«غير المسرود» مفهوما ما بعد كلاسيكي… معاينة وتمثيل

طرح جيرالد برنس في كتابه «علم السرد» قبل أكثر من أربعين عاما مسمى منحوتا من كلمتين هو غير المسرود، أو ما لا يقبل السرد Disnarrated. وقصد به توظيف ما لا يقبل السرد أو يستحيل سرده داخل الروايات والقصص الواقعية والخيالية. واستمر برنس يعمل على توطيد أبعاد هذا المسمى حتى أصبح مصطلحا من مصطلحاته السردية التي يصعب وضع مرادف عربي يفي بالمعنى في اللغة الأصل. وكان الشاعر والأكاديمي منصف الوهايبي قد اقترح لتعريب المصطلح أكثر من مسمى ومنه، الممتنع السردي ويعني أن ما لا يمكن أن يكون مسرودا يصبح قابلاً للسرد بالخطاب المنقول كحوار بين ذوات شتى؛ بيد أنني وبعد تمحيص مستفيض في طبيعة تداول المصطلح عند نقاد ما بعد الكلاسيكية، اتضح لي أن مسمى (غير المسرود) هو المرادف الأنسب لـ disnarrated .
وما من غرابة في أن يلقى مصطلح (غير المسرود) اهتمام بعض الباحثين في الغرب، نظراً لما وجدوه فيه من إثارة تدفعهم نحو دراسته، أولا لأنه يخدم توجهاتهم في الاهتمام بما أهمله البنيويون، وما بعد البنيويين من موضوعات السرد واشتغالاته، وثانيا لأنه يضيف إلى معجمهم السردي إضافة جديدة ونوعية.
ومن نافلة القول إن السرد القديم كان قد قام على قاعدة لا واقعية وعليها تأسست تقاليده الفنية التي عرفها السارد القديم كمنظومة أو نظام سردي راسخ تدل عليه المرويات التراثية الشرقية والعربية، ومن تلك التقاليد: الخيالية، التكرار، الحكاء، اللامحاكاة. واستمر هذا النظام مؤثراً وبقوة في الآداب الأوروبية في عصر النهضة وروايات القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولم تفارقه إلا حين أخذ الفكر الاستشراقي يؤثر في كتّاب القرن التاسع ويملي عليهم التعبير عن تفوق العقل الغربي. وانطلاقاً من ذلك كله صار دور الفكر الاستشراقي كبيرا في أن تصبح الواقعية قاعدة لنظام أدبي جديد يحدُّ من جموح التخييل، وعنه انبثقت سائر المذاهب الأدبية المعبرة عن الفرد ووعيه بالمجتمع.
بيد أن أي تأسيس لا يترسخ دون أن يتوفر له بعد تاريخي، ولا يتحقق هذا البعد في قرن أو قرنين، إنما هي سلسلة مراحل تاريخية متعددة وطويلة. وما أن صارت الواقعية سمة الرواية لأكثر من مئة عام حتى دخلت الرواية في أزمة واقعية، وأخذ التململ منها يتوضح منذ منتصف القرن العشرين، لاسيما عند روائيي الستينيات، الذين تغايروا في توظيف الواقعية، وفي ذلك دلالة قاطعة على أن من غير اليسير وضع نظام سردي جديد قاعدته واقعية. وما استعادة توظيف» غير المسرود» والاهتمام به مجددا في الرواية ما بعد الحداثية سوى مثال من أمثلة كثيرة على رسوخ القاعدة اللاواقعية كصيرورة سردية صالحة لكل زمان ومكان.
وعلى الرغم من توظيف الميتاسرد في الرواية الواقعية، فإن الروايات التي سميت بالجديدة تعدت ذلك إلى استعادة اللاواقعية تقليدا من تقاليد السرد الذي كانت روايات القرنين السابع عشر والثامن عشر تسير وفقه ومعها بعض روايات القرن التاسع عشر، التي فيها نجد «غير المسرود» مستعملا بوضوح، أي من قبل أن تأخذ الفلسفة الأوروبية دورها في توجيه العقل الغربي نحو العقلانية مؤثرة بشكل مركزي في توجهات الكتّاب.
ومن الباحثين الذين أثارهم استعمال «غير المسرود» في السرد الواقعي مارينا لامبرو، التي اتخذت منه أطروحة لكتابها الموسوم «غير المسرود وغير المتذكر في الحقيقة والخيال» 2019 وغايتها إثبات أن «غير المسرود» اسم لشيء غير قادر على القيام بفعل سردي في الحقيقة، لكنه قابل لأن يكون فاعلا سرديا بالتخييل. أما كيف أثبتت ذلك فمن خلال تعاملها مع السرد كأخبار وأقوال سردية storytelling وليس كأفعال أو أحداث كما يذهب السرديون الكلاسيكيون، الذين لم يكونوا غافلين عن هذا التكنيك، لكنهم لم يروا فيه لا معقولية لأنهم فسروه على أنه نتيجة تدخل المؤلف الذي يقبع خارج السرد، وسموا هذا التكنيك بالميتاسرد، وفيه يكون المؤلف حاضرا كذات حقيقية تشارك في البناء السردي، ما يضع السارد والمسرود له في حالة تحد مع القارئ الضمني والمتلقي الخارجي، أو الاثنين معا. فيصبح السرد فاعلية تفكرية يسميها جيرالد برنس بـ(السرد المحفز للتفكير thought- provoking narrative ) وتتحصل هذه الفاعلية من جراء ما يتركه الروائي من فجوات، تتطلب من القارئ أن يشارك الروائي عمله بالتأويل كي يردم تلك الفجوات.

وعلى الرغم من اهتمام لامبرو بالتوسيع الذي حققه علم السرد ما بعد الكلاسيكي، فإنها لم تعكسه على دراستها كأن تجمع علم السرد بالتاريخ الادبي مثلا أو تنظر إلى قدم توظيف غير المسرود في المرويات الشرقية عامة والمرويات التراثية العربية خاصة. فحين حللت رواية «امرأة الضابط الفرنسي» 1969 للبريطاني جون فاولز لم تهتم بالسبب الذي جعل النقاد يصفون هذه الرواية بأنها فكتورية.

ويرى ما بعد الكلاسيكيين في استعمال غير المسرود تكنيكا غير اعتيادي لأن ما يجري داخل السرد لا يكون بسبب تدخل خارجي من لدن المؤلف، إنما هو يجري بفعل وجود شيء غير قابل للسرد، أي «غير مسرود» هو معاق أو معطل أو محروم أو مجهول، ومع ذلك يخبرنا السارد أنه يقوم بأفعال تنتفي مع ما لديه من إمكانيات، فتتولد عن ذلك اختلافات وتضادات في الواقع الموضوعي تجعل القارئ أمام أمرين: الأول الإثارة الفنية والثاني التفكير الذهني في هذا الذي يحدث وهو لم يحدث. وحددت لامبرو الكيفية التي بها يعمل غير المسرود في ثلاثة أنواع من السرد هي: 1 ـ السيرة الذاتية. 2 ـ السرد الواقعي. 3 ـ السرد الفيلمي. وطبقت رؤاها على بعض روايات مارك توين وجون فاولز وقصص قصيرة، منها قصة للأمريكي توبياس وولف وفيلم «حلم لالاند» 2016.
وابتدأت تحليلاتها بمقطع من رواية مارك توين، فيها يخبرنا السارد الذاتي إنه يتذكر ما لم يحدث ويتحدث عما هو غير متذكر (عندما كنت يافعا أستطيع أن أتذكر كل شيء، سواء حدث أو لم يحدث لكن ملكاتي تدهورت الآن وقريبا سوف أكون كذلك. أنا لا أستطيع تذكر أي شيء سوى الأشياء التي لم تحدث قط) وهذا أمر غير ممكن الوقوع على الحقيقة، بيد أن ما لا يقبل السرد يصبح ممكنا سرده بالخيال عن طريق الإخبار؛ إما عن تجارب شخصية أو عن سيناريوهات مضادة للواقع.
وتوزع جهد مارينا لامبرو في كتابها أعلاه بين الحديث عن استراتيجيات عمل غير المسرود في سرد التجارب الشخصية، وشرح التكنيكات غير التقليدية التي يجدها السارد تستحق أن تسرد، وهي ليست كذلك وكيف أنها تجعل السرد عالميا عابرا للثقافات مما يعمِّق الوعي الاجتماعي في الإحساس بالواقع، فضلا عن كونه يؤكد ما لعلم السرد من سعة تجعله موضع اهتمام لا اللغويين والمنظرين الأدبيين حسب، بل علماء الأنثروبولوجيا والفلاسفة والمؤرخين وعلماء النفس أيضا.

وعلى الرغم من اهتمام لامبرو بالتوسيع الذي حققه علم السرد ما بعد الكلاسيكي، فإنها لم تعكسه على دراستها كأن تجمع علم السرد بالتاريخ الادبي مثلا أو تنظر إلى قدم توظيف غير المسرود في المرويات الشرقية عامة والمرويات التراثية العربية خاصة. فحين حللت رواية «امرأة الضابط الفرنسي» 1969 للبريطاني جون فاولز لم تهتم بالسبب الذي جعل النقاد يصفون هذه الرواية بأنها فكتورية. وهو أمر مهم لأن الرواية الفكتورية كانت تسير على قاعدة لا واقعية، وبالتقاليد نفسها التي كان النظام السردي القديم يسير عليها، ولذلك سعى جون فاولز إلى التملص من الواقعية ـ وإن كان بشكل غير كبير قياسا بما قام به بروست أو جويس أو بورخس ـ عبر استعمال تكنيك «غير المسرود» متبعا تقليد الخيالية، جاعلا «غير المسرود» تكنيكا سرديا، يصنع أشكالا من التنافر والمفارقات.

ومن القصص العربية التي فيها نلمس توظيف «غير المسرود» صوتا قادرا على سرد ما لا يمكن حصوله، مجموعة قصص «بيكاسو كافيه» لسامية العطعوط ومنها قصة (القيمة المضافة) إذ تبدأ بسارد ذاتي يرى امرأة تبحث في القمامة عن شيء ذي قيمة فيسترجع ما كان قد سمعه عن مبدأ القيمة المضافة، لكن فجأة يختلط صوته بصوت المؤلفة التي تتساءل هل القصة حقيقية هل هي البطلة (أدركت ما كان المستشار الأجنبي يحاول أن يشرحه لنا طوال أسبوع في الورشة عن مبدأ القيمة المضافة دون فائدة. هل كانت هذه القصة حقيقية؟ هل هذه صورة امرأة رأيتها؟ أم إنني كنت أحلم وتحولت أحلامي إلى صور حقيقية على الفوتوشوب؟ هل حدثت معي ومعها فعلا؟ ولمن البطولة هنا لي؟ لها؟ للحاوية؟ لحرية القارئ؟ لمن البطولة هنا؟). ويكون «غير المسرود» في قصة (في بحر غزة) أحداثا خيالية لم تقع بعد، يحكيها سارد بلغ من العمر مئة عام بعد الألف (كان ذلك قبل أن نولد بعشرات السنين وربما بعد أن ولدنا من حطب النار المقدسة. كنت أبلغ من العمر انذاك المئة عام بعد ألف أو يزيد) ثم يعود الى زمن الطوفان يدون ما لم يدونه التاريخ( لكنها في الحقيقة لم تكن تحدق في الفراغ، بل كانت تراني بوضوح. وكنت قد فتحت مدونتي السردية الكبرى لأسرد حياتي من قبل ومن بعد حياة الذين استشهدوا.. وأولئك الذين استشهدوا في عز البرد كأعداد تقترب من الصفر المئوي في لغة العالم.. وكنت أعلم أننا جدات نسرد الحياة ولا نموت عن آخرنا. هكذا علمني الطوفان يوما قبل أن ننبثق من عشبة في الأرض وننمو بذارا في كل مكان) أو يذكر السارد شيئا ثم ينفي أن تكون له علاقة بالقصة كما في «مسرحية من خمسة مشاهد» وفيها تكون المرايا فاعلا سرديا به تتعقد الحبكة، لكن يختتم القصة بملاحظة تقول (ليس للمرايا التي يحفل بها النص أي علاقة بالمسرحية، فهي مجرد تداعيات لمرايا من آلاف المرايا) فيتغير مجرى الحبكة وتصبح كأنها بداية لقصة جديدة، وهذا ما يجعل القصة قابلة لأن تتضمن قصصا أخرى على طريقة الحكايات الألف.
وتفتتح قصة (تلك القصة) بسارد ذاتي يريد أن يكتب قصة حدثت معه قبل مدة، لكنه بدلا من تخيل أحداثها، يصارح القارئ بالطريقة التي بها يريد أن يموه عليه أحداثها (كي لا يكتشف أحد أنها حدثت معي انا تحديدا.. لذلك سوف أكون حريصة جدا الآن لدى كتابتها وأضع فيها بعض الأقنعة قد أجعل البطلة طويلة جدا وبيضاء جدا.. المهم أن لا تشبهني.. سوف أضع الكثير من الفواصل والخطوط والأقنعة التمويهية كي لا يعرف أحد أنني أنا التي حدثت معها تلك القصة).

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية