«غزة في عيوننا» معرض للرسم في مدينة الموصل: الفن يعري نهج الإبادة الجماعية

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

هل يستطيع الفنان أن يتجاهل صور الإرهاب والموت، فينأى بفنه بعيدا عنها؟ تبدو مناسبة طرح مثل هذا السؤال تأتي على وقع ما يجري اليوم من أحداث دموية تشهدها مدينة غزة الفلسطينية جراء القصف الوحشي الإسرائيلي، وإذا ما راجعنا تاريخ الفن العالمي سنصل إلى نتيجة واحدة بأن الفن دائما كان مرتبطا بالإنسان والواقع، ولم تنفرط هذه العلاقة حتى مع التجارب الفنية الشكلانية الغارقة في التهويم والتجريد، لأن منطلق هؤلاء النخبة كان نابعا مما تضج به ذواتهم من أفكار وأحاسيس إزاء صلتهم بالحياة، حتى لو كانوا غارقين في عزلة عنها وعن تفاصيلها اليومية، فعزلتهم تعني في حقيقتها أن لديهم موقفا منها، ومن القضايا التي تطرحها، فما كان منهم إلا أن يتخذوا قرار الانسحاب بعيدا عنها، لكن الفنان حتى في عزلته يبقى الأقرب من غيره ارتباطا بما يتحرك حوله، فكيف بمن يحيا في وسط أتون الحياة ويصطلي بنيرانها؟

من هنا انطلق عشرون رساما من مدينة الموصل في معرضهم الأخير الذي أقيم السبت 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 والذي حمل عنوان «غزة في عيوننا» وجاء معرضهم ليؤكدوا من خلاله، ودون أي تحفظ، على أنهم مع شعب فلسطين في حقه بالعيش على أرضه التاريخية، وعلى أن هذا الشعب له الحق في أن يمارس كل أشكال المقاومة دفاعا عن وجوده وحياته، والأهم في هذه التظاهرة، أن المشاركين فيها سعوا إلى إدانة وفضح الإبادة الجماعية التي تجري بحق الفلسطينيين، ليس من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي وحده بل من قبل جميع قادة وزعماء الدول الغربية وفي المقدمة منهم الأمريكان.

الموصل وغزة قصة واحدة

هذا المعرض أول فعالية تشكيلية يشهدها العراق تضامنا مع أهل غزة، وقد جاءت استجابة الفنانين الموصليين سريعة، لأنهم الأقرب فهما لقضية أن يكون الإنسان ضحية لقوى غاشمة وبربرية تستهين بالحياة الإنسانية، بعد أن شهدوا هم أنفسهم خلال الفترة التي سقطت فيها مدينتهم الموصل تحت سلطة تنظيم داعش وما تلاها من أيامٍ كانت شديدة الصعوبة عليهم وعلى عوائلهم وأبنائهم، خاصة عندما بدأت مرحلة تحرير المدينة عسكريا، حيث تعرضت الموصل لقصف وحشي عبثي لم يراع حياة آلاف المدنيين الذين كانوا محتجزين فيها ولا يستطيعون الخروج منها، فكانت القذائف تنهال عليهم من السماء والأرض كما يحصل اليوم لسكان غزة المحاصرين، فلاغرابة أن يدعو الرئيس الأمريكي بايدن إلى أن تكون خطة اقتحام غزة مشابهة لخطة تدميرالموصل.
المعرض أقامته جمعية الفنانين التشكيلين العراقيين فرع نينوى على قاعتها الخاصة في منطقة المجموعة الثقافية، وشارك فيه واحد وعشرون رساما، ينتمون إلى أجيال مختلفة، وهذا يشير إلى أن قضية فلسطين ما زالت تسكن وجدان الأجيال الشابة من الرسامين في الموصل، وأن كل أساليب الإعلام المضلل الذي حاول خلال العقدين الماضيين من بعد أن سقط العراق تحت الاحتلال الأمريكي وأتباعه أن يزيح هذه القضية من الذاكرة الجمعية قد ناله الفشل، وهذا ما عبرت عنه لوحات الرسامين المشاركين، سيما وأن الأغلبية كانوا من الشباب، بما يعني هزيمة الإرهاب الفكري الذي مورس ضد العراقيين والعرب، لأجل أن يتخلوا عن قيمهم الوطنية والإنسانية ويعزفوا عن الايمان بمشروعية الدفاع عن فلسطين والفلسطينيين.

تفاعل فني مع الحدث

أما من ناحية القراءة الفنية للوحات المعرض، فالملاحظة الأساسية تشير إلى أن جميع الرسامين حاولوا الابتعاد عن المباشرة وعدم الخضوع للرؤية التسجيلية في تناول الحدث الساخن الذي يجري في غزة الصامدة، وهذا لأنهم مدركون مسبقا أن صور الواقع تحمل قدرا عاليا من كثافة التبليغ عن الحقيقة، ومن غير الممكن الدخول في منافسة معها في مخاطبة المتلقي، ولابد من الذهاب إلى مساحة التخييل بقدر ما، لأجل خلق عمل فني قادر على أن يخلق صلة مؤثرة مع من يتأمل اللوحة، وهنا تتضح حساسية الفنان إزاء رؤيته للعمل الفني عندما يتفاعل مع ما هو راهن من احداث ما زالت تتشكل أمامه يوميا، وما تنفك تنقلها لحظة بلحظة وسائط الاتصال المرئية. فمع حرص المشاركين على أن تكون اللوحات مساهمة صريحة وقوية في دعم الفلسطينيين في غزة، إلا أن ثراء التجربة التشكيلية في الموصل التي عرفت عن رساميها، مكنتهم من أن يختاروا من الواقع ما يعبر عنه من رموز، لتأسيس وتشكيل لوحاتهم بالشكل الذي لا يسقط نتاجهم من حيث القيمة الفنية أسير التعبير العاطفي اللحظوي، وينتفي حضوره في وجدان المتلقي مع مغادرته لصالة العرض.

قوة اللوحة

الفنان التشكيلي د.خليف محمود رئيس جمعية الفنانين التشكيليين في نينوى والمشرف على إقامة المعرض في حوارنا معه حول المعرض أكدر لنا بأنه يدرك جيدا أهمية الرسم في حياة الإنسان والشعوب، وأن الفنان يمتلك فرصة أكثر من غيره في تحقيق التواصل مع الواقع. وحول هذا النشاط يقول «تبقى الكلمة مؤثرة للشاعر والكاتب والأديب، لكن اللوحة أكثر تأثيرا في الوسط الاجتماعي، خاصة أثناء الحروب، فهي تعد سلاحا مهما وخطيرا تجاه العدو، ولها قصب السبق في هذا الصراع، وربما أكثر خطورة من الكلمة نظرا لما تحمله من قيم تعبيرية وسلطة لإثارة التأمل والدهشة والتساؤل، وهنا مكمن عمق وخطورة الخطاب الفني في اللوحة، وعلاقتها مع المتلقي بما يتوفر فيها استخدامات للألوان والإيقاع والصور والعناصر الأخرى التي تؤثر كلها مجتمعة على من يتأملها».
أما الرسام ناطق عزيز الذي يحسب على جيل الكبار من الرسامين من حيث الفترة الزمنية الطويلة التي بدأ فيها في عالم الرسم، فقد أكد في حديثه معنا بأن «الفنان مهما بدا حريصا على البحث عن شخصيته الفنية التي تضعه في موقع متفرد عن زملائه من حيث الأسلوب الفني، إلا أن هناك مسؤولية إنسانية واخلاقية ثابتة تقع على عاتقه، تدفعه بوعيه وإرادته إلى أن يكون حاضرا وفاعلا في الزمن المعاش، فكيف إذا ما تعرض أبناء جلدته إلى خطر الإبادة..وهنا تحديدا تتمثل بوضوح شخصية الفنان بجوهرها الإنساني، فإما أن يكون أو لا يكون». ويضيف عزيز مستدركا «نحن في هذه المشاركة حاولنا أن نخاطب العالم الخارجي، وأن نقرع النواقيس بلوحاتنا، لنؤكد لكل ساسة الغرب بأننا مع شعب غزة، وأن فلسطين ستبقى فلسطين ولن يكون لها أسم آخر مهما تعرض شعبها لكل صور التدمير».

الفن في مواجهة القمع

ربما يجد البعض أن الفن لا ينبغي أن يكون رهينة للمناسبات، لأن هذا المنحى يحيله إلى منطقة بعيدة عن جوهره في أن يكون خالدا فيسقط في بؤرة ما هو مستهلك، لكن من جانب آخر في مثل هذه اللحظات الوجودية التي يواجهها شعب غزة، لا يستطيع الرسام أن يعبر عن موقفه المؤثر والمتفرد إلا عبر ما يمتلكه من أدوات وتقنيات قادرة على أن تعكس حقيقة الأشياء، وربما هي أكثر تأثيرا من أية وسيلة أخرى من المخاطبات، وهذا ما أشار إليه الرسام طلال غانم جوابا على سؤالنا عن جدوى مثل هذه الفعاليات قائلا «أي واحد منا تقع عليه مسؤولية في مثل هذه الأوقات العصيبة، ومن المخجل أن ننزوي بفعل العجز أمام وحشية الآلة العسكرية، وعندما نرى صلابة الإرادة التي عبر عنها أهل غزة رغم فارق الإمكانيات العسكرية مع جيش الاحتلال، ماذا يتوجب علينا أن نفعل ونحن البعيدون عنهم جغرافيا سوى أن نضع كل ما نمتلكه من خبرة فنية لإيصال صوتهم المقموع إلى شعوب العالم، هذا أسمى دور يمكن أن يكون لنا كفنانين «.
تسابق كل المشاركين في المعرض مع الوقت لأجل أن يكون نتاجهم حاضرا في المعرض، مع حرصهم على أن أعمالهم، لا ينبغي أن تتجه إلى واقعية فجة، تتراجع في نتيجتها النهائية أمام قوة الصور التي تطرحها شبكات الفضائيات والأخبار وهي تغطي الأحداث الدموية في غزة، وهنا لابد من تدوين أسماء الرسامين المشاركين، وهم كل من: خليف محمود، ناطق عزيز، طلال غانم، لبنى الطائي، حكم الكاتب، ألوان خليف، سيف مطر، حسن السلامي، مروان طارق، إبراهيم رمضان، حازم العبدلي، أحمد مزاحم، سبهان الغبشة، محمود إبراهيم، علي جاسم، بسام الربيعي، أنهارمحمود، بسمة محمود وعبد الغني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية