فاتكم القرار!

في جامعة أوروبية رائدة وفي أولى حصص الدرس، فاجأ المدرس طلبته الجدد بالشروع في إملاء درس طويل، التفت الطالب إلى الغريب الذي يجاوره: هل تفهم ما يقوله الأستاذ؟ أجاب الطالب: ما من شيء واضح. واصل الأستاذ الإملاء والطلبة الكتابة، وبعد مدة وحين قربت الحصة من نهايتها قال الأستاذ للطلبة هل فهمتم الدرس؟ لم يجب أحد.. أضاف: هذا الدرس ليس لكم.. لقد أخطأت الطلبة فأخطأت الدرس وأضاف: ما عليكم إلا أن تمزقوا ورقة الكراس وتصنعوا بها طائرة ورقية.. القوا بها في اتجاهي.. انشغل الطلبة الجدد بصناعة طائرة الورق.. ساعتها بدأ الدرس.
كانت المفاجأة سارة لكل الطلبة: هم في المكان الصحيح وفي المستوى الصحيح ولهم من القدرات ما يمكن أن يفهموا به معلومات رأوها سابقا، ويبنوا عليها. المشكل أن الدرس هو الخطأ لا في المعلومات، بل في زمانية عرضه وترتيبه. كان هذا الخطأ مقصودا من هذا الأستاذ الذي لعب على بناء الثقة في النفس وتقويتها، وعلى أن الجامعة لا يمكن أن تكون دروسها الأولى منقطعة عن دروس سبقتها في سياق من التكوين متدرج. اعتمد المدرس التعليم بالخطأ تقنية في الوصول إلى الصواب، وفي تعزيز الثقة بالنفس، وفي بناء علاقة معرفية معقولة بالجامعة. يمكن أن يكون الخطأ مدخلا إلى التعليم، أو إلى التعليمية وذلك بأن نقود المتعلمين إلى أن يظنوا الظن الخطأ، كي يصلوا إلى النتائج الخطأ التي سيعرفون بعد اكتشاف خطئها أن الصواب في غيرها.
طريقتنا التي ننتهجها في تعليم الناشئة أو الشبان هي طريقة تبدأ من إبراز الصواب وتعاقب على الخطأ. فما زال كثير من مدارسنا اليوم يقيّم الأطفال بعدد الأخطاء التي يرتكبونها، وما زال كثير من المدرسين يعتقدون التميز في نصب شراك للمتعلمين كي يقعوا فيها، ويعتبرون أن النجيب النجيب هو من لا يخطئ بل يصيب.
هذا التمشي في التعليم هو في الحقيقة نقيض للتمشي في الحياة، فنحن نخطئ في الحياة كي نصيب ومن يعش في حياة الناس يخطئ في ما يخطئون ويصيب في ما يصيبون. شيطنة الخطأ حكاية قديمة تعود إلى النشأة الأولى، حين أقنع الشيطان آدم وحواءه بالوقوع في الخطأ. الوقوع في الخطأ ليس عملا شيطانيا في غالبه، هو عمل إنساني فالخطأ تدبير وتخطيط وتنفيذ يقود إلى قرار خاطئ. اتخاذ القرار هو عملية عرفانية رفيعة المستوى يتخذها الإنسان في تفاعل مع محيطه. ويرتكز على عمليات ذهنية مثل الإدراك والانتباه والذاكرة. وحياتنا اليومية تدفعنا إلى اتخاذ القرارات، إذ يعتمد كل قرار منها على التغذية الراجعة التي تبنى على تجربة سابقة مخزنة. وفي حياتنا اليومية نحن نُدفع إلى أن نتخذ قرارات في جميع الميادين، ففي ميدان المُعاملات التجارية وعند اشتعال الأسعار يكثر الحديث عن قرار مقاطعة البضائع التي لا قدرة لنا على ابتياعها؛ وحين يشتد السعال بنا ونحن من مدمني السجائر نقرر تركها، ونقف بعد ساعة أمام كشك السجائر لنبتاع علبة نقرر بيننا وين أنفسنا أنها الأخيرة.. ساعتها تقول السيجارة لنا: فاتكم القرار!
يمكن التمييز بين القرارات اعتمادا على مقاييس مختلفة، ويعنينا ههنا أن نتحدث عن هذه القرارات في نطاق تعليمي لساني. فعلى سبيل المثال يمكن التمييز بين القرارات المبرمجة والقرارات غير المبرمجة. القرارات الأولى ذات طبيعة تكرارية، وتكون في سياق حل للمشاكل البسيطة اليومية الشائعة. فعند تحية الناس تحية صباحية أو مسائية للناس، يمكن أن نتخذ قرارات في تنويع العبارات بما يتناسب مع الأشخاص، فالاختيار بين عبارة (صباح الخير) و(صباح الفل) و(صباحك ربيعي ) يكون بعد أن نتخذ قرارا مبرمجا لحل مسألة لغوية بسيطة هي كيف نناسب بين التحية الروتينية وصاحبها، أو هدفها الذي نروم بلوغه ونحن نلقي التحية، أو غير ذلك من الأهداف المبيتة التي تدخل جميعا في الاستراتيجيا التي لأجلها نقول صباح الخير لمن نقولها له.

يظل القرار مبرمجا حتى تفاجأ وأنت تستعد لإلقاء التحية، أو لردها بحدوث طارئ ما من شأنه أن يعطل التحية، أو يعرقل سيرها العادي مثل أن يكون من تحييه منشغلا عنك بحديث هاتفي مثلا، أو ساهيا عنك لاهيا بغيرك فلا يراك ولا يسمعك؛ أو كأن يقول لك أليس لك طريقة جديدة في إلقاء التحية؟

يظل القرار مبرمجا حتى تفاجأ وأنت تستعد لإلقاء التحية، أو لردها بحدوث طارئ ما من شأنه أن يعطل التحية، أو يعرقل سيرها العادي مثل أن يكون من تحييه منشغلا عنك بحديث هاتفي مثلا، أو ساهيا عنك لاهيا بغيرك فلا يراك ولا يسمعك؛ أو كأن يقول لك أليس لك طريقة جديدة في إلقاء التحية؟ عندئذ سوف تسعى إلى اتخاذ قرار غير مبرمج، ردا على هذه الحالة الاستثنائية كأن تبرز صوتك أو تجمع بين الصوت والإشارة باليد، أو غير ذلك من القرارات اللغوية والعلامية التي لم تكن مبرمجة سلفا، بل هي قرارات تحت ضغط اللحظة الطارئة.
في المدرسة تدفع التعليمات الروتينية التلميذ إلى اتخاذ قرارات مبرمجة في تعليم اللغة، ويكون ذلك بأن يعلم الناشئة اللغة بالاعتماد على تعلمات تدفعهم إلى اتخاذ قرارات روتينية، من نوع دعوتهم إلى ملء الفراغات بالكلمات التي تناسبها وتكون الكلمات المناسبة يسيرة الاستخراج، وتكون من نوع دعوتهم إلى الاحتذاء بمنوال يكتبون على سمته الإنشاءات، وقد يكون أيضا بإقامة حوارات مألوفة أو بدفعهم إلى ضرب من الإبداع داخل نطاق معلوم من نطاقات الأنشطة اليومية. هذا الضرب من القرارات الروتينية مطلوب في التعليم في حالات تثبيت اللغة لدى من يتعلمها، لكنه لن يكون مفيدا في جميع الحالات.
القرارات غير المبرمجة يمكن أن تكون دافعا لمتعلم اللغة، كي ينتبه إلى أن للغات أركانا مخفية، أو مجاهل عليه أن يعرفها، من بين ذلك أنْ يتعلم مثلا كيف يصلح الأخطاء إصلاحا ذاتيا، بأن يكون المنطلق منوالا خاطئا يسعى المتعلم إلى إصلاحه اعتمادا على حدسه اللغوي أو على معرفته بالقواعد. من بين أشكال اتخاذ القرار ما يعرف بالقرارات التنظيمية والقرارات الشخصية. القرارات التنظيمية هي القرارات التي يتخذها معلمو اللغات مثلا في ترتيب الأنشطة التي تستهدف القدرات الأربع: الكتابة والقراءة والسماع والمحادثة، وتكون هذه التعلمات مرتبة ترتيبا مسبقا بغرض معين، كأن يقود نشاط الكتابة إلى القراءة والقراءة إلى المحادثة مثلا قيادة تبرز ما لهذه الأنشطة من تعامل متكافئ ومتناسب في ما بينها. لكن القرار الشخصي يكمن في أن يمارس المتعلم النشاط الذي يلائمه أكثر ويكون مدخله إلى بقية النشاطات.
حين يفتتح المدرس الذي تحدثنا عنه في بداية المقال، بالشكل الذي افتتح به الدرس فإن ذلك ينبع من رؤية شخصية ليست بالضرورة رؤية المؤسسة في عرض الدرس، وفي تأسيس علاقة صحيحة معه؛ بل هو مغامرة فردية لها هدف ذكي: أن تصبح الأوراق التي نكتب عليها الدروس أدواتٍ إبداعيةً للخلق والابتكار؛ وهي طريقة أخرى لكي يقول المدرس المحنك إن الجانب العملي يمكن أن يعتمد على وسائل الجانب النظري ويتجاوزها. فإن تتعلم الهندسة يعني في النهاية أن تصبح قادرا على التحكم ذهنيا وعمليا في الأجهزة التي تتيح لنا صناعة الآلة؛ وأن تدرس اللغة فيعني أن تصبح قادرا على أن تتكلم بتلك اللغة في الوضعيات المختلفة من التواصل اليومي فلا أحد يسألك وأنت تتحدث باللسان الإنكليزي الذي تعلمته عن مسائل النحو الإنكليزي، أو البلاغة الإنكليزية، بل قد تجد نفسك في وضعيات تواصلية حية لا حل لك فيها إلا أن تتكلم بتلك اللغة.
نحن نتحدث عن اتخاذ قرار إذا كان هناك مشكل وأمامنا عدة اختيارات، يقودنا أحدها وننتخبه حلا نعتقده أبسط أو أكثر تلاؤما لذلك المشكل. لكن ماذا عمن ليست له مشاكل آنية أو زمانية هل يتخذ أيضا قرارات؟ ما من شخص إلا وله مشكل ومن ليس له مشكل فعليه أن يتخذ قرارا ينقذه من حرج الحياة: أنه لا مشكل له.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية