يصر التشكيلي العراقي غسان غائب في كل معرض فني جديد، أن يمد المتلقي بمزيد من الأفكار التي يكرسها لاعتبارات جمالية ورؤية فلسفية، سواء جاءت عبر إشارات رمزية، أو فهم لوظيفة الفن، بدلالات متعددة وآخر ما قدمه لنا كمتذوقين لفنه معرضه في قاعة الأورفلي في عمان، فقد شهدت هذه القاعة الفنية عرض أكثر من عشرة أعمال متنوعة كان لمفهوم المثلث فيها الحيز الأوسع، وهو مفهوم فلسفي وروحي يشتغل عليه غسان كدلالة لها مفاتيح لرؤية يستخلص منها نماذج قدمها بصياغة وتجريب لافت أمام أنظارنا، وقد عرف عنه منذ ثمانينيات القرن المنصرم أنه مسكون بهوس التجريب الفني (خاصة العمل التجريدي) وقدم طرائق لمعالجات بصرية تتغير فيها الصياغات الشكلية والتصورات المراد تأكيدها، أو توظيفها جماليا فهو يجد حاجة ملحة في إثبات حقيقة تداول المفاهيم عبر عالم الفنون.

وبدت لنا نزعته التجريبية تتخذ من المغامرة سياقا لتوسع امتداد مشروعها، فالذي يعرفه يجده يتخذ من الخطاب البصري تراسلا لاستعادة فهم الحقائق الوجودية بغواية الفن، ومثل هذا المشروع يحتاج لأكثر، من مدخل لبيان إثبات حقيقته الجمالية والفنية، وغسان في هذا المعرض يعكف على الإتيان بفكرة الصعود، التي تمثل سمو الذات البشرية، والهبوط الذي يمثل الانكفاء والنزول لعوالم سفلية، وسبق ان تحدثنا معا عن العديد من أفكاره الفنية، مبينا أنه استخدم (الدرج) وهو على هيئة مصطبات، كتجسيد مادي لفكرة الارتقاء والنزول بحركة ديناميكية وذات طابع معماري، لتتضح عناصر العمل وفكرة تجسيد الألوان والصياغة الهندسية للأشكال بصورة وتراكيب تتوافق مع مرجعياته الفلسفية والروحية، وهذا الإصرار في الفن يشكل تصنيفا واستثمارا لخبرة فنية وأسلوبية، وقد وجدنا من المناسب القول إن روح التجريد الخالص في أعماله السابقة التي قدمها إبان تسعينيات القرن المنصرم، كانت نوعا من التجريب للدخول إلى أفق من التجريد الهندسي الذي يتماشى مع وحدة الخطاب الجمالي الذي بدأه من الترفع في الصياغة الشكلية، إلى هدف أساس يكمن في العودة لمفاهيم روحية ووجودية تتعلق بفكرة الارتقاء، أو النزول وهو هنا لا يضعنا أمام خيارين من حقائق الآثار التي نحياها اجتماعيا أو ماديا، بل يعيد تنظيم فكرة التمايز واللجوء إلى القياس المنطقي، فيجد في (تبيان المثلث) خيارا شكليا يوفر لنفسه ملاذا مثلما يمثل طرحا ومفهوما يمكننا من معرفة وجهته المثالية، إنه تحديد للتحول في الأسلوب، وخيار لتعاظم نداءات فكرته التي يحييها عبر هذا المعرض.
ما اللافت في المسار الفني والأسلوبي؟
يبقي غسان غائب على موضوعه وفق مهمة أسلوبية سيكتب لها النجاح، كلما أيقنا بأن المشروع الفني لديه يخرج من عباءة الفلسفة والتصور الوجودي، فهو يدرك أن ارتباط أي فكرة بالإنسان لم تأت من العدم، لأن كل فكرة متحركة وليست ثابتة من شأنها أن تتميز بمحور الاختزال أو التدقيق، وهي بمثابة تصور ذهني أولا، وموضوعي ثانيا، وهنا سنجد أن ما عمل عليه هذا الفنان كان بفعل عملية نتجت عنها نظرة مسبقة وتأمل مع ابتكار لأسلوب حساس ومضاد فما اللافت في طريقة هذه الأعمال ولماذا يصر أن تتجلى في الطرح التجريدي، بينما يقف جانب منها في تشكيل أعمال تركيبية مغايرة؟ يلزمنا خطاب الفنان المجدد غسان غائب أن نعي فهم المثلث وعلاقته بمظاهر الارتقاء والهبوط، وكيف تتم فكرة المزاوجة بينهما بطرق هندسية، أو متطلبات قراءته لبواعث اللعب بينهما، وكيف تتم فاعلية الترابط والمواجهة أنه يقدم حقلا من المعرفة التي تعود بنا لمفاهيم التعالي والطهرانية، أو الهبوط والاندثار، وكل ذلك إما يأتي بحمولات ودلالات شكلية نتيقن من أنها ليست تشبيهية بقدر ما هي رؤية رتبها الفنان بواعز جمالي شكلي، وصياغة هندسية مع انجذاب لتأملات فردية تماثل فكرة المطلق، وتضفي مسحة من الشعور بوجود فن يتخذ من الجوانب الفلسفية طرحا لمواقفه فهل هي إعادة لمدونة أساطير، أو مناورة لبيان إغراءات بصرية وشكليا لها وجهتها الدلالية؟
في جانب معين من أعماله التركيبية أو الرسم سيكون تكريس المفهوم قابلا للتوسع أمام إبداء محاولات التخلي عن الأفكار الأسلوبية القديمة، وهذه النظرة تخطت نتائجها منذ أن بين لنا كيف نجدد الثقة بالفن، وهي دعوة استنفار لفهم مشروعه ومرحلة الإبلاغ عنه. لقد تيقنت منذ زمن وأنا أتابع منجزه كونه يتميز بوضع أهداف جمالية، ويعيد التعامل مع الرسم وفق خطاب التجديد الأسلوبي المستمر، فغسان لم ينزلق بفنه التجريدي إلى الابتذال أو التكرار الشكلي، بل وجد نظيرا لإدراج ما يدعم أفكاره في التجريد، دون الاكتفاء بأي مساحات وتقنيات تمهد لإطلاق خطابه البصري، فما الذي يفسره ذلك التصور؟ إنه المغزى الجمالي وتعاظم الفكرة وطرحها أمام المتلقي، وهناك ميل للعودة إلى قراءة ومتابعة الجذور الأسطورية والدينية، مع فتح منافذ أكثر توسيعا لخيال الإنسان وهو يشاهد هذه الأعمال التي نخوض معها حوارا بصريا، سواء جاء عبر الدخول إلى حفرياتها وإشاراتها، أو عبر بنائها الشكلي وما تثيره من استنفار لتحريك أذهاننا أمام طاقة هذا الفن.

كاتب عراقي