غزة – “القدس العربي”: بالرغم من انقضاء أسبوع على زيارة الوفد الأمني المصري إلى قطاع غزة الذي يشرف على الوساطة في ملفات عدة من أبرزها ملف التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وتأكيده لقادة الفصائل التي التقاها وفي مقدمتها حركة حماس، باستمرار إسرائيل بالعمل في تفاهمات إعادة الهدوء الأخيرة، وتعهده بالعمل على إنجاز المرحلة الثانية من تلك التفاهمات، التي تقود في نهايتها إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، إلا أنه لم يتغير شيء على الأرض حتى اللحظة، وسط تلويح الفصائل والهيئة العليا لـ “مسيرات العودة”، باللجوء إلى تصعيد الفعاليات حال لم يرفع الحصار.
وبذريعة سقوط صاروخ مطلع الأسبوع الماضي قالت إسرائيل إنه أطلق من غزة على إحدى بلداتها الحدودية بدون أن يسفر عن وقوع أي إصابات أو أضرار، لم تف إسرائيل بما عليها من تعهدات قطعتها للوسطاء في ملف التهدئة، والتي تشمل تطبيق بنود المرحلة الأولى، وفي مقدمتها دخول الدفعة الثالثة من المنحة القطرية المقدرة بـ 15 مليون دولار، من أجل دفعها لصالح مساعدة فقراء غزة وموظفيها المدنيين.
التوتر يهدد التفاهمات
وقد رد جيش الاحتلال بغارات جوية على مواقع للمقاومة عقب الإعلان عن سقوط ذلك الصاروخ الذي نفى الدكتور محمود الزهار، عضو المكتب السياسي لحماس، مسؤولية المقاومة عنه، كونه خارج الإجماع الوطني، وحمل مسؤوليته أشخاصا اتهمهم بـ”الارتباط بالاحتلال”، وبالعمل على جر غزة إلى حرب جديدة.
ولم يلاحظ بعد زيارة الوفد الأمني المصري (الذي ضم اثنين من كبار ضباط جهاز المخابرات العامة ويتردد أنهما التقيا قبل الوصول إلى غزة مساء الخميس قبل الماضي، وبعد مغادرتهما القطاع مسؤولين في تل أبيب لبحث ترتيبات الاستمرار في تفاهمات الهدوء الأخيرة وتشمل تقديم مساعدات إغاثية عاجلة للقطاع الذي يعاني كثيرا بسبب سياسات الحصار) أن جرى أي إجراء عملي في هذا السياق، خاصة وأنهم نقلوا تأكيدات من حكومة تل أبيب تشير إلى رغبتها في الاستمرار فيما جرى الاتفاق عليه.
وتمثلت المرحلة الأولى السماح بدخول وقود لصالح تشغيل محطة توليد الكهرباء من أجل الحد من ساعات القطع، وكذلك دخول أموال الدفعتين الأولى والثانية من الأموال القطرية المخططة لمساعدة غزة، وتدفع لصالح عائلات فقيرة وموظفي غزة المدنيين، وكذلك تسهيل حركة تصدير بعض البضائع والمنتجات من غزة، على أن تقوم إسرائيل في المراحل التالية، فك الحظر عن دخول سلع عدة للقطاع، وإعطاء تسهيلات أخرى على عمل المعابر وحركة التجارة، باتجاه إنهاء الحصار المفروض على السكان منذ 12 عاما.
وشملت المرحلة الأولى أيضا وقف الهيئة العليا لمسيرات العودة والفصائل استخدام “الوسائل الخشنة” التي كانت تساند مسيرات الحدود، والمتمثلة في “البالونات الحارقة”، وكذلك وقف عمل “وحدات الإرباك الليلي” و”وحدات الكاوتشوك”، وغيرها من الوسائل، وكذلك خفض مستوى تصعيد التظاهرات التي تنظم قرب الحدود، حتى أن الهيئة ألغت على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية فعاليات “الحراك البحري” الذي ينظم عصر كل يوم اثنين على الحدود البحرية الشمالية للقطاع، وأرجعت السبب وقتها للأحوال الجوية.
رسائل متبادلة
وخلال أيام الأسبوع الماضي تردد الحديث عن تبادل رسائل بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة، حملت تلويحا بالعودة إلى التصعيد فإسرائيل طالبت في رسالتها عبر الوسطاء بأن تعود حالة الهدوء السابقة التي دامت على مدار الأسابيع الماضية لمناطق الحدود، قبل أن تقوم بالموافقة على وصول الدفعة الثالثة من الأموال القطرية المخصصة لمساعدة غزة، وتنفيذ بافي تفاهمات الهدوء. وأشارت بذلك إلى عودة التصعيد خلال مسيرات يوم الجمعة ولجوء شبان لمحاولات قص السياح وإلقاء قنابل صوتية تجاه الجنود، وتوعدت في الرسائل الموجهة لغزة، بالرد بحزم.
ونقل عن رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية الإسرائيلية آفي ديختر، قوله أن اسرائيل غير معنية بانهيار الوضع الانساني في القطاع، مشيرا إلى أن إدخال الأموال القطرية الى القطاع قد يؤدي إلى “تهدئة الأوضاع”، وكان بذلك يبعث رسائل تؤكد على رغبة إسرائيل في استمرار العمل في التفاهمات المبرمة، حيث قال كذلك إنه لا مصلحة لإسرائيل في شن حرب ما لم يتعرض أمنها للخطر.
وجاء ذلك في وقت ذكرت مصادر إسرائيلية أن الحكومة تدرس السماح بإدخال المنحة القطرية المقدرة بـ 15 مليون دولار، إذا شهدت الحدود مع القطاع هدوءا خلال نهاية الأسبوع الماضي.
وفي غزة قررت الهيئة الوطنية المشرفة على مسيرات العودة في فعاليات الجمعة الماضية، ومن أجل منع الخسائر البشرية، الحد من الإجراءات لضمان سلامة المشاركين، والحفاظ على الطابع السلمي لها، وشملت التدابير إعطاء توجيهات مشددة لكل اللجان والوحدات العاملة في مخيمات العودة الخمسة بضرورة الالتزام والانضباط، وطلبت من المشاركين الابتعاد عن نقاط الخطر والأماكن المكشوفة، وهو ما فهم من ورائه أنها جاءت ضمن الخطوات التي اقترحها الوسطاء من أجل الشروع إلى تطبيق باقي البنود.
لكن في الوقت ذاته فقد توعدت الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، وكذلك فصائل المقاومة الفلسطينية، بالعودة إلى الأساليب التي أوقفتها قبل أكثر من شهرين، مع بداية تطبيق التفاهمات، في حال استمرت إسرائيل في المماطلة في تنفيذ المرحلة الثانية، والتي من شأن تطبيقها أن تقود في نهايتها لإنهاء الحصار المفروض على غزة، إضافة إلى استمرار إسرائيل في منع وصول أموال الدفعة المالية الثالثة من المنحة القطرية المقدرة بـ 15 مليون دولار.
وفي بيان لها حذرت الهيئة الوطنية إسرائيل من استمرار المماطلة في تطبيق بنود التفاهمات وقالت “شعبنا الفلسطيني في غزة لن يخضع أو يبقى رهينة لسياسة الضغط والابتزاز والمماطلة والتسويف التي يمارسها الاحتلال، ودعت الوسطاء للتدخل، وأضافت منذرة “وإلا فإن لغة التصعيد ستكون اللغة المناسبة للرد على خروقات وسياسات الاحتلال”. ودعت مصر والجهات الدولية إلى متابعة جهودها للضغط على الاحتلال للاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني.
خشية من التصعيد
وتلا ذلك أن حملت فصائل المقاومة في غزة الاحتلال المسؤولية عن الاستمرار في المماطلة بدفع استحقاقات التفاهمات الأخيرة “بهدف كسب الوقت وتمرير مخططاته الخبيثة”، وشددت على أنها “لن تقبل أن يموت شعبنا والعالم يتفرج، وسنواصل حراكنا حتى نحقق أهدافنا كاملة”.
لكن التساؤل المطروح حاليا في الشارع الغزي هو هل ستتمكن مصر بصفتها راعي التفاهمات في الحفاظ على استمرار العمل بحالة الهدوء، وإلزام إسرائيل بما عليها من مطالب، في ظل المرحلة الحساسة التي تقاس حاليا بميزان الذهب، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، التي قد يلجأ فيها اليمين الإسرائيلي للتنكر لما جرى إقراره سابقا، من أجل كسب ود الناخبين، وفي ظل تلويح فصائل المقاومة بالعودة إلى “الأساليب الخشنة” إذا ما أخلت تل أبيب بالاتفاق وهو ما من شأنه أن يقود إلى جولات جديدة من التصعيد.
يذكر في هذا الشأن أن موجات تصعيد عسكري تخللها قصف المقاومة لمناطق غلاف غزة بالصواريخ، ردا على الغارات الإسرائيلية، اندلعت خلال الأشهر التي سبقت التفاهمات الأخيرة، وهناك إنذارات إسرائيلية من مغبة وقوع صدامات أشد ضراوة من السابق، وقد تصل لحد “حرب رابعة” في حال لم تحل مشاكل قطاع غزة الذي يعاني سكانه من انعدام كل مقومات الحياة بسبب الحصار المفروض من قبل إسرائيل منذ 12 عاما.