غزة: معدلات الانفصال المرتفعة بين الأزواج تدق ناقوس الخطر

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
2

يشهد قطاع غزة تصاعدا غير مسبوق في معدلات الانفصال بين الأزواج، إلى جانب تراجع إقبال الشباب على الزواج نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية، التي انعكست سلباً على الواقع المعيشي للسكان الذين باتوا غير قادرين على توفير متطلبات حياتهم، لانعدام الدخل المالي نتيجة غياب فرص العمل أمام فئة الشباب وخاصة الخريجين منهم، ما أدى إلى توجه الكثير من الشباب وخاصة المتزوجين للانفصال، وذلك لتخفيف الأعباء والمسؤولية الواقعة عليهم.
وتسببت العادات والتقاليد الاجتماعية الخاطئة في غزة في عزوف الشباب عن الزواج، إذ تفرض العادات أن يدفع الشاب المقبل على الزواج مهراً يتراوح ما بين أربعة آلاف وسبعة آلاف دولار، كذلك يتوجب عليه توفير منزل ومستلزماته، فضلاً عن تكاليف حفل الزفاف التي تبلغ نحو 20 ألف دولار، وهذه الالتزامات تدفع الشباب للتراجع عن فكرة الزواج، في المقابل يضطر بعض الشبان الراغبين لتوفير مستلزمات الزواج من خلال مؤسسات تيسير الزواج، التي توفر مستلزمات الفرح في مقابل الدفع بالتقسيط لمن يرغب، وهذه الفكرة تستند إلى توقيع الزوج على ورقة دفع مالي، تلزمه بدفع الأقساط المتفق عليها مع المؤسسة وفي حال عدم الدفع يدخل السجن.
وقال رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة الشيخ حسن الجوجو في تصريحات صحافية، إن هناك تراجعا كبيرا في إبرام عقود الزواج لدى محاكم قطاع غزة مقارنة بتصاعد معدلات الطلاق، حيث سجل القضاء الشرعي منذ العام المنصرم حتى مطلع العام الجاري أكثر من 4500 معاملة طلاق، ويعود السبب الرئيسي للأوضاع المعيشية المترتبة على الواقع الاقتصادي المتدهور، وارتفاع معدلات الفقر المدقع الناتج عن الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، متوقعاً تصاعد هذه المؤشرات وتحولها لأزمة كبيرة إذا ما استمر التدهور المتواصل منذ سنوات. وفقاً لجهاز الإحصاء الفلسطيني، فإن الشباب من الفئة العمرية بين 20 إلى 29 عاماً يشكلون نحو 30 في المئة من المجتمع ويعزف نحو 75 في المئة منهم عن الزواج، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المهور، فيما يشكل الشباب من الفئة العمرية بين30 إلى 45 عاماً نحو 21 في المئة من المجتمع، من بينهم 46 ألف شخص غير متزوج في مقابل 41 ألف متزوج، وحسب استطلاع أجراه مركز مختص للمرأة في غزة حول أسباب العزوف عن الزواج، فإن 72 في المئة من الشباب، يرون أن عدم القدرة على تحمل النفقات والتكاليف هي السبب، بينما يرى 18 في المئة أن السبب هو عدم قدرة الشاب على إيجاد زوجة تقبل بالوضع المالي الصعب، في حين أن 10 في المئة يرون أن عدم وجود مسكن مناسب للشاب يدفعه إلى العزوف عن الزواج.
بدوره يقول الشاب صبحي أحمد 29 عاماً لـ«القدس العربي»: تزوجت في عام 2019 وكنت في ذلك الوقت أعمل في أحد المطاعم، وأحصل على راتب شهري ميسور يوفر لي ولزوجتي حياة كريمة، ولكن خلال أزمة كورونا التي عصفت بقطاع غزة وأدت إلى إغلاق كافة المرافق، لم أعد قادرا على توفير مستلزمات بيتي، وبدأت المشاكل داخل الأسرة على مدار عام حتى وصلت إلى قرار الانفصال. ووفق الشاب أحمد فإن الفتيات في غزة في هذه الأوقات لا يراعين ما يمر به الأزواج من أزمات مالية، وهذا هو الحال الذي يصل إليه الغالبية العظمى من الشباب المنفصلين.
وفي تعليقه على ذلك يقول أستاذ علم النفس الدكتور درداح الشاعر إن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعصف بقطاع غزة، يشكل تهديدا كبيرا على الأمن المجتمعي، ومن أبرز سلبيات تردي الوضع الاقتصادي، تفشي ظاهرة الطلاق بين الأزواج والتي تتصاعد بشكل خطير محدثة مشاكل اجتماعية كبيرة، إلى جانب تفشي ظاهرة الانحلال الأخلاقي بين الشباب غير القادرين على الزواج مرة أخرى.
وقال لـ«القدس العربي» إن المشاكل الأسرية بين الأزواج التي تصل في النهاية إلى الطلاق، ناتجة عن مسببات ومنها انتشار ظاهرة الزواج المبكر، الذي يصاحبه تدني في المستوى التعليمي للزوجين، وغياب الجانب الثقافي وعدم الوعي بضرورة إنشاء أسرة، إضافة إلى عدم توفر الإمكانيات المادية التي تسمح بإنشاء منزل للأسرة، ما يضطر الزوجين إلى السكن مع العائلة، وهنا تبدأ الخلافات المؤدية إلى الانفصال.
ولفت إلى أن العادات والتقاليد الاجتماعية السيئة التي لا تزال تتمسك بها الكثير من العائلات، تتسبب في تراجع إقبال الشباب على الزواج، ومن أبرزها ارتفاع المهور بحجة أن الفتاة حاصلة على مستوى تعليمي، إلى جانب اشتراط بعض الأهالي على الزوج إكمال تعليم ابنتهم، ما يجد الزوج نفسه عاجزا عن ذلك ويتراجع عن فكرة الزواج، وإذا وافق فقد يجد نفسه في نصف الطريق غير قادر على إكمال تعليم زوجته، فتبدأ الخلافات المؤدية إلى الطلاق.
ويرى أن الشباب في غزة باتوا مصدومين من الواقع، نتيجة تأثرهم بالقصص التي تدور من حولهم عن المشاكل الزوجية وارتفاع حالات الطلاق، حيث يلجأ الكثير للهجرة إلى أوروبا، في محاولة للحصول على حياة معيشية آمنة بعد فقدانها داخل القطاع، وهذا حال الآلاف من الشباب الذين غادروا على مدار السنوات الماضية، ووصلوا وتمكنوا من الزواج بأقل التكاليف المادية.
ووفق مركز الميزان لحقوق الإنسان (مكتب غزة) فإن نحو مليون ونصف مليون فرد من سكان غزة البالغ عددهم مليونين و300 ألف نسمة، يعيشون حالة من الفقر بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع لأكثر من 16 عاما، في حين يحصل أكثر من مليون فرد على المعونات التي تقدمها المؤسسات الدولية الإغاثية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية