غزّة والعلامات الفارقة للبربرية

حجم الخط
5

الحدث تصنعه دولة الاحتلال الإسرائيلي، بالطبع، كأن تباشر “عملية خاصة” على تخوم خان يونس “ذات أهمية كبيرة” على حد وصف رئيس أركان جيش الكيان غادي أيزنكوت؛ فتفشل العملية، وتندلع جولة جديدة من العنف الإسرائيلي ضد قطاع غزة بأسره، ولا يقل عدد الغارات الوحشية عن 200.

لكن لدولة الاحتلال استطالاتها الكونية، كما يتوجب الوصف، في كل ما تفعل أو تتلقى من ردود على أفعالها. ولهذا فإنّ أية حرب تشنها في القطاع، أو سائر فلسطين، أو أي بلد، لا يصح تصنيفها تحت توصيف الحرب الإسرائيلية الخالصة؛ لأنها حرب إسرائيلية ـ أمريكية مشتركة في المقام الثاني، ولعلها في المقام الثالث حرب إسرائيلية ـ أوروبية، أو غربية في العموم.

صحيح أنّ البرابرة على الأرض يحملون الجنسية الإسرائيلية، إلا أنّ السلاح أمريكي بنسبة 90%، والتغطية السياسية للعدوان، فضلاً عن مختلف أشكال التعتيم الإعلامي، أمريكية ـ غربية بامتياز، والحديث هنا يخصّ الحكومات والمؤسسات وليس الشعوب ذاتها، التي عبّرت عن مواقف مختلفة هنا وهناك. وفي جولة 2014 للمرء أن يتذكر فذلكة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في “تفهّم” حاجات إسرائيل الأمنية، وإدانة “صواريخ حماس”؛ أو معزوفة زميله يومذاك الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي اعتبر أنّ لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحقّ في “اتخاذ كلّ التدابير الكفيلة بحماية شعبه ضدّ التهديدات”؛ أو، أخيراً، معزوفة زميلهما رئيس الوزراء البريطاني دافيد كامرون، التي تستكمل أنغام الطنبور…

ولكن… هل من جديد في هذا كلّه؟ كلا، بالطبع؛ ليس لأن أمريكا دونالد ترامب صوّتت بالأمس ضد قرار روتيني يدين الاستيطان الإسرائيلي في الجولان المحتل، أو لأنّ رئيس الوزراء الأسترالي يفكر في نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، ومثله يفعل الرئيس البرازيلي الجديد… بل، ببساطة، لأنّ القسط الأعظم من هذه التفاصيل تكرّر ويتكرّر، أو تردّد أو يتردّد رجيعه بقوّة، في تسعة أعشار الوقائع السابقة المماثلة؛ حتى حين تكون لكلّ واقعة علاماتها الفارقة في مستوى البربرية، وأبعادها المنفردة في عمق المأساة المرشحة للاستقرار عميقاً في ذاكرة الضحية.

ألم تغرق الديمقراطيات الغربية في معمعان التفريق اللفظي بين “وقف إطلاق النار” و”وقف الأعمال العدائية”؛ وأمّا الوحش الإسرائيلي فقد كان يواصل الإجهاز على المزيد من المدنيين، فيقتل عشوائياً، ولا يُبقي حجراً على حجر، برّاً وجوّاً وبحراً؟ في الماضي، كانت صيغة الكليشيه، المعتادة في اندلاع حروب إقليمية، هي مسارعة المجتمع الدولي إلى مطالبة الأطراف بوقف إطلاق النار فوراً، سواء كان الدافع هو التقليد البروتوكولي الصرف، أم فتح الباب أمام المساومات والصفقات وتحسين شروط التفاوض مع الخصم. الآن لم يعد “المجتمع الدولي” حريصاً حتى على ورقة التوت إياها، وفي مثال عدوان 2006 على لبنان رأت الولايات المتحدة أنّ وقف إطلاق النار “غير مفيد الآن”، وفي العدوان الراهن على غزّة ترى أنه “غير ممكن” مع استمرار إطلاق الصواريخ الفلسطينية.

وما يجري في غزّة اليوم يعيد تظليل قسمات هذا النظام الدولي الذي استجدّ بعد سقوط جدار برلين وانهيار أنظمة الاستقطاب القديمة. وفي المقابل، صار في الوسع الحديث عن نظام أمريكي إمبراطوري، تشارك فيه أطراف “حليفة” على نحو من المحاصصة الوظيفية، النسبية والتناسبية: لإسرائيل أدوار غير تلك التي تتولاها بريطانيا، وعلى أستراليا أداء واجبات غير تلك الملقاة على عاتق اليابان، وفي وسع فرنسا أن تعترض أو تشاغب أو تتوسط، مثل ألمانيا أو إسبانيا، شريطة البقاء ضمن التعاقد الأعرض…

وهكذا فإنّ الحرب الراهنة على غزّة كانت، من هذه الزاوية، محض مناسبة جديدة لتثبيت المزيد من قواعد قديمة في تسيير العلاقات الدولية وفق نظام أورو ـ أمريكي، يُختصر بين الفينة والأخرى إلى مسمّى غائم مضلل هو “المجتمع الدولي!”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية