غزة – “القدس العربي”: فجع سكان قطاع غزة كغيرهم بخبر استشهاد مراسلة قناة “الجزيرة” الصحافية شيرين أبو عاقلة، اليوم الأربعاء خاصة وأن الجميع هنا يعرف هذه الإعلامية المميزة في التغطية الميدانية، والتي اشتهرت مع بدايات المتابعة اليومية للفلسطينيين للأخبار التلفزيونية، عندما انطلقت “قناة الجزيرة” أول قناة إخبارية عربية متخصصة.
ونال الحديث في مواقع التواصل الاجتماعي وفي مجالس الغزيين الخاصة، وحتى في المواصلات العامة، عن حادث استشهاد أبو عاقلة خلال تغطيتها اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين، الجزء الأكبر. ووضع الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لها على صفحاتهم، وقد كتب أسفلها “أيقونة الإعلام الفلسطيني، وداعا شيرين”، كما جرى تداول اللقطات المصورة التي تظهر اللحظات الأولى لإصابتها على نطاق واسع.
كما تناول الفلسطينيون مسيرة أبو عاقلة في حقل الإعلام، وأعادوا نشرها على حساباتهم، فيما قام كثيرون بإعادة نشر تقارير سابقة لها كانت تفضح فيها هجمات الاحتلال، خاصة وأن حادثة استشهادها جعلت ناقل الخبر هو الخبر نفسه.
خبر لم يتوقعه أحد
ورغم الاستهدافات الكثيرة التي طالت الصحافيين من قبل قوات الاحتلال، وأسفرت عن استشهاد عدد منهم، وإصابة الكثيرين بجراح خطرة، أدت إلى أحداث إعاقات دائمة، والتوقعات الدائمة بأن يسقط صحافيون خلال التغطيات لهجمات الاحتلال، إلا أن خبر استشهاد أبو عاقلة شكل فاجعة كبيرة، إذ لم يكن أي من الصحافيين ولا حتى زملائها في مكتب الجزيرة يتوقعون هذا السيناريو.
وتحدثت “القدس العربي” إلى زملاء شيرين أبو عاقلة في مكتب “الجزيرة” في فلسطين، بعد وقت قصير جدا من إعلان استشهادها، وقد خيّم عليهم الحزن والصدمة، ورغم الفاجعة إلا أنهم بدأوا في إعداد تقارير خاصة، وبتغطية ميدانية على الهواء مباشرة للحادث. وفي مدينة غزة نظمت العديد من الفعاليات المنددة بالحادث، وأمام مكتب “قناة الجزيرة” نظمت نقابة الصحافيين وقفة تضامنية، حمل خلالها المشاركون صورا للزميلة أبو عاقلة، ولافتات تندد بجرائم الاحتلال بحق الصحافيين، وتدين الحادثة الأليمة، وأخرى تتهم جيش الاحتلال بتعمد استهدافها بشكل مباشر.
ونعت نقابة الصحافيين للأسرة الصحافية وللشعب الفلسطيني وكل أحرار العالم الزميلة أبو عاقلة، وقالت إنها قضت “في عملية اغتيال واضحة محملة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن “الجريمة البشعة بحق حرية الصحافة”، والتي قالت إنها جاءت في الوقت الذي يحيي فيه العالم وكل الزملاء الصحافيين “اليوم العالمي لحرية الصحافة”. وأكدت أن جريمة الاحتلال التي استهدفت الزميلة أبو عاقلة تعد “عملا مقصودا ومدبرا وعملية اغتيال حقيقة كاملة الأركان”، لافتة إلى أن هذا الأمر الذي يستدعي تحركا واضحا لحماية الزملاء الصحافيين من استمرار التحريض والقتل التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي وكل مكونات الاحتلال، مشيرة إلى أن هذه الجريمة التي تأتي في الذكرى الأولى لتدمير أكثر من 40 مؤسسة إعلامية واستشهاد الزميل يوسف أبو حسين، وتدمير برج الجلاء، ومقر “الجزيرة” في غزة، ووكالة الصحافة الأمريكية “هو دليل واضح على استمرار الاحتلال في جرائمه”. وأضافت أنها ماضية في إجراءاتها في ملاحقة قادة الاحتلال على جريمة الاغتيال أمام المحاكم الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، مطالبة المنظمات الدولية والأمم المتحدة بوقفة جادة تجاه هذه الجريمة البشعة.
كما نظمت الأطر الصحافية وقفة احتجاجية أمام “فندق المتحف” شمال قطاع غزة، خلال تواجد وفد كبير من سفراء وقناصل دول الاتحاد الأوروبي، الذين نظموا الأربعاء زيارة لقطاع غزة، وحمل الصحافيون المشاركون خلالها لافتات تنادي بتدخل دولي عاجل لمساءلة الاحتلال على الجرائم التي ترتكب بحق الصحافيين، والتي ترتقي لمستوى “جرائم الحرب”، فيما قرر المكتب الإعلامي الحكومي إقامة بيت عزاء في مدينة غزة للصحافية الشهيدة.
ولاقت عملية استهداف شيرين أبو عاقلة إدانات واسعة من كل الأطراف وحملت الرئاسة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن ما وصفتها بـ “الجريمة البشعة”، مؤكدة أنها جزء من سياسة يومية ينتهجها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته. وأكدت أن “جريمة اعدام الصحافية أبو عاقلة، وإصابة الصحافي علي السمودي، هي جزء من سياسة الاحتلال باستهداف الصحافيين لطمس الحقيقة وارتكاب الجرائم بصمت”، وأشادت بالصحافيين الفلسطينيين، الذين يواصلون القيام بواجبهم الوطني والإنساني تجاه القضية الفلسطينية العادلة بالرغم من هذا الاستهداف.
ونعى رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية من وصفها بـ “فارسة الإعلام، وأيقونة الصحافة الوطنية”، وقال إنها قضت برصاص جنود الاحتلال، خلال قيامها بواجبها الصحافي لتوثيق الجرائم المروعة التي يرتكبها جنود الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.
من جهته أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ أن الاحتلال بإعدام الصحافية شيرين أبو عاقلة، “يرتكب مرة أخرى جريمة إسكات الكلمة وقتل الحقيقة”.
من جانبها قالت وزارة الخارجية إن الاحتلال ارتكب جريمة استهداف أبو عاقلة والصحافي على السمودي “بشكل مقصود ومتعمد”، مضيفة أن ما حصل يعد “امتدادا لجرائم الإعدامات الميدانية المتواصلة ضد أبناء شعبنا وضد الصحافيين بشكل خاص في محاولة إسرائيلية ممنهجة لإسكات صوت الحقيقة وللتغطية على جرائم الاحتلال ومستوطنيه”، وأكدت أن الصحافية قضت ضحية لـ “صمت الجنائية الدولية”، وأعلنت أن الوزير رياض المالكي، عمم على السفارات في الخارج بضرورة التحرك الفوري تجاه وزارات الخارجية ومراكز صنع القرار والرأي العام والإعلام في الدول المضيفة، من أجل فضح جريمة إعدام أبو عاقلة.
كما أدانت حركة فتح الجريمة، التي قالت إن الاحتلال ارتكبها “عن سبق إصرار وترصد”، وأضافت أن هذا الاغتيال الجبان يعد “جريمة حرب مكتملة الأركان هدفها قتل الحقيقة، والتغطية على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني”، محملة الحكومة الإسرائيلية ورئيسها نفتالي بينيت المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة، لافتة إلى أن الصحافية أبو عاقلة كانت ترتدي ملابس الصحافيين وشعارهم بكل وضوح، ولم تكن تمثل أي خطر على جنود الاحتلال، مؤكدة أن هذه الجريمة لن تمر دون حساب، وحمّلت المجتمع الدولي الذي وصفته بـ “المنافق” المسؤولية كونه “لا يحاكم الأمور بمعيار وميزان واحد”، مشيرة الى أن الصمت الدولي عن جرائم دولة الاحتلال “هو الذي شجع ويشجع إسرائيل على مواصلة ارتكاب جرائمها بحق الشعب الفلسطيني”.
وأكدت حركة حماس أن اغتيال شيرين أبو عاقلة يعد “جريمة قتل متعمدة”، وقالت إنها “لن تحجب حقيقة إرهاب الاحتلال ووحشيته”، وأضافت، في بيان، لها “هذه الجريمة البشعة ضد الصحافة والكلمة الحرة تضع العالم والمؤسسات الدولية كافة أمام مسؤولياتها في إدانة هذه الجريمة، ومحاسبة قيادات الاحتلال التي تجاوزت كل القيم، وتعدت على الأعراف والقوانين الدولية كافة”.
واستهجن رئيس المكتب الإعلامي لحركة حماس عزت الرشق، تجنب السفيرين الأمريكي والبريطاني، إدانة الاحتلال على جريمة اغتيال الإعلامية شيرين أبو عاقلة، والاكتفاء بالتعبير عن الحزن والمطالبة بالتحقيق، رافضا “ازدواجية المعايير” الأمريكية والبريطانية “والنفاق في التعامل مع صحافيي شعبنا”، مؤكدا أن هذه الجريمة الموثقة بالصوت والصورة “لا تحتاج إلى إثبات”، وأكد أن الشعب الفلسطيني لا يثق بأي تحقيقات تجريها حكومة الاحتلال المسؤولة عن هذه الجريمة، مطالبا بتحقيق دولي شفاف لمحاسبة الاحتلال وجيشه على جريمتهم البشعة.
كما أدانت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الحادثة، ودعت إلى تضافر كافة الجهود من أجل محاكمة دولة الاحتلال على جرائمها بحق الصحافيين الفلسطينيين، وشددت على أن استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، تمثل “لحظة فاصلة لمحاكمة الاحتلال وحماية الصحافيين”، وأضافت “العالم الذي احتفل قبل أيام باليوم العالمي لحرية الصحافة مطالب اليوم بإسماع صوته انتصارا للضمير الإنساني والقيم والمبادئ الاخلاقية من أجل القيام بواجبه تجاه ما يجري من جرائم”.
تنديد حقوقي ودولي
ولاقت عملية إعدام أبو عاقلة خلال التغطية الإخبارية استنكارا واسعا من قبل مراكز حقوق الإنسان، وأدان مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس” بشدة الحادثة وأكد أنها تمثل “عملية إعدام”، وقع أثناء تغطيتها للعدوان الإسرائيلي على مخيم جنين. وقال إن الجريمة “تضاف إلى السجل الأسود لجيش الاحتلال قاتل الأطفال والنساء، صاحب التربية العنصرية والعقيدة العسكرية القاصرة، القائمة على القتل والخراب وسفك الدماء، والذي لا يحترم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وقواعد الحروب”. وطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية للوقوف على الجريمة، وأكد أن المستوى السياسي في دولة الاحتلال ومعه القيادة العسكرية يعتقدون مخطئين أن عملية استهداف الإعلامية أبو عاقلة والصحافيين الفلسطينيين ستمكنهم من طمس الحقيقة، وعدم وصولها إلى إرجاء العالم.
وأدان مركز “حماية” لحقوق الإنسان بشدة جريمة إعدام الصحافية شيرين أبو عاقلة، وقال إنها تمت على يد “قناصة الاحتلال”، وطالب بفتح بتحقيق دولي في هذه الجريمة، وقال إنه وفقا للمعلومات التي حصل عليها فقد اقتحمت قوات الاحتلال العنصري الإسرائيلي صباح اليوم مدينة جنين ومخيمها شمالي الضفة الغربية المحتلة، وصاحب عملية الاقتحام قيام أفراد القناصة المتمركزين في مناطق مختلفة من المخيم بإطلاق الرصاص بشكل مباشر تجاه المدنيين العزل بمن فيهم الصحافيون الذين يوثقون جرائم الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، حيث نتج عن ذلك إصابة مراسلة قناة الجزيرة بطلق ناري في الرأس نقلت على إثره بمركبة خاصة إلى مستشفى ابن سينا في مدينة جنين، حيث أعلنت وزارة الصحة عن استشهادها بعد لحظات من وصولها المستشفى.
رصاصة في العنق
وقال المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إن تحقيقاته الأولية تشير إلى أن الصحافية أبو عاقلة قُتلت برصاصة إسرائيلية أصابتها أسفل أذنها في المنطقة غير المحمية من الخوذة التي كانت ترتديها، حسب إفادات حصل عليها من شهود عيان.
وأوضح الأورومتوسطي أن طبيعة إصابة أبو عاقلة تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي أصابها في منطقة قاتلة على نحو يبدو متعمدا، إذ استمر جنود الجيش بإطلاق النار على كل من يحاول الاقتراب منها ما أعاق عملية إسعافها عدة دقائق.
ودعا المرصد إلى فتح تحقيق دولي مستقل في الحادث بما يُفضي إلى محاسبة المتورطين فيها، ووضع حد للاستهداف الإسرائيلي الممنهج للعمل الصحافي في الأراضي الفلسطينية.
وفي غزة زار وفد سفراء وقناصل الاتحاد الأوروبي مكتب “قناة الجزيرة” في مدينة غزة، خلال زيارتهم للقطاع، حيث قدم الوفد التعازي لزملاء أبو عاقلة، وأعربت بعثة الاتحاد الأوروبي في فلسطين عن صدمتها من استشهاد أبو عاقلة، وقال ممثل الاتحاد الأوروبي في فلسطين سفن كون فون بورغسدوف، خلال مشاركته في اليوم الإعلامي المفتوح في غزة “شيرين أبو عاقلة كانت وستبقى في ذاكرتنا، كانت مثالا مهما للمراسلين بالتغطية الصحافية للأحداث، لأنه لا يمكن أن يكون هناك حفاظ على الحريات الصحافية، دون تغطية ما تقوم به السلطات”. وأدان منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند، حادث استشهاد أبو عاقلة، ودعا لإجراء تحقيق فوري وشامل ومحاسبة المسؤولين، وقال “يجب عدم استهداف العاملين في وسائل الإعلام”.