لوس أنجليس – «القدس العربي»: منذ ولادته في ريو دي جانيرو عام 1942، قضى سيرجيو جل، وقته خارج بلده مع والده الدبلوماسي، إلى أن استقر في باريس، حيث درس الفلسفة في جامعة السوربون وانخرط في فعاليات اليسار الفرنسي وشارك في أحداث الشغب ضد حكومة شارل ديغول عام 1968.
وبعد التخرج في سن الواحدة والعشرين، انتقل إلى جنيف وانضم لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وترقى حتى عين في منصب مساعد مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين عام 1996 ثم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عام 2002.
سيرجيو توسط لحل العديد من الصراعات الإقليمية، ففضلاً عن إجادته لخمس لغات من ضمنها العربية، وصف بمهارة سياسية فائقة ورغبة صادقة في تحقيق السلام في جميع أنحاء العالم.
وقد طرحت سيرته في كتاب من تأليف سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سامنتا باور، وفي فيلم وثائقي، سيرجيو، عام 2009، لكن مورا شعر أنه يستحق فيلما روائيا لكي تصل رسالته الى عدد أكبر من الجماهير في البرازيل والعالم.
«كل ما يتعلق بالبرازيل يهمني جداً»، يعلق الممثل. «أنا مرتبط للغاية بالبلد والسياسية هناك. والناس في البرازيل لا يعرفون سيرجيو جيداً. نحن لا نعلم الأهمية التي حظي بها هذا الرجل في الجغرافية السياسية في نهاية القرن العشرين، وفي بداية القرن الواحد والعشرين. كما أن تاريخ الأمم المتحدة مقسوم إلى ما قبل وبعد سيرجيو. مسألة حقوق الإنسان مهمة جداً لي في حياتي الخاصة فأنا ناشط، وهناك الكثير من الأمور، التي ظننت أنها مهمة عندما قررت إنتاج هذا الفيلم. كان هناك أيضاً أمر متعلق في العمل في هوليوود فاللاتينيون، في اعتقادي، غير ممثلين فيها مع أنني قمت بدور بابلو اسكوبار في ناركوس».
مارس فاغنر التمثيل محلياً في البرازيل، إلى أن فتح له فيلم «فريق النخبة» أبواب العالمية، بعد أن حقق له جائزة الغولدن بير في مهرجان برلين عام 2007. فانتقل إلى هوليوود، حيث شارك في فيلم «إليزيوم» إلى جانب مات ديمون. لكنه حقق شهرته بعد أدائه دور تاجر المخدرات الكولمبي الشهير، بابلو اسكوبار في مسلسل «نيتفلكس» (ناركوس)، الذي نال العديد من الجوائز.
كرس حياته لخدمة المستضعفين في الأرض
وخلافاً لسيرجيو، الذي تميز بأخلاقيات راقية وكرّس حياته لخدمة المستضعفين في الأرض، بابلو استغلهم لجمع ثروة قدرت بخمسين مليار دولار وقتل الآلاف من الأبرياء.
«قد يبدو ذلك جنونيا، لكن أداء تلك الشخصيتين لم يكن مختلفا كثيرا»، يعلق مورا. «بابلو لم يكن متوحشا فقط، كما أن سيرجيو لم يكن بطلا خارقا فحسب، كانا شخصيتين مختلفتين جدا بالطبع. فسيرجيو اتسم بمبادئ أخلاقية راقية للغاية. لكن كلاهما كان بشرا. وقد كان سيرجيو يحاول أن ينقذ العالم بطريقته الخاصة. لكن في الوقت عينه كانت حياته الخاصة بالغة الفوضى. ويمكن القول إنه كان رجلاً غير ناضج عاطفيا، بينما لم يكن بابلو كذلك. وإذا أمكنني تلخيص قصة الفيلم سأقول إن هذا الفيلم يتمحور حول التعاطف وهي صفة يمتلكها أي إنسان طبيعي. عليك كممثل أن تنظر الى الشخصيات كأشخاص وتحاول أن لا تحكم عليها.»
فعلا، اسكوبار يستخدم لغة العنف وحسب، فلا يثق في أحد ولا يرحم من يخالفه أو يخونه. لكن على المستوى الشخصي، يضح عائلته وأطفاله فوق كل شي ويخاطر بنفسه من أجلهم، لدرجة أن ارتباطه بهم هو ما يوقعه في يد السلطات الكولومبية. أما سيرجيو فيغيب عن عائلته معظم الوقت ويقيم علاقات غرامية مع نساء أخريات، بينما تربي زوجته أطفاله.
«لم يستطع أن يفعل ذلك»، يعلق مورا. «كانت الأمم المتحدة حياته بأكملها، منذ أن انضم إليها في سن الـ 21 حتى اغتياله.»
يقضي سيرجيو حياته في المناطق الساخنة والمنكوبة حول العالم مخاطرا بحياته لاغاثة ضحايا الحروب واللاجئين والتوسط لحل أزمات إقليمية، في دول مثل بنغلاديش، وقبرص، والسودان، وموزمبيق وكمبوديا ولبنان والبوسنة وكوسوفو. لكن رغم مشاهدته لبشاعة البشر العشوائية واللامنطقية تجاه بعضهم البعض في شتى أنحاء العالم إلا أنه رفض حراسة الجنود الأمريكيين له ولمقر الأمم المتحدة في بغداد وأصر على مغادرتهم المكان، الذي كان خارج منطقة الحزام الأخضر الآمن، حيث تركزت قوات التحالف الدولي والمؤسسات العالمية الأخرى.
الدبلوماسي الشجاع والطموح
«أعتقد أن رؤيته للمآسي الإنسانية الكثيرة حول العالم كانت السبب وراء تصرفه»، يقول مورا. «لأن ذلك يجعلك حياديا ويشعرك أن تلك الأمور طبيعية وهكذا هو الحال أو يمكنه أن يجعلك أكثر حساسية وقلقاً واستعداداً للمساعدة. وهذا ما حدث لسيرجيو. لكن علينا أن ندرك أن كل ما قام به سيرجيو، حتى عندما اتخذ قرارات خاطئة، كان مدفوعاً بقيم عالية. فمثلاً تخلى عن الأمن في المقر الرئيسي في بغداد لأنه لم يرد أن يظن العراقيون أن الأمم المتحدة كانت جزءا من الائتلاف. وهذا أمر نبيل للغاية، إذ أراد للأمم المتحدة أن تكون مفتوحة وأن يتمكن الجميع من الوصول إليها والتواجد فيها.»
لكن بعض زملاء سيرجيو انتقدوا مثل تلك القرارات التي كانت تضعهم في خطر، ووصفوها بغير المسؤولة. «أعتقد أنه كان لديه نوع من الغرور والشعور بأنه لا يقهر. لكنه بالتأكيد لم يعلم أن ذلك سيحصل. كانت تلك مجازفة خطرة جدا ولكن القادة يتخذون هذا النوع من القرارات.»
عارض سيرجيو بشدة غزو العراق عام 2003. لهذا رفض عرض تعيينه كمبعوث خاص للأمم المتحدةْ هناك أربع مرات. لكنه استسلم في النهاية لضغوط الأمين العامْ آنذاك، كوفي عنان، والرئيس الأمريكي جورج بوش، ومستشارة الأمن الوطني الأمريكي، كوندوليزا رايس، ما دفع البعض ليظن أن موافقته كانت محاولة لتعزيز إمكانية منحه منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
« كان طموحاً جدا بالتأكيد»، يعلق مورا. «ولو حدث ذلك قبل 4 أو 5 أعوام، كنت سأقول هذا، بالتأكيد سيذهب إلى هناك ويبذل قصارى جهده وفي رأسه حسابات سياسة وطموحة. ولكن لا أعتقد أن الأمر كان كذلك. رغم أنه كان يعلم أن نجاحه في العراق يقربه من تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
سيرجيو يأتي الى العراق بعد وساطته الناجحة لإنهاء الصراع في تيمور الشرقية واستقلالها عن إندونيسيا التي احتلتها منذ 1976 حتى 1999. وخلال ترؤسه حكومتها الانتقالية، يقوم
ببناء مؤسساتها وكتابة دستورها وتنظيم أول انتخابات فيها عام 2002. تحقيق ذلك يجعله أقوى مسؤول في تاريخ الأمم المتحدة، لهذا كان واثقا أن بإمكانه تحقيق الاستقلال للعراق من الاحتلال الأمريكي. فيشرع على التو في مقابلة الزعامات الدينية والسياسية بغية إجراء مصالحة وطنية وتشكيل حكومة ديمقراطية، ما يخلق صداما بينه وبين رئيس سلطة الائتلاف الأمريكي، بول بريمر، الذي يصر على اجتثاث حزب البعث وسحق المعارضة بالقوة قبل إعادة العراق للعراقيين. لكن سيرجيو يرفض الانصياع لأوامره ويقرر فضح انتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان في العراق في تقرير لمجلس الأمن، وقتل قبل بعثه التقرير بيوم واحد.
«عندما قتل، كان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان»، يعلق مورا. «وعندما وصل الى هناك شاهد أن الولايات المتحدة كانت لا تنتهك بشدة حقوق الإنسان في العراق وهو ما تمت برهنته لاحقاً في صور التعذيب في «أبو غريب». كان ذلك متناقضا مع مهتمه ما جعل الصراع بينه وبين بريمر حتمياً.»
الفيلم يركز على صراع سيرجيو مع الولايات المتحدة ويتجنب تماما تهديد تنظيم «القاعدة»، الذي استنكر تشكيل دولة كاثوليكية وهي تيمور الشرقية على جزء من أراضي الخلافة الإسلامية، حسْب قوله.
«صوّر أسامة بن لادن شريط فيديو قال فيه إن استقلال تيمور الشرقية يشكل خطرا على المسلمين لأن إندونيسيا هي أكبر دولة إسلامية في العالم. كان يعلم أنه المقصود. لكنه كان في مكان خطر ووجوده في بغداد بعد الغزو كان خطرا. لكن لا أعتقد أن أحداً أمكنه أن يتوقع ما حصل.»
اغتيال سيرجيو دفع الأمم المتحدة إلى الانسحاب من العراق، الذي تحول إلى ساحة حرب ضارية راح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين، وطالت تداعياتها منطقة الشرق الأوسط برمتها. لكن الفيلم يخفق في عكس أهمية جهود سيرجيو الدبلوماسية، رغم أداء مورا الهائل، وذلك لأنه يركز على علاقته الرومانسية مع موظفة الأمم المتحدة كارولينا لارييرا.