فاروق شوشة الشاعر والكاتب والمذيع ورئيس مجمع اللغة العربية، هو صاحب تجربة في تاريخ الشعر العربي المعاصر. ولد عام 1936 في قرية «الشعراء» في محافظة دمياط في مصر. وقد عرفت بهذا الاسم، انتسابا إلى شعراء الربابة الذين كان مدار شعرهم وأغانيهم، على أبطال الملاحم الشعبية.. وتوفي 2016.
على أن تجربة صاحب البرنامج الإذاعي الشهير «لغتنا الجميلة» لا تُكْتنه إلا في سياق تجارب مجايليه من المصريين من أمثال، صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ومحمد إبراهيم أبو سنة وفؤاد طمان وغيرهم، على تفاوت نصوصهم. وهو ينتمي إلى «الجيل الذي يمثل الموجة الثانية في حركة الشعر الحديث» ويُعد «أحد رموزها» (مصطفى عبد الغني، البنية الشعرية عند فاروق شوشة).
ألمت بتجربته الشعرية شأنه شأن هؤلاء مؤثرات كثيرة: رومانطيقية في مرحلة الشباب، لكن لم ينقطع أثرها في دواوينه اللاحقة؛ حتى عندما تطورت تجربته، واكتسب معرفة بالسياسة والاقتصاد والفكر، وعرض له من بدَواتِ الأدب وحَدثانه ما عَرض لمجايليه، وأخذ من الآداب الأجنبية بنصيب، وتأدب بآدابها؛ فهو لم يهجر الأدب العربي القديم، ولا مؤثرات شاعر كلاسيكي مجدد مثل أحمد شوقي وإلياس أبي شبكة وجبران والشابي. ونحن نقف في أكثر قصائده، على شعرية ذات رأسين، أو هي تُطل في اتجاهين اثنين: اتجاهٍ مُنشدّ إلى «المعنى» وإلى مواثيق الكتابة وتقاليد القراءة؛ حيث النص يجسم موضوعا أو يستنطق فكرة، واتجاهٍ يجعل أساس الكتابة الصورة الاستعارية قريبة المأخذ، وإن وشاها استرسال خيالي لا منطق له إلا منطق النص، من حيث هو نشوء وتكوين أو حركة حرة؛ قد تترجم في جانب منها انتشار الذاتية الشعرية، كما هو الشأن في أكثر نماذج الشعر الرومانطيقي. وفي ما عدا هذا «الاسترسال» فإن شوشة مأخوذ.في شعره. بالصور القريبة الدانية، مثلما هو مأخوذ بالأفكار البعيدة. ولم يكن بالمستغرب أن ينجرف إليه ما ينجرف من أضواء الحاضر الشعري (رمزية جبران ونعيمة وشعراء مصر في الأربعينيات والخمسينيات من أمثال، محمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه…) وظلاله؛ لكن بلغة شمولية تدور في مدارات قريبة إلى عناصر الكون والحياة.
وأكثر شعره يزاوج بين الصور المجازية القريبة، والجمل الإشارية؛ ويتمثل هواجس الذات وحالاتها الوجدانية، وإحساسها بالعجز والصدع والخواء، في غنائية تحتفي بالأشياء والتفاصيل الصغيرة؛ كما في ديوانه «إلى مسافرة» وقد أهداه إلى قريته «الشعراء أمومة الأرض والأهل والشعر». وأكثره كتب في الستينيات. يقول في قصيدة «أغنية مسافرة»:
«عيناكِ يا فيروزتِي معْبدايْ
قرأْتُ في عُمقيهِما عُمِرِي
وقصةً أفرغتُ فيها أسايْ (الرجز)
ويقول في قصيدة «الليل»
كمَا يتسللُ حزنُ المساءِ / وترتجفُ الفكرةُ العابرهْ ( المتقارب)
أو «الصمت»:
لا تصْمُتِي
الصمتُ يفضحُ العيونْ (الرجز)
أو «تائه على الخليج»:
عندَ المدى المسْدودِ ألقينَا الرحَالْ (الكامل)
و»كلمات للعار»:
عارِي المُدلى فوقَ أقداري
أُخفيهِ حتى لا يَمُرض الزمانْ (السريع)
وكذلك الشأن في قصائد مثل»كلمات مرتعشة» و»شهيد الكلمة» وهي قصيدة مهداة إلى «الصحافي الشهيد نسيب المثنى رمز الثورة العربية في لبنان» و»بغداد تثور» و»يا مغرب» المهداة إلى «أبطال الثورة العربية في الجزائر». وربما راهن بعض شعره على الأشكال الحديثة، لكن دون أن يأخذ بكل مكوناتها وتحولاتها؛ في بنية الخطاب الشعري.
وشوشة منشد بحكم تكوينه الأدبي إلى الإيقاع الوزني، سواء تعلق الأمر عنده بقصيدة البيت أو قصيدة الشطرين (ما يُصطلحُ عليه خطأ بالعمودي)؛ وهو»نقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب» أو «قصيدة التفعيلة» أيضا؛ على قلق التسمية؛ إذ لا أثر لمصطلح «تفعيلة» في المدونة العروضية المأثورة.
وللقافية في تجربته، شأن في تحقيق التناسب والتناغم المطلوبين في الشعر «الموزون». وهذا مما يستوقفنا في كل دواوينه: في»العيون المحترقة» (1972)، في قصائد مثل «الرحيل» و»سقوط الوهم، و»يجيء شتاء» و»الزيارة» و»تحت ظلال الزيزفون» وهي صدى زيارة إلى ألمانيا الديمقراطية في يوليو/تموز 1970: وفيها إشارة أشبه بالحدس الشعري، إلى سقوط جدار برلين:
«هذا أخيرا وجهُكِ المضَرجُ الحزينْ
وجهُكِ يا برلينْ…
يا يومَ رحلةِ العبورْ
يا يومَ هدْمِ السورْ»
وكذلك مرثيته لجمال عبد الناصر» أحزان الفقراء»: «وانحنتْ صفصافةٌ، كانتْ على النهرِ تُغَني…»
وفيها كلها يحرص الشاعر على القافية من حيث هي لازمة إيقاعية، أو فاصلة إيقاعية بين السطر والسطر الذي يليه. ويستوقفنا هذا الحرص على الإيقاع المأثور، في كل أنماط الشعر لديه؛ بما في ذلك قصيدة القناع التي تطرد عند أكثر مجايليه، وهي تقوم على استدعاء شخصية تراثية، أو أسطورية للتعبير «بها» عن هموم الحاضر ومشاغله. ومثالها «أصوات من تاريخ قديم» وقد توزعت على ثلاثة أصوات، بينها حجب كثيفة من الزمان: صوت سيف الدولة، وصوت أبي العلاء، وصوت عنترة. وأدارها الشاعر على الخبب والرجز.
ولا يختلف ديون «لؤلؤة في القلب» (1973) عن سابقيْه من حيث الموضوعات والإيقاع. وقد نكون أقرب إلى طبيعة قصيدته إذا حملناها على لون من ألوان الصوفية، ونحن نقف فيها على مظاهر التصوف، كما يجلوها إحسان عباس في الشعر العربي الحديث مثل، ظاهرة الحزن العام الهادئ اللائب، والحلولية الكونية مثل اتحاد الشاعر والأرض، والمزج بين المحسوس والمتخيل، والظمأ النفسي لمعانقة المتوقع أو الأمل المطلق.
والحق أننا لا ننكر وجود سمات مشتركة بين التصوف والرومانطيقية في هذا الشعر؛ فكلاهما يصدر عن قلق الوجود والريبة في الآخر (المجتمع) ويتمثل نوعًا من الاشتياق الديني إلى العزلة والتوحد بالطبيعة، كما هو الأمر عند الشابي؛ ويكاد يحصر الشعر في الإعراب عن خلجات الوجدان والتعبير عما تستفيض به الذات وهي تواجه وعيا ذاتيا آخر هو يقينها وحقيقتها. وهي سمات قد ترجع إلى ألوان من المعرفة وسمت ثقافة الشاعر بميسمها، وهو الذي عاش في بيئة دينية محافظة؛ كان لها أثر غير يسير في رؤيته «الرومانسية الصوفية». على أنها رؤية اتسعت آفاقها وترامت حدودها بثقافة حديثة أغنى؛ إذ درس في دار العلوم، واطلع على نماذج من الأدب الرومانطيقي والرمزي. وقد نُدانِي تجربته إذا اعتبرناها أقرب إلى التمثيل العام لخصائص القصيدة العربية في الستينيات من القرن الماضي من حيث الإيقاع والموضوعات. وهي قصيدة انخرطت في بداياتها، وربما إلى حدود السبعينيات، أو بعدها بقليل، في مسار المشاريع الوحدانية الكبرى (المشروع القومي والمشروع الاشتراكي مثلا)، وقد باءا بالفشل؛ قبل أن تنكفئ في نماذج من «قصيدة النثر» التي لم يكتبها شوشة؛ إلى ضروب من السيريالية أو الدادائية أو العدمية « النهلستية» واللامعقول.. يقول في «الرحلة في بحار العشق» (ديوان، في انتظار ما لا يجيءُ 1979):
«يا مَحبُوبِي، وحْدي بعدكَ أعبرُ هذا الليلَ الموحِش…»
وفي «حال من العشق»:
«الفيضُ الباهرُ يُغرقُني
أتضاءَلُ منجذِبًا لشعاعِ الرحمةِ منكَ
لهذا الأفُقِ السمحِ النوراني…»
وكذلك في «بُشرنا ثم تصوفنا» على أن النبرة الرومانطيقية تخف كثيرا في ديوانه «سيدة الماء» وما تلاه من دواوين، وإن ظلت كلها ذات منحى غنائي. ومثال ذلك قصيدته «النيل»:
«ألقى النيلُ عباءتَهُ فوق البر الشرقي، ونامْ .
هذا الشيخ المحني الظهر.
احْدَودَبَ.. .
ثم تقوسَ عبْر الأيامْ»
وقصيدته المهداة إلى نجيب محفوظ «الذبح والسكين»:
«في البدءِ كان الذبحُ والسكينْ
فهلْ تحسستَ عروقَ الرقبهْ؟
وفي الختامِ كلنا المُضرجُ الطعينْ…»
على أنه إذا كان من الصعوبة بمكان حشر فاروق شوشة في مدرسة، أو حساسية شعرية بعينها؛ فهذا لا يعني أيضا أن تجربته الشعرية خارج كل تصنيف؛ وهو الحريص على أن يكون نصه في سياقه التاريخي؛ لا فقط بمعنى أنه يؤرخ لزمانه أو يشهد له وعليه، وإنما بمعنى أنه يصدر عنه في لغته وبلاغته. صحيح أن لغته، وبخاصة الشعرية مثقلة بذاكرة الشعر العربي. وهذا يطرح على الشاعر المعاصر مهمة شاقة جدا، وهي أن يتقصى عن زمنية «شعرية» يتجاوز بها زمان القصيدة العربية القديمة التاريخي، ويغادر بفضلها أيضا زمانه هو، ليلج ما نسميه «الزمنية الشعرية» أي الزمنية التي نرى ضمنها إلى القصيدة العربية القديمة من داخلها، ولعلها من دون ذلك هو سطح أبكم. ونقدر أن هذا ما كان فاروق شوشة يحاول القيام به في قصائد غير قليلة.
وهناك ناحية في سيرته، يحسن ألا نغفلها، وعسى أن أعود إليها في مقال آخر؛ فقد تحرر من عقدة المركز/ الهامش، ومن السجال القديم المتجدد بين أهل المشرق وأهل المغرب. وانتبه إلى «مغاربية» الشعر في كتابه «الشعر أولا والشعر أخيرا» 2002، وهو الذي كتب عن تجارب تونسية (الشابي ومنصف الوهايبي وجميلة الماجري)، لا في تقابل مع «النص المشرقي» لكن تذكيرا بالجناح المغربي مع توأمه المشرقي.
شاعر تونسي