فتات‭ ‬الأخبار‭ ‬وعيون‭ ‬الغزلان

حجم الخط
0

كانت‭ ‬الساعة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬الثامنة‭ ‬مساء،‭ ‬وهو‭ ‬موعد‭ ‬نشرة‭ ‬الأخبار‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬حين‭ ‬سألتني‭ ‬ابنتي‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬أفتح‭ ‬التلفزيون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نستمع‭ ‬إلى‭ ‬نشرة‭ ‬الأخبار‭. ‬وسمعت‭ ‬نفسي‭ ‬أجيبها‭ ‬بشكل‭ ‬عفوي‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬استمعنا‭ ‬إلى‭ ‬الأخبار‭ ‬البارحة‭!‬

وضحكنا‭ ‬من‭ ‬المفارقة‭ ‬العجيبة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬كزلة‭ ‬لسان،‭ ‬لكنها‭ ‬زلة‭ ‬تكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعنا‭ ‬اللبناني،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬للخبر‭ ‬الجديد،‭ ‬كل‭ ‬أخبارنا‭ ‬صارت‭ ‬قديمة‭ ‬ومكررة،‭ ‬ولا‭ ‬تثير‭ ‬سوى‭ ‬السأم‭.‬

‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الأخبار‭ ‬له‭ ‬مصدران‭:‬

الأول‭ ‬هو‭ ‬فضيحة‭ ‬جديدة‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬النهب‭ ‬والاستهتار،‭ ‬وهي‭ ‬فضائح‭ ‬متوقعة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وصارت‭ ‬تثير‭ ‬الملل،‭ ‬بعدما‭ ‬استنفد‭ ‬الغضب‭ ‬جميع‭ ‬أغراضه‭. ‬

لا‭ ‬نجد‭ ‬سوى‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬المعتوهين‭ ‬وقد‭ ‬تحولوا‭ ‬إلى‭ ‬زعماء‭ ‬وقادة‭ ‬رأي،‭ ‬وهم‭ ‬يرصفون‭ ‬كلمات‭ ‬فقدت‭ ‬دلالاتها،‭ ‬معتقدين‭ ‬بذلك‭ ‬أنهم‭ ‬يصنعون‭ ‬رأيا‭ ‬عاما‭ ‬مؤيدا‭ ‬لهم‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬طبقة‭ ‬المافيا‭ ‬الحاكمة‭ ‬تشعر‭ ‬بأي‭ ‬حرج،‭ ‬فهي‭ ‬تسبح‭ ‬في‭ ‬شاطئ‭ ‬ملوث‭ ‬بالمجاري،‭ ‬ولا‭ ‬مانع‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬المدن‭ ‬اللبنانية‭ ‬إلى‭ ‬مزبلة،‭ ‬حتى‭ ‬المطار‭ ‬‮«‬الدولي‮»‬‭ ‬صار‭ ‬أشبه‭ ‬بمحطة‭ ‬باصات‭ ‬مكتظة‭ ‬بالاختناق‭ ‬والحر‭ ‬والأعطال‭.‬

والثاني‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬إضافي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬القوى‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭: ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬تركـــــيا،‭ ‬وهي‭ ‬أعمال‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تثير‭ ‬سوى‭ ‬اللامبالاة،‭ ‬لأنها‭ ‬تشـــكل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحاولات‭ ‬التراكمية‭ ‬لتحطيم‭ ‬إرادة‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭. ‬لا‭ ‬جديد‭ ‬هنا‭ ‬سوى‭ ‬الموت،‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬صار‭ ‬صورة‭ ‬قديمة‭ ‬ومعتادة‭.‬

يستطيع‭ ‬المواطن‭ ‬اللبناني‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الأخبار‭ ‬أو‭ ‬قراءة‭ ‬الصحف‭. ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬وعدمه؟‭ ‬وما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬رئيس‭ ‬قوي‭ ‬ورئيس‭ ‬يستقوي‭ ‬بالخارج؟‭ ‬ومن‭ ‬سيحارب‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬الفساد؟‭ ‬

نجح‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الطائفي‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬فراغ،‭ ‬فصارت‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬عنوانا‭ ‬للتصحّر‭ ‬السياسي‭ ‬والخمول‭ ‬الفكري،‭ ‬فلا‭ ‬نجد‭ ‬سوى‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬المعتوهين‭ ‬وقد‭ ‬تحولوا‭ ‬إلى‭ ‬زعماء‭ ‬وقادة‭ ‬رأي،‭ ‬وهم‭ ‬يرصفون‭ ‬كلمات‭ ‬فقدت‭ ‬دلالاتها،‭ ‬معتقدين‭ ‬بذلك‭ ‬أنهم‭ ‬يصنعون‭ ‬رأيا‭ ‬عاما‭ ‬مؤيدا‭ ‬لهم‭.‬

أخبار‭ ‬اليوم‭ ‬سمعناها‭ ‬البارحة،‭ ‬وأخبار‭ ‬البارحة‭ ‬نعرفها‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬سبقها،‭ ‬وإلى‭ ‬آخره‭…‬

لا‭ ‬جديد‭ ‬ولا‭ ‬قديم،‭ ‬فالزمن‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬الانحطاط‭ ‬يتحلل‭ ‬ويصير‭ ‬جثة‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يدفنها‭.‬

الخبر‭ ‬الجديد‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬نقرر‭ ‬دفن‭ ‬جثة‭ ‬زمن‭ ‬الانحطاط،‭ ‬وهذه‭ ‬مسألة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬شرطه‭ ‬الأول‭ ‬وصول‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬إلى‭ ‬نهاياتها‭ ‬المنطقية،‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬تسليم‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬لقوى‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأجنبي،‭ ‬بشكل‭ ‬معلن‭ ‬لا‭ ‬التباس‭ ‬فيه‭.‬

من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الشام،‭ ‬ومن‭ ‬فلسطين‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين،‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬سوى‭ ‬عربدة‭ ‬قوى‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وهنا‭ ‬تتخذ‭ ‬الأمور‭ ‬شكل‭ ‬الهمجية‭ ‬الهادئة،‭ ‬فالصخب‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬بدايات‭ ‬انتفاضات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬الشعبية،‭ ‬وهجمة‭ ‬الأصوليات‭ ‬الجهادية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للاستبداد،‭ ‬كلها‭ ‬هدأت‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬بالمتوقع‭ ‬المأساوي‭. ‬لن‭ ‬يفاجأ‭ ‬أحد‭ ‬بسقوط‭ ‬إدلب‭ ‬الوشيك‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬وأسياده،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬نفاجأ‭ ‬بأحكام‭ ‬الإعدام‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬رابعة،‭ ‬ولم‭ ‬نفاجأ‭ ‬بالفوضى‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬تتفاقم،‭ ‬ولا‭ ‬بانبطاح‭ ‬الأنظمة‭ ‬أمام‭ ‬إسرائيل‭.‬

المفاجأة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تثير‭ ‬أي‭ ‬ردود‭ ‬فعل،‭ ‬فبعدما‭ ‬شربنا‭ ‬مرارات‭ ‬المآسي‭ ‬ومشاهد‭ ‬القتل‭ ‬والتهجير‭ ‬والمذابح،‭ ‬لن‭ ‬تضيف‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬جديدا،‭ ‬ولن‭ ‬تحوّل‭ ‬الأحداث‭ ‬المتوقعة‭ ‬إلى‭ ‬أخبار‭ ‬مثيرة،‭ ‬فالمآسي‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬العادي‭ ‬المكرر،‭ ‬وفقدنا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الإحساس‭ ‬بها‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬فإن‭ ‬العربدة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها،‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬القومية‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬الخان‭ ‬الأحمر،‭ ‬ومن‭ ‬لعبة‭ ‬دولة‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬الفدرالية‭ ‬أو‭ ‬الكونفدرالية،‭ ‬كلها‭ ‬ألعاب‭ ‬لفظية‭ ‬تؤكد‭ ‬قرارا‭ ‬معلنا‭ ‬له‭ ‬اسم‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬إنهاء‭ ‬المسألة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وإلغاء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬واحتلال‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ومحو‭ ‬القدس‭ ‬كي‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬أنقاضها‭ ‬أورشليم‭ ‬الصهيونية‭.‬

لا‭ ‬شيء‭ ‬يفاجئ،‭ ‬فالمستحيل‭ ‬صار‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬تأتينا‭ ‬الأخبار‭ ‬بالأخبار،‭ ‬بل‭ ‬تأتينا‭ ‬بنسخة‭ ‬مكررة‭ ‬ومملة‭ ‬لموتنا‭ ‬المعلن‭.‬

لقد‭ ‬جردنا‭ ‬الانحطاط‭ ‬السياسي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬الموت،‭ ‬وسلب‭ ‬الموتى‭ ‬أسماءهم،‭ ‬فصار‭ ‬كل‭ ‬موتانا‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام،‭ ‬وصارت‭ ‬بلادنا‭ ‬مقبرة‭ ‬أرقام‭ ‬شاسعة‭.‬

الموت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ثقافات‭ ‬الشعوب‭ ‬هو‭ ‬الحدث‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتقادم‭ ‬بالزمن،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تعلمناه‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬المقابر‭ ‬والأهرامات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬التراث‭ ‬الأدبي‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬المراثي‭ ‬أحد‭ ‬المحاور‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭.‬

المشرق‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بلادة‭ ‬الموت،‭ ‬لقد‭ ‬حطمت‭ ‬حقول‭ ‬القتل‭ ‬معنى‭ ‬الموت،‭ ‬وحولته‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬إنساني‭ ‬وفردي‭ ‬فريد‭ ‬إلى‭ ‬حدث‭ ‬جماعي‭ ‬فقد‭ ‬كل‭ ‬دلالاته‭.‬

لقد‭ ‬جردنا‭ ‬الانحطاط‭ ‬السياسي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬الموت،‭ ‬وأعادنا‭ ‬إلى‭ ‬أيام‭ ‬حائـــــط‭ ‬الرؤوس‭ ‬المقطوعة‭ ‬الذي‭ ‬بناه‭ ‬تيمورلنك‭ ‬في‭ ‬دمشق،‭ ‬وسلب‭ ‬الموتى‭ ‬أسماءهم،‭ ‬فصار‭ ‬كل‭ ‬موتانا‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام،‭ ‬وصارت‭ ‬بلادنا‭ ‬مقبرة‭ ‬أرقام‭ ‬شاسعة‭.‬

الإسرائيليون‭ ‬الصهاينة‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬اخترع‭ ‬مقابر‭ ‬الأرقام،‭ ‬عروا‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الشهداء‭ ‬من‭ ‬أسمائهم،‭ ‬وحولوهم‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬ضائعة‭ ‬في‭ ‬مقابر‭ ‬ضائعة‭.‬

أما‭ ‬المستبد‭ ‬العربي،‭ ‬فلم‭ ‬يكلف‭ ‬نفسه‭ ‬عناء‭ ‬بناء‭ ‬مقابر‭ ‬للأرقام،‭ ‬رمى‭ ‬الأرقام‭ ‬في‭ ‬العراء،‭ ‬أو‭ ‬حوّل‭ ‬السجون‭ ‬إلى‭ ‬مقابر‭.‬

أمس‭ ‬وأول‭ ‬أمس،‭ ‬قررت‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬واع‭ ‬ألا‭ ‬أستمع‭ ‬إلى‭ ‬الأخبار‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاستماع‭ ‬إليها‭ ‬أو‭ ‬قراءتها‭ ‬يأتي‭ ‬بالجديد،‭ ‬وذهبت‭ ‬باحثا‭ ‬عن‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الضحايا‭. ‬

هنا‭ ‬في‭ ‬العيون‭ ‬نصف‭ ‬المغمضة،‭ ‬وفي‭ ‬الألم‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬بلا‭ ‬صوت،‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬معاني‭ ‬الأشياء،‭ ‬ونجد‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬صورتنا‭ ‬وهي‭ ‬تتمرى‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الغزلان‭.        

   

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية