنوب بدفع الدولارات لحركة حماس.
أما رئيس “حزب العمل” اليساري عمير بيرتس، فقد انتقد سياسة نتنياهو، فيما يتعلق بحركة حماس وقطاع غزة، وقال مستهزئا “قادة حماس يديرون نتنياهو، وقد فهموا أيضًا أن كرسيه، أهم له من حياة سكان غلاف غزة”.
أما قادة “حزب الليكود”، فلم يتوانوا من جهتهم في محاولة لكسب مزيد من الأصوات بالتلويح بحرب ضد غزة، فقد أكد وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان، أنهم قريبون من شن عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، لوقف إطلاق الصواريخ، وقال “نحن في الوضع الأقرب إلى عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، منذ حرب الجرف الصامد” يقصد الحرب الأخيرة ضد غزة.
كما أكد على ذلك رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن في “الكنيست” الإسرائيلي آفي ديختر، بقوله إنه يتعين على إسرائيل القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق ضد غزة تمتد لسنين أو ثلاث “حتى تغادر حركتا حماس والجهاد الإسلامي القطاع إلى الأبد”.
وقد سبق تلك التصريحات لقادة الأحزاب أن توعد نتنياهو، خلال حملته الانتخابية الحالية بشن عدوان “واسع ومفاجئ” على قطاع غزّة، وقال إنه يجري الاستعداد له، وقد ختم تصريحاته بالقول “إسرائيل قد تشن حربا على غزة في أي لحظة”.
لا أمل في التحسن
وللعلم، فإن الطرق العملية التي جربتها حكومات إسرائيل طوال سنوات الحصار الماضية، جعلت حياة السكان لا تطاق، ووفق الإحصائيات الرسمية أكدت أن نسبة الفقر في قطاع غزة بلغت 75 في المئة فيما هناك عدد كبير من الأسر تعيش في “فقر مدقع” وأن هناك 80 في المئة من سكان القطاع يعتمدون بسبب الفقر وتردي أوضاعهم المعيشية التي خلفها الحصار على مساعدات خارجية لتدبير أمور حياتهم.
كذلك رفع الحصار نسبة البطالة في القطاع إلى أكثر من52 في المئة بينهم نسبة كبيرة من حملة الشهادات الجامعية، في وقت بلغ معدل الدخل اليومي للفرد دولارين أو أقل يوميا، وذلك بسبب إغلاق غالبية الورش والمصانع أبوابها، لعدم توفر المال اللازم لشراء منتجاتها، أو بسبب عدم توفر المواد الخام التي تمنع إسرائيل إدخالها بموجب الحصار.
وقد رصد تقرير إسرائيلي مطول نشر مؤخرا برامج الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة، وأكد أنها فضلت تجاهل مشكلة غزة أمام جمهور الناخبين الإسرائيليين، رغم أن قادتها يتبادلون الاتهامات بين بعضهم البعض في استمرار حالة الاستنزاف المقبلة من غزة، حيث فضلت بعض الأحزاب عدم الحديث بتاتا عن مسألة غزة، فيما قامت أخرى بذكر مشكلة غزة من دون طرح حلول جدية وجذرية لها.