فانون وبوتفليقة: المعلّم والسكرتير

حجم الخط
7

هل هي مصادفة محضة أنّ الرئيس الجزائري المتنحي عبد العزيز بوتفليقة كان سكرتيراً للثائر والمناضل والمفكر والطبيب النفسي المارتينيكي، الجزائري فيما بعد، فرانز فانون (1925 ــ 1961)، خلال أطوار ما قبل استقلال الجزائر، وحين كان فانون منخرطاً تماماً في الثورة الجزائرية ضدّ الاستعمار الفرنسي؟ أم أنها من طراز المصادفات التي يصنعها التاريخ فتبدو مألوفة للوهلة الأولى، حتى تتكشف عن دلالات عميقة يفاجئنا طابعها الراهن بعد عقود؟

الأحرى الافتراض بأنّ أقدار فانون (الذي رحل في مشفى أمريكي بعد مرض عضال)، وأقدار بوتفليقة (الذي جاء به مركّب السلطة، أي أجهزة الاستخبارات والجيش ورجال الأعمال ومافيات الفساد والنهب، من منفاه في دبي ليسدّ فراغ الواجهة)؛ لم تكن مثالاً على التقاطع في التناقض، بل التكامل المنهجي في مآلات حركة وطنية ناضلت من أجل الاستقلال، ثمّ حكمت، ومارست السلطة الوطنية، فجابهت معضلاتها ومفاسدها في آن معاً.

ولقد ساجل فانون بأنّ إعادة تأكيد الشخصية الوطنية هي المهمة الأكثر إلحاحاً بعد الاستقلال، وهي الخطوة الأولى لضمان مسير الأمم نحو مؤسسات ديمقراطية، بصرف النظر عن أطوار تعثّر طويلة قد تتسبب فيها هيمنة أنظمة وطنية استبدادية ودكتاتورية. قد يحلّ طاغية محلّ آخر، وحزب استبدادي محلّ حزب نصف استبدادي، ولا يضمن توقّف هذه الدائرة القاتلة سوى التوازن الوطني التعددي. بهذا المعنى، يتابع فانون، فإنّ التحرّر أبعد ما يكون عن الاكتمال في هذه المرحلة الثالثة، لأن سيرورة “التطهير” تتواصل ضمن سياقات عديدة بينها طارئ العنف، الذي يسحب أوالياته إلى الدولة ما بعد الاستعمارية، أي إلى السلطات الوطنية التي تتولى الحكم بعد الاستقلال.

الأرجح أنّ السكرتير، بوتفليقة، تناسى تماماً هذه المعادلات المبسطة التي اعتمدها المعلّم، أو أنه لم يتأخر في وضعها على رفّ المهملات حين استدعاه مركّب السلطة ليتربع على كرسيّ الرئاسة في سنة 1999؛ تحت شعار، وستار، أنه خير وجوه التوافق الوطني والسلم الاجتماعي ممّن خلّفهم إرث “جبهة التحرير” تحديداً. وأنه إلى ذلك، ولعلّه كان العنصر الأكثر إغواءً، سوف ينجح في اختتام “العشرية السوداء” وإنهاء ما اعتُبر حرباً أهلية على مستويات عنفية وأمنية وعسكرية، جرى مع ذلك التعتيم المتقن على أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الأرجح، أيضاً، أنّ المعلّم اجتهد طويلاً لكي يلقّن السكرتير واحداً من الدروس الكبرى التي لا تملك حركات التحرّر رفاه التعثّر في تعلّمها، فما بالك بإساءة فهمها ورداءة تطبيقها: أنه يقع على عاتق “الأمم ما بعد الاستعمارية” عبء هائل ثقيل وطويل الأمد، هو تحويل ما بات الآن “هوية وطنية” إلى “هوية ديمقراطية” تشجّع تعددية التمثيل والانفتاح، وتحافظ في الآن ذاته على “الكرامة الإنسانية” للمواطن. صحيح أنّ العمر لم يمنح فانون فرصة تطوير هذا المفهوم، وبالتالي ظلّ يبدي الكثير من التشكك النقدي في الولادات الاستقلالية أواخر الخمسينيات؛ إلا أنّ رجلاً مثل نلسون مانديلا، الذي زار جيش جبهة التحرير الجزائري في المغرب مطلع العام 1961، أدرك المفهوم الفانوني جيداً، فوضع حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” أمام واجب الارتقاء به.

صحيح أنّ بوتفليقة لم يعد رئيساً اليوم، والانتفاضة الشعبية الجزائرية أحبطت ما خطط له مركّب السلطة من عهدة خامسة؛ إلا أنّ الأصحّ هو استذكار حقيقة حصّة بوتفليقة في النسيج الأكثر تعقيداً لمعمار السلطة، وبالتالي حقيقة غياب هذه الحصّة وما إذا كانت تمسّ جوهر النسيج أو تبشّر باهترائه. الثابت الجلي، بالطبع، هو أنّ التغيير الجوهري الديمقراطي في حياة الجزائر لا يبدأ من الاقتلاع التدريجي والمنهجي لأركان 30 سنة على الأقلّ من الاستبداد والفساد، فحسب؛ بل إنه لا ينتهي بهذا، أيضاً. ودروب ما بعد بوتفليقة، وأيضاً ما بعد أمثال علي حداد ومحيي الدين طحكوت ورضا كونينيف ويسعد ربراب، ثمّ نموذج قايد صالح أيضاً وأساساً، طويلة ومتشعبة وبالغة الوعورة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية