باريس- “القدس العربي”: في مقابلة مع موقع Orient-XXI الفرنسي، استبعد الدبلوماسي اللبناني-الفرنسي السابق، غسان سلامة، خروج الأمريكيين من منطقة الشرق الأوسط بالطريقة التي خرجوا بها من أفغانستان، قائلا إن إنه في أيام الحرب الباردة، كانت الأولويات هي الدفاع عن إسرائيل، ومواجهة النفوذ السوفيتي، وأخيراً النفط. اليوم، تضاءلت هذه الأسباب الثلاثة دون أن تختفي.
فصحيح أن إسرائيل تستطيع الآن الدفاع عن نفسها بمفردها.. لقد ذهب الاتحاد السوفياتي، لكن روسيا باقية ويجد الأمريكيون صعوبة في فهم علاقة الروس بالشرق الأوسط، حيث تستخدم روسيا دائمًا الأساطير في علاقتها بهذه المنطقة، مع قياصرة في طريقهم إلى القدس والكنائس الأرثوذكسية في فلسطين. فقد قاتل شيشانيون وقوقازيون في سوريا، وهناك علاقة خاصة بين تركيا وروسيا، يضيف غسان سلامة.
لا يستطيع بايدن أن يتجاهل وجود روسيا في الشرق الأوسط وأنه لاحتوائه يجب أن يكون حاضراً. من ناحية أخرى، للشرق الأوسط قوة رمزية، إذ أن مصالح القدس تتجاوز الإسرائيليين والفلسطينيين. يتجاوز الأمر ما أراده جاريد كوشنر، صهر الرئيس السابق دونالد ترامب: صفقة عقارية بسيطة. أما بالنسبة للنفط، فحتى لو أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرة، تبقى الحقيقة أن السيطرة على الموارد النفطية تظل في المنافسة بين القوى العظمى. نحن نعلم أن نفط الخليج يُصدّر إلى الشرق وليس إلى الغرب فقط؛ يتابع غسان سلامة متحدثا لموقع Orient-XXI.
ومضى الدبلوماسي اللبناني السابق، الذي كان في قلب العديد من الأزمات، إلى التوضيح أن العلاقة الروسية التركية هي نقطة مثيرة للاهتمام، وإذا كانت هناك نقطة واحدة يتفق عليها فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، فهي الحد من النفوذ الغربي على منطقة الشرق الأوسط.
العلاقة الروسية التركية هي نقطة مثيرة للاهتمام
ويقول سلامة، المبعوث الدولي السابق إلى ليبيا: “لن أنسى أن بوتين وأردوغان كادا يسرقان مني نجاحي الرئيسي في قمة برلين حول ليبيا، حيث حاولا إقدام خليفة حفتر وفايز السراج (أبطال الصراع الليبي وقتها) إلى موسكو من أجل زرع الشك حول ما تم تحقيقه بشق الأنفس لمدة خمسة أشهر”.
واعتبر غسان سلامة أن الأمم المتحدة مستبعدة اليوم من أهم الصراعات: أوكرانيا، الصراع العربي الإسرائيلي. يبدو أنه أصبحت فرعًا من فروع الاتحاد الأفريقي، في الوقت الذي بات فيه معظم أعمالها لخطوط السلام يتم تنفيذها في القارة الإفريقية.
فدور الأمم المتحدة حاسم، لكنه هش للغاية، لأنه إذا لم يكن السائق يمسك عجلة القيادة بوضوح، فستستقر مجموعة من الدول في مكانه، يقول الدبلوماسي السابق، مشيرا إلى أنه تم تصميم محتوى إعلان برلين بشأن ليبيا من قبل الأمم المتحدة، لكنّ فرنسا وإيطاليا ومصر كانت لها أفكارها الخاصة، وكان لذلك وقع كارثي على ليبيا.
فعلى الأمم المتحدة أن تفرض نفسها بصفتها المُبادر وليس الناطق بالمصالح المشتركة بين القوى، يشدد غسان سلامة، موضحا أنه يمكن للمنظمة الدولية أن تلعب دورًا أكبر في اليمن، وكذلك الحال بين المغرب والجزائر.
وصف غسان سلامة سوريا باللغز، قائلاً إن البلدان التي دافعت عن النظام وكذلك تلك التي حاولت محاربته لم تعد تعرف ماذا تفعل ببلد مفكك ونظام غير مستعد لتقديم عرض سياسي مقبول لجميع مواطنيه. فالمصلحة في هذا البلد لا تتناسب مع الكارثة الديموغرافية التي لحقت به.
ورأى الدبلوماسي اللبناني السابق أنه يمكن أن يكون هناك توافق بين الدول الأربع المؤثرة في سوريا – الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران؛ وتشرح لروسيا أنها ليست الوريث الوحيد للحرب السورية، ولإيران أن سوريا لا يمكن أن تكون قمرًا اصطناعيا بسيطًا، ولتركيا أن الحرب السورية لا يمكن اختزالها في حظر الوجود السياسي على الأكراد؛ وللولايات المتحدة الأمريكية، أنه لا يمكن أن تكون غائبة عن بلد ما يزال بإمكانه إشعال الشرق الأوسط بأكمله.
وقال سلامة إنه لا يعتقد أن الحل يمكن أن ينبثق من داخل البلد أو من عملية أستانا.
وعن بلده الأم، قال غسان سلامة إن لبنان ضحية العيش فوق إمكانياته واختياره الدوغمائي لسياسة نقدية ترضي اللبنانيين قبل أن تدمرهم. كان من الواضح أن هذا النظام لا يمكن أن يستمر، كنت قد أعلنته عام 2011 وانتقدتني جمعية المصارف اللبنانية. لقد جعلوا جزءًا كبيرًا من السكان متواطئين في هذا النظام وهم مذنبون به.
يؤدي اقتران قدر أكبر من الحكم الذاتي للنخب المحلية إلى جانب الأيديولوجية النيوليبرالية إلى إنشاء أنظمة كليبتوقراطية في البلدان المحيطية، وكان أسوأها العراق وليبيا. إن نظام الكليبتوقراطية اللبنانية فريد من نوعه من حيث أنه يقوم بإعادة التوزيع. يمكن للمشيخات أن تعتمد على خزائن الدولة، ولكن يُعاد توزيع معظمها. إنهم يمارسون بدورهم دور الدولة في إعادة التوزيع، ولذا فهو يبدو متينًا ودائمًا. لكن هذه إعادة توزيع تمييزية.