فتيل العنصرية يفجر قنابل الأزمة

صادق الطائي
حجم الخط
0

ينظر إلى تداعيات مقتل الأمريكي الأفريقي جورج فلويد في مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا على إنه الشرارة التي أججت موجة احتجاجات عنيفة ضد التصرفات العنصرية التي تمارسها الشرطة الأمريكية ضد الأقلية السوداء في الولايات المتحدة، لكن تراكم أزمات هذا العام جعلت أحداث مينيابوليس بمثابة فتيل اشتعل وبات يهدد بتفجير الأزمات المتجمعة بسبب جائحة كوفيد-19 وانعكاساتها الكارثية على قطاعات مختلفة في الولايات المتحدة، إذ تجاوزت الوفيات 110 آلاف بسبب الوباء، كما أن تداعيات قوانين العزل والحجر الصحي تركت آثارا كارثية على الاقتصاد الأمريكي، ويمكننا اليوم ملاحظة ازدياد معدلات البطالة وتزايد أعداد المسجلين كطالبي معونة حكومية ووصولها إلى مديات لم تصلها منذ عقود. كل تلك الأزمات تفجرت بشكل عنيف نتيجة اشتعال فتيل الكراهية الذي انطلق عندما ضغط ضابط شرطة عنصري بركبته على رقبة جورج فلويد وقطع أنفاسه.

موجات العنف

لم تمثل موجات الاحتجاج الشعبية حدثا مميزا أو متفردا في التاريخ الحديث أو المعاصر للولايات المتحدة الأمريكية، بل إن موجات الاحتجاج وما يرافقها من قمع قوات الشرطة بات يشكل ظاهرة تكاد تتكرر بشكل دوري. لكن، وكما أشار عدد من المراقبين، يبدو إن موجة الغضب الأخيرة جاءت متزامنة مع الأزمة الاقتصادية التي يمر بها المجتمع الأمريكي نتيجة جائحة كورونا وما سببته من حالة الإحباط والخوف نتيجة حالة الشلل التي أصابت المجتمع بسبب تفشي فيروس كوفيد-19 كل ذلك جعل المجتمع الأمريكي ينظر إلى مستقبله نظرة ملؤها الرعب، لتندلع هذه الموجة الاحتجاجية كتحصيل حاصل، وكأن السلوكيات العنصرية لعبت دور الفتيل الذي اشتعل وفجر كل قنابل الأزمة الحالية.

ويمكننا تأشير وجود نمط يكاد يكون موحدا من السلوكيات العنصرية التي يمارسها الأفراد الفاسدون من الشرطة الأمريكية بحق الأقلية السوداء في مختلف المدن الأمريكية، وما أن تغطي وسائل الإعلام الحدث، ويتم تسليط الضوء على وحشية الشرطة وتعاملها اللاإنساني مع الأقلية السوداء حتى تنطلق موجات الغضب الشعبي التي تتحول في كثير من الأحيان إلى موجات نهب وتكسير وحرق، والتي عادة ما تنصب على رموز الرأسمالية المتوحشة الممثلة في المحلات التجارية ذات الماركات المشهورة، ومراكز التسوق التي يداهمها جمهور غاضب يسرق ويحطم ويحرق كل الذي يجده أمامه، وكأنه يمارس نوعا من الاحتجاج على ما يعانيه أفراد الأقلية السوداء من تهميش وسوء معاملة في الولايات المتحدة.

وعبر إجراء تتبع تاريخي لأبرز حوادث العنف التي انطلقت بسبب التصرفات العنصرية للشرطة الأمريكية ضد أفراد من الأمريكيين الأفارقة منذ أكثر من ربع قرن في مختلف المدن الأمريكية، يمكننا تلمس نمط الأحداث وسيرورتها؛ مثال ما حصل في مدينة سانت بترسبرغ في ولاية فلوريدا عام 1996 عندما قامت حركة احتجاجات واسعة إثر مقتل شاب أسود على يد الشرطة الأمريكية، انطلقت حركة الاحتجاج في شوارع المدينة وهي تردد هتافات “أوقفوا وحشية الشرطة” و”لا يمكنكم قتلنا جميعًا” و”نطالب بإنهاء الإبادة الجماعية”.

وفي عام 2001 شهدت مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو أعمال شغب ومظاهرات انطلقت بعد مقتل مواطن أسود على يد رجال الشرطة، وفي هذه الأثناء اعتقلت الشرطة العشرات كما أصيب آخرون. وفي عام 2009 في مدينة أوكلاند في ولاية كاليفورنيا، حكمت محكمة بتهمة القتل غير العمد على شرطي قتل مواطنًا أسود، إلا أن هذا الحكم أطلق حركة احتجاجات وأعمال شغب عنيفة، وألقي القبض على 100 شخص على الأقل بعد قيامهم بعمليات نهب وصدامات مع قوات الشرطة في أوكلاند.

كذلك حادثة قتل الشاب الأسود مايكل براون في آب/اغسطس عام 2014 التي نفذها شرطي أبيض في مدينة فيرغسون في ولاية ميزوري، والتي أثارت موجة من أعمال شغب ومواجهات عنيفة استمرت عشرة أيام بين السكان السود وقوات الأمن، وفي تشرين الأول/نوفمبر من العام نفسه تجددت أعمال الشغب في فيرغسون إثر إعلان إسقاط الملاحقات بحق الشرطي الذي أطلق النار.

كذلك الحال في أحداث بالتيمور عام 2015 إذ هاجم متظاهرون غاضبون سيارات الشرطة ومحلات تجارية في مدينة بالتيمور بالولايات المتحدة، كما تجمع المئات للمطالبة بالعدالة بعد وفاة الشاب فريدي غراي متأثرًا بكسور أصيب بها في فقرات الظهر. أما أعمال شغب ميلووكي بولاية ويسكونسن عام 2016 فقد اندلعت بعد مقتل رجل أسود على يد شرطة المدينة، ما أثار غضبًا شعبيًا دفع عشرات إلى التجمهر احتجاجًا على ما وصفوه بعنف الشرطة. لكن تجدر الإشارة إلى أن كل الحوادث السابقة كانت تبقى محصورة ومحدودة ضمن المدن التي تحدث فيها، أما حادث مدينة مينيابوليس الأخيرة فقد أثار موجة احتجاجات وسخط عمت أكثر من عشرين مدينة في الولايات المتحدة، كما شهدت بعض مدن العالم احتجاجات مناهضة للسلوك العنصري للشرطة في الولايات المتحدة.

الشرطة وحشية

يشير عدد من الكتاب الأمريكيين الذين تناولوا الظواهر العنصرية بالبحث إلى إن تطبيق القانون وقوات الشرطة التي تمثل السلطة المكلفة بتطبيق القانون باتت سلاحا بيد العنصريين، إذ يشير الكاتب لانغستون هيوز في كتابه “نهضة هارلم” إلى ذلك بقوله؛ “كان القانون ضد الزنوج، فهم بلا صوت، والشرطة وحشية، والمواطنون يعتقدون أن هذه الديمقراطية الطبقية هو ما يجب أن يكون”. لذلك عندما سأل الدكتور مارتن لوثر كنغ، متى وكيف سيشعر الأمريكيون السود بالرضا؟ أجاب ببساطة ووضوح “إننا لن نشعر بالرضا أبدًا طالما أن الزنوج هم ضحايا فظائع الشرطة الوحشية التي لا يمكن وصفها”.

كما ترى الكاتبة أيدا ويلز بارنيت في كتابها “السجل الأحمر” وهي ناشطة من الجيل الذي واجه تعسف الشرطة الأمريكية ضد الأقلية السوداء مطلع القرن العشرين عندما اندلعت عام 1919 أثناء ما عرف بـ”الصيف الأحمر” أعمال عنف عنصرية شديدة في عشرات المدن الأمريكية، إذ تشير بارنيت في كتابها إلى إن “عمليات الإعدام خارج نطاق القانون ظهرت كوسيلة أخرى للتحكم في حياة وتحركات المواطنين السود، وكانت قوات الشرطة العنصرية تدعم العصابات البيضاء العنيفة بدلًا من مواجهتها. كما إن إعدام الأمريكيين السود خارج نطاق القانون لم يكن فقط مخطط له مسبقًا، لكنه كان يحظى بالدعم الكامل من الشرطة المحلية، وفي كثير من الأحيان كانت الشرطة تشارك العصابات البيضاء التي تهاجم الرجال والنساء السود”.

عنصرية ترامب

باتت تصريحات وسلوكيات الرئيس ترامب العنصرية معروفة للكل، والمتتبع لحياته المهنية سيجد سجلاً طويلاً من التصريحات العنصرية بحق مختلف الفئات والقوميات والأجناس، ويشمل ذلك تصريحاته العنصرية بحق الأمريكيين من أصل أفريقي، والمكسيكيين، واللاتينيين، والسكان الأصليين للولايات المتحدة، والمسلمين، والمهاجرين، والنساء، وذوي الاحتياجات الخاصة.

وفي خضم الأزمة الأخيرة، لم يختلف سلوك الرئيس ترامب الذي دعا في الثاني من حزيران/يونيو حكام الولايات التي تشهد موجات احتجاج إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه التظاهرات، مؤكدا أن ردهم الحالي يجعلهم يبدون ضعفاء. وقالت محطة “CBS” التلفزيونية نقلا عن تسجيل صوتي حصلت عليه لمكالمة هاتفية للرئيس جاء فيها؛ “عليكم السيطرة، إذا لم تسيطروا على الوضع، فإنكم تهدرون الوقت، سيسحقونكم وستظهرون كمجموعة من الحمقى”. وقالت المحطة وصحيفة “نيويورك تايمز” إن الرئيس ترامب قد طلب من حكام الولايات القيام باعتقالات شاملة، وأن يصدروا قوانين ضد حرق العلم. ولم يرد المتحدث باسم البيت الأبيض على طلب التعليق على مدى صحة الاتصال الذي تم بعد أن شابت أعمال العنف التظاهرات السلمية والاحتجاجات على مقتل جورج فلويد.

من جانبه ندد المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جو بايدن بنهج الرئيس الأمريكي ترامب في معالجة مشاكل العنصرية واللامساواة التي تنخر الولايات المتحدة، وذلك خلال لقائه مسؤولين دينيين وسياسيين سود بعد وفاة جورج فلويد خلال تجمّع نظّم داخل كنيسة في مدينة ويلمينغتون التي يقيم فيها والواقعة في ولاية ديلاوير، إذ قال “لا يمكن لأحد بعد الآن أن يدّعي بأنه لا يعرف ما الذي يحصل، إن الحقد يختبئ ولا يزول، وعندما ينفخ من في السلطة في الحقد الكامن تحت الصخور، يخرج هذا الحقد” مضيفا أن “ما يقوله الرئيس ترامب يدفع الناس إلى تفجير غضبهم”.

من جهته، أصدر باراك أوباما، الرئيس الأسود الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة بيانا بشأن الاحتجاجات، دعا المتظاهرين إلى “توجيه غضبنا المبرر إلى عمل سلمي ومستدام وفعال”. وأضاف “يتعين على المواطنين أن يرفعوا الوعي بشأن الظلم، بما في ذلك سلوكياتهم في عمليات الاحتجاجات، وأن يقوموا بترجمة هذا الوعي إلى زيادة الإقبال على الانتخابات، وانتخاب مسؤولين حكوميين يستجيبون لمطالبنا”.

ويرى بعض المراقبين أن موجة الاحتجاجات الحالية مختلفة من ناحية الحجم والشدة عما سبقها من حركات الاحتجاج، وهي تذكر بموجة الاحتجاجات العارمة في ستينيات القرن الماضي التي انتهت بمقتل مارتن لوثر كنغ، ومن ثم إقرار قانون الحريات المدينة مطلع عقد السبعينيات، ما جعل عقدي السبعينيات والثمانينيات خالية تقريبا من أحداث العنف العنصرية. فهل تقدر إدارة ترامب على احتواء الأزمة بشكل مماثل؟

اقتباس

قوات الشرطة المكلفة تطبيق القانون باتت سلاحا بيد العنصريين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية