بائع الورد الذي نسي الشمس لسنوات وقعّ كتاب شعر وصار فيلماً حقيقياً عنوانه «يوسف»
بيروت ـ «القدس العربي»: رحلة لست ساعات برفقة الكاميرا شكلت النواة الأولى لفيلم «يوسف». فيلم وثائقي للمخرجة اللبنانية غنا عبود يستعيد حكاية طفل بات شاباً ارتاد شارع الحمرا من عمر 9 سنوات إلى عمر 13 سنة. «يوسف» الذي تأبط الورود الحمراء على مدى سنوات، ليمضي مساءه وساعات الفجر بين رواد الشارع، منتظراً بيع آخر ما لديه من بضاعة صار بطلاً لفيلم يحمل اسمه. بإحساسه الشاب وبخبرته التي راح يكتسبها ويغني مخزونه الداخلي بها، روى الكاتب والشاعر السوري يوسف الخضر. أما قهر الأيام بصقيعها وحرّها، وقلوب متحجرّة لبعض البشر فقد حفرت عميقاً في عيني الشاب وقسمات وجهه وشعره.
الطفل بائع الورد على مدى سنوات لم تشف روحه ومسامه من زوايا شارع الحمرا، ويبدو أنها دخلت دورته الدموية، فبينهما علاقة تختلط فيها الأسئلة مع الإلفة المكسورة بالتعب والشقاء. «مرّت سنين قليل ما شفت الشمس» يقول يوسف في الوثائقي. يصف نفسه بالفاشل «لأني كنت خجولا». طفل وحيد يكابد بين الكبار، والأسئلة تكرج في دماغه الصغير «ليش أنا هيك؟..الله معي أو مش معي؟ وين بتروح الورود بعدين؟»
في أصل الحكاية التي وصلتنا عبر الفيلم أن الطفل الصغير يوسف اختار بإرادته مساعدة عائلته وقرر بيع الورود. لسنوات بقي خاطره مكسوراً لأن العائلة لم ترأف بطفولته «كان لازم يوقفوني حتى لو أنا اخترت». نقم على الأهل والله فقد. فهو سمع كثيراً «الله حدّك». تعرض للأذى، اعتصر قلبه، ارتجف جسده وانتظر.. ولم يجد أحداً بقربه. وعاد ليتصالح نفسياً مع الأهل، وينسج علاقة خاصة به وحده مع الله. يوسف الطفل الخجول احتفظ في كبره بمسحة حزن تستوطن عينيه، ظهر دون تكلّف في الفيلم والوثائقي، فالمخرجة مُحبّة. رقة المخرجة غنا عبور وتأثرها بحكاية بائع الورد – الشاعر كانت جلية، وهذا لا يشكل تهمة عليها.
في مكتبة برزخ في شارع الحمرا في بيروت عُرض مؤخراً فيلم يوسف للأول مرة. وتزامناً مع هذا الحدث وقّع بائع الورد الشاعر يوسف الخضر كتابه الجديد الذي حمل عنوان «قبر في الأرض قبر في السماء» الصادر عن دار أبعاد. في هذا الكتاب حضرت زوايا شارع الحمرا، وعلاقة الكاتب بالأمكنة التي لازمها لسنوات. وحضر الوطن والله والأرض وفارس «شقيقه الذي قتلته في الحسكة غارة أمريكية». إذ يخاطبه مباشرة «عزيزي فارس.. لقد توقفت عن خشية الله بعد رحيلك، لأنني عرِفت أن الله لا يملك عقاباً، أشد قسوة من غيابك».
مع المخرجة والشاعر هذا الحوار:
غنا عبود: صمته البليغ يثير حشريتي
○ متى كان لقاؤك الأول بيوسف؟
• لا أذكر تاريخ لقائي الأول بيوسف، لكني أذكر أنه تمّ بحضور صديقنا المشترك الكاتب والشاعر أدهم الدمشقي. من المؤكد كان اللقاء في شارع الحمرا.
○ هل وافق دون تردد أن يكون في فيلم وثائقي؟
• لم أشعر بتردده بل على العكس، سريعاً وافق وحددنا يوم التصوير. شعرت بتردده لدى مشاهدته للفيلم قبل انجازه النهائي. مصدر التردد صدقه المطلق فيما قاله. وعندما قررنا عرض الفيلم كان حماسه يفوق حماسي.
○ هل أنت من رسم مسار الساعات الست للتصوير أم تركت للعفوية دورها كما ظهر يوسف؟
• لم أكن حيال أي قرار مسبق سوى السير معه للتصوير في ليلة ما، وفي شارع الحمرا. مشينا معاً في طريقه الدائم لدى بيعه للورد بين مقهى روسّا وملك البطاطا. الفيلم بكامله كان عفوياً. ركبنا السيارة في النهاية حماية لنا من المطر، وكي نوصل يوسف إلى منزله. ومن المؤكد أني حضّرت بعض الأسئلة، واستدعت إجاباته اسئلة عفوية ولدت في اللحظة.
○ لماذا اخترت تصوير يوسف من الخلف في أكثر المشاهد؟
• سبب التصوير من الخلف أني كنت أعجز من اللحاق به، خطواته سريعة. بشكل عام ولدى مراقبتي لأعمالي أرى أني أصوّر أبطالي من الخلف. أجد جمالية في هذا التصوير ورغبة التعرّف على الآخر الذي يحمل لغزاً.
○ ما الذي جذبك في شخصية يوسف؟
• الجاذب الأول أنه بائع الورد الذي صار كاتباً. وجدت في مسار حياته خبرة كبيرة، ومحطات جذّابة لي كصانعة سينما. رغبت بالوقوف على اختبارات بائع الورد الصغير، وبالتعرف من خلاله على كافة بائعي الورد. حشريتي دائمة بالتعرّف إليهم كيف يفكرون وكيف يواجهون الحياة. يوسف صامت في اغلب الأوقات لكن داخله يختلف. هو مراقب دقيق، طارح للأسئلة ومحلل للمواقف. أعماقه غنية، لهذا بحثي دائم عن الذي يختبئ في داخله. صمته البليغ يثير حشرية التعرّف إلى داخله. ربما الخبرات التي عاشها تشكل سبباً لصمته هذا وعمقه.
○ أين سيعرض الفيلم؟ هل له حظ المشاركة في مهرجانات؟
• بعد عرض الفيلم في مكتبة برزخ في شارع الحمرا. سنرسله إلى المهرجانات، ونأمل أن يكون له حظ المشاركة.

يوسف الخضر: الحمرا جزء من ذاكرتي
○ أربع سنوات من طفولتك تداخلت مع ليل شارع الحمرا في بيروت. الآن وأنت كاتب تشق طريقك كيف ترى صلتك بالأمكنة التي زرعتها جيئة وذهاباً؟
• بالحديث عن الأمكنة، أشنع البلاد هي التي تعطيك خياران لكي تعيش، إما أن تكون شجاعاً زيادة عن اللازم أي «وحش» أو جباناً زيادة عن اللازم أي «ضحية». ولطالما حلمت بالعيش في بلد يمنحني الخيار الثالث وهو أن أكون إنساناً، إنساناً لا أكثر. لهذا قد أغادر لبنان ذات يوم، لكنني وأنا أعني ما أقول إذا أصبت بالعمى ذات يوم، سأطلب من المقربين مني إعادتي إلى الحمراء بالتحديد. لأنني ولكثرة ما جلت فيها سيراً على قدميّ أستطيع الآن ودون مبالغة، أن أركض في شوارعها معصوب العينين. فصلتي بهذه المنطقة وهذه الشوارع تخطت مفهوم الجنسية والأصول العرقية. إنني وبطريقة ما صرت جزئاً لا يتجزأ منها، لا أختلف عن كوني حجرا نابتاً في أحد أرصفتها أو لافتة تشير إلى مكان ما فيها، وهي بدورها أصبحت جزئاً من ذاكرتي، جزئاً راسخاً يصعب قهره بالنسيان.
○ ليل الشارع والناس الذين يغزون عتمته هل إستولدوا لديك أسئلة محيرة في الصغر؟ وما هي؟
• لم يكن هناك معهد أو مدرسة أذهب إليها، لم يكن لدي سوى عيني ودماغي وقلبي فاستخدمتها بأقصى ما استطعت. لفترة طويلة كنت أقرأ وأراقب بصمت. صادفت كل أنواع البشر ولحسن حظي لم يكن أحدا منهم يعرف أنني كاتب، بالتالي كانوا يظنون أنني مجرد طفل، بائع ورد مهمش، وهذا مكنني من رؤيتهم على حقيقتهم. فالناس عموماً يميلون لقول الحقيقة لمن يظنون أنه أضعف منهم، فقول الحقيقة غالبا ما يحتاج إلى الشجاعة. وهم بالطبع لم يخشوا الظهور على حقيقتهم أمام مشرد. هكذا مُنحت فرصة أن أكون مرآة وقفوا جميعهم أمامها حفاة وعراة. في تلك الفترة، تفاهمت مع الأغبياء بمجاراتهم وتفاهمت مع الأذكياء بالاستماع إليهم، وتفاهمت مع الحمقى بالابتعاد عنهم. وكل ذلك كان يسيرا، ففي الحقيقة أكثر من واجهت صعوبة في التفاهم معه، هو أنا نفسي. لقد ألقي بي فجأة في الشارع، فكان عليّ أن أواجه كل شيء من خلال التجربة ودون أي معرفة مسبقة. بتعبيرٍ آخر، الناس يتعلمون السباحة كرياضة أو هواية ممتعة، أما أنا فتعلمتها بينما كنت أحاول النجاة من الغرق.
○ في وثائقي «يوسف» كانت لديك أسئلة عن الله وفي كتابك «قبر في الأرض قبر في السماء» قلت أنك لم تعد تخشاه بعد رحيل فارس. هل ما تزال علاقتك إشكالية بالله؟
• يحتج المتشددون دينياً بقولهم أننا ولمجرد امتلاكنا أطراف وأعضاء جسم سليمة، فهذا بالضرورة يجبرنا على الشعور بالامتنان والصلاة، وأنا هنا أريد أن أسألهم: ماذا أفعل بعينيَ إن كان كل شيء حولي قبيحاً؟ ما الذي أفعله بقدميَ إن لم يكن لدي مكان أذهب إليه؟ ما الذي أفعله بمعدة سليمة لكن خاوية؟ ثم مال الذي أفعله بيدي التي لم أعد أستطيع أن ألمس بها يد أخي الصغير الذي قضى في الحرب؟ برأيي يجب أن يوجد شخص واحد على الأقل في هذا العالم يتعامل مع الله على أنه رئيس دولة ويطالبه بالالتزام تجاه شعبه. وفي حال اعتُبر كلامي هذا هذيان فارغ، فهذا يعني بالضرورة أن فكرة الأديان أيضاً هذيان فارغ. أما إذا فكرنا جدياً بمسؤولية الله عما يحصل فهو مطالب بإنهاء هذه المأساة، وإلّا فالشك هو الخلاص الوحيد. وليقوم كل فقراء هذا العالم بتوجيه ثقتهم العمياء نحو أنفسهم، بدل توجيهها نحو رجال الدين.
○ هل وافقت بسهولة أن تكون أمام كاميرا غنا عبود؟
• لم يكن الأمر بتلك السهولة، فللكاميرا رهبة لا يمكن تجاهلها، إنها إذا صح التعبير: آلاف العيون مضغوطة بعين واحدة تحدق بالشخص الواقف أمامها وخاصةً إذا كان ذلك الشخص مجرد طفل. لكن بوجود غنا إلى جانبي وبحكم صداقتنا الطويلة، فذلك ساعدني كثيراً، ومنحني الطمأنينة الكافية لقول ما لدي.
○ قصيدة «وجهي الرصيف» مزجت بين الفصحى والعامية. كيف تفسّر المقاصد الأدبية في هذا الشكل من الكتابة؟
• يلجأ الإنسان لا إيرادياً إلى التحدث بلغته الأصلية حين يخرج عن طوره، ربما في الجدالات المستفزة أو حتى في المشاجرات، يحدث هذا حتى إذا كان المتلقي لا يفهم تلك اللغة أو اللهجة. وهذا ما حصل معي، حين كتبت تلك النصوص كنت خارجاً عن طوري، فسقطت فيها كلمات بلهجتي الأصلية.
○ نقرأ كلمات قصيدة «وجهي الرصيف» وندرك أنك غادرت الشارع وهو لم يغادرك. هل شارع الحمرا مرض ترغب بالخلاص منه؟
• ثمة شيء خاص قابع في ذاكرة كل إنسان، شيء لا يستطيع استيعابه كما هو ولا يستطيع نسيانه بشكل تام، كالندبة لم يعد مصدراً للألم، لكنه لن يزول إلى الأبد. شارع الحمراء هو ذلك الشيء بالنسبة لي.