الكتابة في المعرفة ورطة أنطولوجية، قد تتجاوز موجود اللغة والتاريخ، إلى مقاربة صدمةِ ما تستولده من أفكار وأسئلة ضدية، حيث تملك قدرة إزاحة قارئها من منطقة التلقي إلى منطقة الاشتباك معها، أو التعالي عليها، وأنْ تضع المعرفة أمام شكوكٍ وإشكاليات، قد تدخل في سرديات التاريخي والديني والسياسي، وهذا ما يجعل الكاتب المعرفي، أو مترجم المعرفة مهموما في لعبة البحث عن وجود افتراضي للحقيقة والجوهر، والفكرة الصالحة، والرؤية التي تفتح الأفق للتحاور والتواصل الآمن، أو للتفاعل القائم على أنسنة المنقول، بصيغه، وبما يملكه من طاقة لتسويغ المعرفة عبر الحكي أو اللعب، أو العرض.
فتحي المسكيني الكاتب المعرفي، والمترجم المعرفي يضعنا دائما في السياق الإشكالي لتوصيف المعرفة، عبر خطابها، وعبر أسئلتها وشكوكها وفرضياتها، حيث تصطنع لنا في كتاباته وترجماته، أفقا لمشاكلة ما يكتب، أو ما يُفكّر فيه، فهو مشغول بأسئلة معرفية ذي مرجعيات فلسفية كثيرة، وبرؤى تجعل من «الهمِّ» المعرفي همّا إنسانيا واجتماعيا وأنثروبولوجيا، ومجالا يمسّ الخاص بوصفه التخصصي، أو بوصفه مفتاحا لفك التباسات العمومي، حيث يكون قريبا من الشأن العام، بانشغالاته السياسية والثقافية والأكاديمية، رغم أن هذا الشأن ظل رهينا بالتاريخ والسلطة والملة والجماعة، في أحكامه وفي أطروحاته، وفي تفسيراته وتأويلاته، فهو يملك – في هذا الشأن- تاريخا معروفا قائما على الصراع، وعلى إشكالية العلاقة مع السلطة، وعلى مطرودية الإنسان فيها، سياسيا وتعليميا وفقهيا، التي جعلت من الدرس الفلسفي مجالا للشك، ومن الفيلسوف ممقوتا، ومنبوذا، بوصفه دارسا ومروجا لأفكار الشكِّ والجدال والسجال، والتحريض على الخروج عن الملّة، وهي قضايا تتشاكل بإسقاطاتها مع الطبيعة اليقينية للفكر العربي والإسلامي، ومع أنماط هيمناته ومركزياته وسردياته الكبرى.
حيوية الكتابة في المعرفة عند المسكيني لا تنفصل عن حيوية انشغالاته، بشجون أخرى، لاسيما ما يخصّ الفلسفة منها والفكر والخطاب الديني والسياسي، وما يخصّ اللغة ذاتها، أي عن الوسط اللغوي في علاقاته مع الفلسفة ومع الخطاب، ومع ما يقترحه الكاتب في درسه المعرفي من أفكار وإشارات، أو مع ما يثيره من أسئلة، لاسيما تلك التي تتعلق بالتراث، أو بالقرآن ومستويات قراءاته، أو بالهوية والجماعة والملّة والأمة، وطبيعة تمثلاتها في سياق التفكير الحداثي الذي يقترح مناهجه الغرب في فلسفاته ومناهجه.
المعرفة هنا تُحفز اللغة على تجديد أدواتها، فالنحو والصرف والبلاغة قد لا تكون مصدا كامل القوة والحصانة، مع بروز علم اللغة بمرجعياته عند سوسير وبيرس، وبقدر ما يملكه التأثير التمثيلي للمعرفة في هذا السياق، من فعل ومن توجيه، وهذا ما يُعطي للغة قيمتها المعرفية، بوصفها الأفق والمجال والمنظور، والبيت التفكيري بمعناه الهيدغري، وبالطريقة التي تجعله مسكونا بفكرة التمثيل الحر للأفكار، أو برغبة تحرير النص الترجمي، أو حتى تحرير النص التراثي والنص المعرفي/ الفلسفي من مركزيته التاريخية، أو من تاريخ تجريده، أو من عزلته النظرية إلى أفق مغاير، قد يدفعه للاستعمال وللتداول، وللتوظيف الاستعمالي القائم على صياغة مستوى جديد أو مفارق للفهم، أو للمقاربة، وهي قضايا تدخل في سياق تجديد آليات صناعة السؤال المعرفي، أو السؤال الوجودي الذي أعطاه هيدغر جرعة القصدية، عبر الاهتمام بالوجود من خلال الاهتمام بالموجود..
قراءة المسكيني في كتاباته وفي ترجماته، تؤسس لمنطق يتجوهر حول المواجهة، بما فيها المواجهة المعرفية التي تخصّ شجاعة تداول المفاهيم، والتفاعل معها نسقيا، وهي قضية فلسفية خالصة، حيث تستدعي وعيا يقوم على أنسنتها عبر تأنيس مفهومي المغايرة والاختلاف
نقاش الأفكار وسؤال المعرفة
نقاش الأفكار يعني نقدها، والجدال حولها هو- في الجوهر- يعني تسويغا للنقد الذي تمارسه الذوات الفاعلة والمتواصله كما يصفها هابرماس، لأن الأفكار هنا لا تعني سوى ما تحمله هذه الذات أو غيرها، وأن غاية هذا الجدال هو البحث عن ما يمكن تسميته بـ«الحقيقة» مقابل تقويض ما هو ضدي، أي تقويض مركز الهيمنة للنمط الذي يخصّ ما يفترضه المُقدس من تعالٍ، وما تفترضه السلطة وهي «تتهوّى» خلف ذلك المقدس، حيث يتموضع هذا المقدس عبر شرطه المتعالي، وعبر مستواه السيميائي، على حماية نظامها ومؤسستها ومكتبتها، وحتى عقلها الذي تتفرخ منه «مقدسات» ثانوية، أيديولوجية وثقافية وسياسية، لها قوة « الهيمنة» ولها أيضا خطاب الرعب الذي تروّج له، وتجاهر به عبر أنظومة التواصل والميديا والإشهار، وعبر الجامعة والجامع والجماعة.
ما يُثيره المسكيني يدخل في سياق البحث عن وسائط لشرعنة فعل المغايرة، وللقبول بالجدال غير الآمن مع الأفكار، وعبر تقويض القوة الحمائية لها، إذ يفقد الحوار ضرورته وأهميته حين يكون حوارا بين الأقوياء والضعفاء، أو بين الكوني والمحلي، أو حتى بين السلطة والشعب، وأحسب أن فرض هذا الحوار تحت مسميات متعددة، هو الذي سيكرّس الرعب المقدّس للسلطة في تاريخنا، وفي أنظمتنا الاجتماعية والسياسية، وفي هيمنة ما يُسميه بـ«الإمبراطوري» على مسارات التنوير، والدخول إلى فكرة الحداثة، وصولا إلى تمثلنا القهري والرمزي للسلطة، بوصفها البطرياركي والسياسي والاجتماعي والثقافي..
الهوية والتفلسف
قد يبدو الرهان على الفلسفة صعبا، لكنه مجال حيوي لإعادة النظر في أشياء كثيرة، لاسيما تلك التي تشتبك مع ما هو تاريخي أو ما هو سردي، أو تأويلي، والذي يجعل من «اللعبة الفلسفية» مجسّا للكشف، وللبحث، أو» للتمرين» على بيان المعرفة، وعلى استجلاب المفاهيم، لكي تُعزِز فعل المعرفة واشتغالاتها، بوصف أن الفلسفة هي مجال لتداول الأفكار ولإبداع المفاهيم المفاهيمي، كما يقول جيل دولوز، وهذا ما يجعل اشتغالات فتحي المسكيني أكثر تمثيلا للمجرى المفاهيمي، عبر علاقته بالمعرفة وبالفلسفة، أو عبر وضع الفلسفة كطاقة هائلة لتغذية الأفكار بالنقد والتعلّم، أو كما يسميها بـ«مجال التجريب المناسب لتفكيري الخاص» إذ أراد المسكيني أن يناقش صلاحية الأفكار والمفاهيم، من خلال الفلسفة، فضلا عن التدرّب على المناورة، وعلى صقل الأشياء بمهارة وحذاقة العارف، وأحسب أن ذلك تبدى واضحا من خلال اشتغاله على موضوعات ملتبسة، مثل الهوية، والأمة، والكينونة، والدين، وغيرها، التي دفعته إلى مقاربة تتحول فيها اللغة إلى أفق غير بلاغي، والكتابة إلى مغامرة شيقة، والحرية إلى لعبة ماكرة في تجديد أدوات البحث، وفي الكشف عن وجوه جديدة للمعنى، إذ تتورط الأفكار مثل الطبيعة بالتعرية والسيولة، فلا حراسة على شيء ما، بما فيه المُقدس، فهو القائل «حماية حقول المعاني، مثل حماية الكتب المقدّسة والآثار الفلسفية والروائع الأدبية والفنية، هي مهنة عتيقة وبلا أفق. والتأويل الذي لا يسخر من نفسه ولا يملك دائما فرصة وضع حدّ لأطماعه في التحول إلى عقل كسول ومريح هو تأويل سيء»
التفلسف الذي يقترحه المسكيني يُعنى بالآخر مثلما يُعنى بالذات والهوية وبفكر الفرد، ليس بوصفها قضايا تخص العقل العربي المتورط بالتاريخ، وتخصّ موضوع التابع الخارج من استلابات الاستعمار القديم، أو التمثيل الثقافي لما سُمّي في الدراسات الثقافية بمرحلة ما بعد الكولونيالية، بقدر نزوعها نحو فحص أسئلة العقل العربي إزاء تلك التحديات، وبالاتجاه الذي يجعلها أسئلة وجودية، لها علاقة بقيم الحرية والتعايش، وبعيدا عن حساسية الدونية والتقليد الذي يعيشه العربي، أو بعقد التفوق التي يملكها الآخر بسلطته الهووية، أو التاريخية والحضارية.. التحرر من هيمنة تلك المفارقات، ومن تعالقها مع المركزيات الكبرى تعني التحرر من سردياتها، بما فيها سردية العلاقة مع الآخر، وتناصها مع سرديات اللغة والدين والأمة والجماعة، التي جعلت من السؤال من؟ الذي كثيرا ما يشتغل عليه المسكيني بمثابة الحافة الحادة، التي تعني لنا الوقوف عند عتبة المتاهة، أو الضياع..
قراءة المسكيني في كتاباته وفي ترجماته، تؤسس لمنطق يتجوهر حول المواجهة، بما فيها المواجهة المعرفية التي تخصّ شجاعة تداول المفاهيم، والتفاعل معها نسقيا، وهي قضية فلسفية خالصة، حيث تستدعي وعيا يقوم على أنسنتها عبر تأنيس مفهومي المغايرة والاختلاف، وعلى التفكير بهما، إذ لا شيء خارج هذا التفكير، وخارج التأصيل والتمثيل المعرفيين للأشياء التي تحوطنا بإشكالاتها وتعقيداتها، ومنها ما يتعلّق بالهوية والحرية والذات والعلاقة مع الآخر والتاريخ، وهذا بطبيعة الحال يفترض مجالا مفتوحا للتفلسف وللشك بكلّ ما تكرّس في واقعنا وفي تعليمنا وفي لاوعينا الجمعوي، ولتقعيد ذلك عبر مرجعيات فلسفية دعمت موضوع الشك والتجاوز والتمرد بدءا من هيغل إلى نيتشه وهوسرل وصولا إلى هيدغر وإلى هابرماس..
٭ كاتب عراقي