إعادة تشغيل المعبر قد يؤشر إلى أن أنقرة تفتح طرقا لتسهيل تدفق المرحلين منها إلى مناطق سيطرة النظام السوري، خصوصا مع تصريحات الرئيس اردوغان بإمكانية اللقاء مع الأسد.
في آذار (مارس) 2020 ومع انتشار جائحة كورونا، قررت الحكومة السورية المؤقتة إغلاق ثلاثة معابر مشتركة مع النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» هي معبر أبو الزندين غرب مدينة الباب الواقع على طريق حلب ـ الحسكة (M4) والذي يربط مدينة حلب بمنطقة الباب، ومعبري عون الدادات والحمران وهما أقصى شرق منطقة عملية درع الفرات، حيث يربط معبر العون (كما يعرف محليا) منطقة جرابلس بمدينة منبج التي تسيطر عليها «قسد» ويعتبر معبر الحمران ثالث المعابر المغلقة، ويتوسط المسافة بين الباب غربا وجرابلس شرقا ويواجه مدينة منبج ويعتبر خط النقل الأشهر كونه الأقرب للحواضر الأهم ذات التعداد السكاني الكبير وطريق نقل المحروقات من مناطق سيطرة «قسد» إلى كامل مناطق سيطرة فصائل المعارضة في حلب وإدلب.
وفي نهاية عام 2017 افتتح فصيل السلطان مراد معبرا في قرية الجطل (الشعيب) قرب بلدة الغندورة ويبعد عن معبر الحمران قرابة 4 كم غربا. وكان افتتاح المعبر في سياق الصراع على النفوذ بين فصيلي «الجبهة الشامية» و«السلطان المراد» بعد سيطرة «الشامية» على معبر الحمران، وهدف قائد «السلطان مراد» فهيم عيسى إلى ضمان عائدات مستقلة لفصيله من عمليات نقل الفيول من مناطق سيطرة «قسد» إلى مناطق الشمال السوري. رغم ادعاء فرقة السلطان مراد أن المعبر هو «إنساني غير ربحي، يهدف لمساعدة المدنيين على التنقل، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى أهالي الرقة ودير الزور».
وأغلق المعبر بسبب صراع الفصائل على العائدات بعد شهور من افتتاحه، ثم انفجر الخلاف في صيف عام 2022 بين الشامية والسلطان مراد وحلفائه، لاحقا استقرت الأجواء نسبيا بين الفصائل بعد سيطرة جناح حركة أحرار الشام الموالي للجولاني على معبر الحمران، مع ضمان حصة باقي الفصائل مع عائدات المعبر الذي ما زال هو طريق صهاريج نقل الفيول إلى الآن. والجدير بالذكر أن حركة نقل المشتقات النفطية لم تتوقف أبدا من شرق سوريا إلى شمالها خلال فترة إغلاق المعابر بسبب الجائحة.
وبعد تراجع جائحة كورونا افتتحت المعابر التجارية والخاصة بالمدنيين باستثناء معبر أبو الزندين ويرجح أن السبب هو أمني متعلق بالعلاقة مع مخابرات النظام بشكل مباشر، في حين فضل المدنييون والتجار التنقل من مناطق سيطرة الفصائل وصولا لمناطق سيطرة النظام السوري عبر المرور بمناطق سيطرة «قسد» نظرا لسهولة التنقل من المنطقة الأخيرة وعدم الاحتراب المباشر بين النظام و«قسد»رغم التوترات المتفاوتة والمتكررة بين الطرفين.
موخرا شهدت مدينة الباب احتجاجا على تحركات الجيش التركي في مناطق التماس جنوب الباب، بذريعة دخول رتل مشترك تركي روسي إلى خطوط التماس بين قوات النظام السوري و فصائل المعارضة، وقال مصدر عسكري في أحد فصائل الجيش الوطني لـ«القدس العربي» إن «تعميما أمنيا تركيا وصل لقادة النقاط لأخذ العلم بأن «دورية مشتركة روسية تركية ستجول غدا المنطقة القريبة من طريق M4 ونبه من أجل عدم عدم إطلاق نار أو وقوع أخطاء». وفي اليوم التالي الواقع في 11 حزيران (يونيو) جرت مظاهرات غاضبة على الطريق الدولي منعت جولة أو دخول آليات روسية، وبالفعل لم تصل أي آليات روسية للمنطقة في حين اكتفى قادة الدورية المشتركة بتفقد نقطة معبر أبو الزندين، وعادت الدورية التركية وحيدة دون دخول الآليات الروسية.
وفي سياق منفصل علمت «القدس العربي» من مصدر محلي أن المسؤول الأمني التركي الجديد عن المنطقة اجتمع مع ممثلين عن القوى والكيانات المدنية الثورية في مدينة الباب، في 22 حزيران (يونيو) في بلدة الراعي بريف حلب الشمالي، وتحدث المسؤول في اللقاء مع نحو عشرة ناشطين محليين حول أوضاع منطقة الباب والواقع الإداري ومشاكل المدينة الخدمية والإدارية، وأضاف المصدر أن الناشطين قالوا كل ما لديهم من تصورات بدون مخاوف أو تردد، ولفت إلى أن الضابط التركي اشار إلى إعادة افتتاح معبر أبو الزندين ووعد بمنع الفصائل من السيطرة على المعبر في حال افتتاحه وأنه سيتم إنشاء إدارة مدنية مشتركة سيجري اشراك الكيانات المدنية فيها، وأضاف المصدر «شدد الناشطون على تسليم المعبر لإدارة مدنية وعدم توكيلها لأي من الفصائل». وعقد قائد فرع الشرطة العسكرية في الباب، العقيد راكان العسس لقاء مع ممثلي الفعاليات المدنية والثورية في المدينة، الاربعاء حسب ما أكد مصدر خاص في الشرطة لـ«القدس العربي» أخبر العسس الحاضرين انهم سيقومون يوم الخميس بارسال أربع شاحنات تجارية كتجربة إلى مناطق سيطرة النظام عبر معبر أبو الزندين.
وتطابق ما نقله المصدر مع بيان المجلس المحلي لمدينة الباب والذي نشر على معرفاته الرسمية، حيث أكد على تجهيز معبر أبو الزندين التجاري خلال 48 ساعة «من أجل فتحه تجريبيا وذلك من أجل اعتماده كمعبر تجاري رسمي لاحقًا وفق ضوابط وتعليمات ستنشر لاحقا». وربط المجلس فتح المعبر بحرصه «على تحسين الظروف المعيشية لأهالي المنطقة وتعزيز النشاط الاقتصادي المحلي، حيث سيتمكن التجار وأصحاب الأعمال من استخدام المعبر لنقل البضائع والسلع، ما سيسهم في تنشيط الحركة التجارية وزيادة موارد المجلس المحلي لإنفاقها للصالح العام وإعادة تأهيل البنية التحتية».
الفعاليات المدنية والنقابية في الباب، رحبت بحذر بقرار فتح المعبر واشترطت أن يوثق الاتفاق أصولا، وبما لا يتعارض مع العقوبات الدولية المفروضة على نظام الأسد، وطالبت في بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه، بأن تكون إدارة المعبر مدنية وبإشراف المؤسسات، وأن تحدد نسبة من ريع المعبر لتنفيذ مشاريع البنية التحتية في المدينة، كونها تضررت خلال السنوات السابقة أكثر من أي مدينة أخرى على أن تكون منفصلة تماما عن نسبة ريع المجلس المحلي.
كما طالبت بإيجاد آلية فعالة لضبط الملف الأمني وضبط الصادرات والواردات بما يتناسب مع مصلحة المدينة والمنطقة وبما يحفظ المنتج المحلي. ووقع على البيان نقابات الصيادلة والأطباء والعمال ومجلس وجهاء مدينة الباب ومجلس ثوار المدينة.
حول دور الحكومة الموقتة في إدارة المعبر، حصر الدكتور عبد الحكيم المصري وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة في اتصال مع «القدس العربي» عمل وزارة المالية والاقتصاد بالعمل «على المعابر الخارجية عن تركيا» مشيرا إلى أن نقاط العبور عبر خطوط التماس هي خارج صلاحيات وزارته، وأن فصائل الجيش الوطني تمتلك آلية ترسيم للبضائع في حال تسلمها إدارة المعبر.
المستهجن في الأمر هو ردود فعل فصائل الجيش الوطني، فالفصائل التي تتحكم بعدة معابر تعود عليها بملايين الدولارات بسبب عمليات التهريب بين مناطق السيطرة المتعددة تعارض افتتاح معبر أبو الزندين التجاري اليوم، وتروج بشكل كبير أن الهدف من افتتاح المعبر هو التطبيع مع النظام السوري، في حين أن معابرها مشرعة لخلايا تنظيم «الدولة الإسلامية» أو لعناصر سابقين في الميليشيات الموالية لنظام الأسد بعضهم متهم بجرائم وانتهاكات خطيرة بحق المدنيين السوريين، وهو ما يرجح فرضية بحث الفصائل عن موطئ قدم لها في إدارة معبر أبو الزندين، خصوصا وأنها خبرت طريقة رفض ما يمليه عليها المسوولون الأتراك في كثير من الأحيان من خلال الرفض بركوب موجات المظاهرات الشعبية حيناً أو اشاعة الفوضى والإقتتال أحيانا كثيرة.
الا أن التوجس من الرغبة التركية بفتح المعبر دافعه المسار الذي ساقت إليه المعارضة منذ سقوط مدينة حلب وفرض مسار أستانة خارج إطار المرجعية الدولية، فمع استبعاد فرضية فتح طريق الترانزيت بسبب العقوبات على النظام السوري واعتبارات سياسية تتعلق بطبيعة العلاقة بين أنقرة ودمشق، إلا أن إعادة تشغيله بالتزامن مع عمليات ترحيل السوريين المتزايدة من تركيا قد يؤشر إلى أن أنقرة تفتح طرقا لتسهيل تدفق المرحلين من مناطق سيطرتها إلى مناطق سيطرة النظام، وهذا بطبيعة الحال منطق محتمل خصوصا مع تصريحات الرئيس اردوغان بإمكانية اللقاء مع الأسد.