لندن ـ «القدس العربي»:كما كان متوقعا، أوفت جولة ذهاب الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا بكل الوعود، بعد استمتاع عشاق كرة القدم الجميلة باثنتين من أفضل وأمتع المباريات هذا الموسم، بدأت بما يمكن وصفه مجازا بـ«الاحتلال الباريسي» لأندية الدوري الإنكليزي الممتاز في هذه النسخة، بذاك الفوز المظفر الذي تحقق على حساب آرسنال، في سهرة الثلاثاء الماضي التي جمعتهما على ملعب «الإمارات»، وانتهت بهدف ظاهرة العام 2025 عثمان ديمبيلي، واكتملت المتعة البصرية في اليوم التالي، بما شاهدناه من خيال علمي في الملحمة الكروية التاريخية التي جمعت متصدر الدوري الإسباني برشلونة بوصيف جنة كرة القدم الإنتر على ملعب «المونتغويك الأولمبي» وانتهت بالتعادل الإيجابي بثلاثة أهداف في كل شبكة، وكانت قابلة لكل الاحتمالات والسيناريوهات حتى إطلاق صافرة النهاية، لتبقى الحظوظ على الورق متساوية بين الفريقين قبل معركة «جوسيبي مياتزا» المقررة بعد 48 ساعة من الآن، لكن ماذا عن الأفضلية النفسية والتفوق الفني والبدني بناء على ما قدمه البارسا والنيراتزوري في لقاء الذهاب؟ هذا ما سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي، حيث سنستعرض معا أبرز العناوين الرئيسية لما جرى في مباراتي الذهاب، وما يمكن فهمه أو استنتاجه مما تابعناه من مؤشرات وانطباع عام من المواجهتين قبل حسم تأشيرتي السفر إلى عاصمة السيارات الفارهة في ألمانيا بافاريا، بحثا عن ود الأميرة البيضاء ذات الأذنين في نهائي «آليانز آرينا» مع أول ساعات يونيو/ حزيران المقبل.
الفخ الباريسي
على النقيض من النسخة الهوليوودية التي كان عليها مدفعجية آرسنال أمام ريال مدريد في مباراتي الذهاب والإياب في ربع النهائي، كفريق يجمع بين الحدة في الضغط على المنافس لمنعه من الاقتراب من المناطق المحظورة في الدفاع وبين التنوع والإيجابية في الثلث الأخير من الملعب، ظهر فريق المدرب ميكيل آرتيتا، بتلك الصورة القبيحة كرويا، التي تكررت أكثر من مرة في حملة البحث عن أول لقب بريميرليغ منذ أكثر من عقدين، مثل ما وُصف على نطاق واسع بالعجز الهجومي أمام فولهام وأستون فيلا وبرايتون وإيفرتون وأندية أخرى، والسبب أو كلمة السر تكمن في صعوبة تعامل بوكايو ساكا ورفاقه مع الأندية التي تدافع وتهاجم ككتلة واحدة، أو بالأحرى الفرق التي تُجيد لعبة «الدفاع المنظم من العمق»، على غرار ما حدث أمام أفاعي الإنتر وأتالانتا في مرحلة «دوري» الأبطال، قبل أن ينضم إليهم الزعيم الباريسي بقيادة اللوتشو لويس إنريكي، الذي أبدع في استغلال الثغرات ونقاط الضعف الأكثر وضوحا في خصمه، متخليا عن نهجه المفضل من خلال الضغط المتقدم، لتجنب مواجهة مصير الميستر كارلو أنشيلوتي مع اللوس بلانكوس، في المقابل لعب بأسلوب أكثر توازنا، مرتكزا على فكرة الإبقاء على الظهيرين نونو مينديز وأشرف حكيمي في مناطقهما الدفاعية، لحرمان صاحب الأرض من سلاحه المدمر على الطرفين، والإشارة إلى بوكايو ساكا في الجانب الأيمن ولياندرو تروسار في اليسار، ولعل الجميع شاهد حالة اليأس التي كان عليها الشاب الإنكليزي في حواراته المباشرة مع الظهير الأيسر الحديدي نونو مينديز، في لقطات أعادت إلى الأذهان حالة الطغيان التي كان عليها المدافع البرتغالي أمام هداف الدوري الإنكليزي الممتاز ونجم ليفربول محمد صلاح، في مباراتي دور الـ16، وتجلى ذلك في المواقف التي اضطر خلالها ساكا للهروب «بجلده» من أقصى الجهة اليمنى إلى اليسرى، بحثا عن متنفس أو محاولة جريئة لإحداث فوضى في الدفاع الباريسي، كما فعل في الفرصة التي ختمها بعرضية كلاسيكية من الجهة اليسرى على القائم البعيد، لكن من سوء حظ غابرييل مارتينيلي، أنه وصل متأخرا بـ«فينتو ثانية» عن الكرة أمام الشباك.
حتى على المستوى الدفاعي في نفس الجبهة، واجه المدافع الأيمن تيمبر، مشاكل بالجملة في المواجهات المباشرة مع الساحر الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا، على عكس الصورة العنترية التي كان عليها الظهير الهولندي أمام البرازيلي فينيسيوس جونيور في الدور الماضي، وهذا الأمر كان واضحا في الغارات التي شنها القادم من نابولي على دفاع الغانرز، منها الهدية الفاخرة التي سجل منها عثمان ديمبيلي هدف المباراة الوحيد، بعد فاصل من الاستعراض والإبداع والكرة بين قدميه، انتهى بتمريرة من زمن آخر، قابلها الدولي الفرنسي بتصويبة يسارية سكنت شباك الحارس المغلوب على أمره دافيد رايا، فيما كان الهدف الـ25 لعثمان في 25 مواجهة منذ بداية العام الميلادي الجديد، وكانت هناك غارة أخرى، انتهت بسقوط البعبع الجورجي داخل مربع العمليات في كرة مشتركة مع ثلاثة مدافعين، مطالبا باحتساب ركلة جزاء، لكن الحكم أشار باستمرار اللعب ولم يلجأ حتى لحكام «تقنية الفيديو»، ناهيك عن المحاولة الجريئة المزدوجة، التي بدأت بإنقاذ ولا أروع من الحارس رايا للتصويبة الأرضية المباغتة التي أطلقها دوي من داخل منطقة الجزاء، لترتد إلى كفاراتسخيليا، الذي بدوره أطلق قذيفة في الألواح الخشبية، في المقابل احتاج صاحب الأرض لأكثر من 40 دقيقة لتهديد مرمى الحارس دوناروما، بذاك الانفراد الصريح لمارتينيلي من جهة اليسار داخل صندوق العمليات، الذي أنقذه الحارس الإيطالي بردة فعل أقل ما يُقال عنها مذهلة، وهذا بالكاد واحدة من أهم التفاصيل البسيطة التي كان يفتقرها الفريق الباريسي في عصر ما قبل الهداف التاريخي كيليان مبابي، بما هو محفور في الأذهان، من سجل مروع على مستوى الأخطاء الفردية لحراس المرمى في المباريات الحاسمة في مراحل خروج المغلوب، على غرار سقطة الأسطورة جيجي بوفون أمام مانشستر يونايتد في إياب ربع نهائي نسخة 2019، ودوناروما نفسه أمام ريال مدريد في ليلة «ريمونتادا» الملك كريم بنزيمة عام 2022، وغيرها من الأخطاء الكارثية لحراس مرمى «بي إس جي» السابقين، التي كبدت الفريق أثمانا باهظة منذ بداية حلم إخضاع الكأس ذات الأذنين تحت الإدارة القطرية في بداية العقد الماضي.
التفاصيل البسيطة
لم تتغير الأوضاع كثيرا أو بشكل جذري في الشوط الثاني، حيث اكتفى الفريق اللندني بما وصفه أغلب النقاد والمتابعين بـ«الاستحواذ السلبي»، الذي اعتاد عليه جمهور الغانرز هذا الموسم، خصوصا في المباريات التي أهدر خلالها أرتيتا وكتيبته ما تُعرف بـ«النقاط السهلة» أو «في المتناول» أمام كريستال بالاس وبرينتفورد وإيفرتون، وذلك في خضم المنافسة الخجولة مع ليفربول في فترة ما قبل اتساع فارق النقاط إلى أكثر من 10 نقاط، والمفارقة، أن أغلب الفرق التي نجحت في إيقاف هجوم آرسنال والحد من خطورته، كانت تراهن على مراقبة ساكا ومنعه من ممارسة هوايته المفضلة، بمواجهة آخر مدافع في موقف لاعب ضد لاعب على حدود منطقة الجزاء أو داخلها، وهذا ما طبقه إنريكي بالحرف في تحضيره وإدارته للموقعة، والدليل على ذلك أن ساكا، لم يساهم سوى بالعرضية التي تأخر مارتينيلي في الوصول إليها، بل إن أبرز وأخطر فرص المدفعجية جاءت من الجهة الأخرى، والحديث عن فرصة مارتينيلي، والأخرى ما اُعتبرت بـ«منعرج المباراة»، التي تقمص خلالها الحارس دوناروما، دور البطولة المطلقة، لمنع تروسار من هز شباكه في حوار صريح بينهما على بعد أمتار من منطقة الست ياردات، أما غير ذلك، فكان باستطاعة الفريق الباريسي قتل المباراة إكلينيكيا وبطاقة العبور إلى نهائي ميونيخ قبل إياب «حديقة الأمراء»، لولا غياب التوفيق عن الثنائي البديل الذي خلخل الدفاع الإنكليزي في الأمتار الأخيرة برادلي باركولا وراموس، حيث أضاع الأول فرصة وجها لوجه مع رايا داخل منطقة الجزاء، بتسديدة أرضية مرت بمحاذاة القائم الأيمن، والثاني أطلق تصويبة صاروخية بـ«سن القدم» من نفس المكان تقريبا داخل منطقة الجزاء، لكنها ضربت على العارضة، وهذه ما تُعرف بـ«التفاصيل البسيطة»، التي أحيانا تكون حاسمة في هذا النوع من المباريات، وأحيانا أخرى تعطي مؤشرات لما يمكن حدوثه إذا تكررت نفس المواقف في مباراة العودة، كمؤشر أو علامة على أفضلية بطل الدوري الفرنسي، ليس فقط للتفوق النفسي والذهني على المنافس بفضل نتيجة مباراة الذهاب، بل أيضا لقدرة المدرب إنريكي ولاعيبه على التعامل مع منافسهم وفك شفرته، وقبل هذا وذاك سهولة وأريحية الوصول إلى الحارس رايا بأقل عدد ممكن من التمريرات في وسط الملعب، في انتظار ما سيحدث مع عودة مهندس وسط المدفعجية توماس بارتي، الذي تسبب غيابه بداعي الإيقاف، في فراغ كبير في وسط ملعب فريقه، تأثرا بالحركة التي قام بها المدرب آرتيتا لاحتواء الموقف على دائرة المنتصف، من خلال تحويل ديكلان رايس إلى لاعب محوري بالتناوب مع أوديغارد، مع تكليف ميكيل مورينو، بدور لاعب الوسط رقم (8)، أو حلقة الوصل مع ثلاثي الهجوم، وذلك في مباراة تُصنف كمباراة للنسيان بالنسبة للقائد، الذي بصم على أسوأ 90 دقيقة له مع الفريق هذا الموسم، قبل أن يقرر المدرب استبداله إيثان نوانيري مع بدء عداد الوقت المحتسب من الضائع، وسبقه أشرك بنجامين وايت على حساب يوريين تيمبر، لكن بالكاد لم يشعر أحد بتأثير البديلين، مقارنة بالفوضى الكروية المرعبة التي أحدثها بدلاء «بي اس جي»، وكانت كفيلة بتحويل إياب «حديقة الأمراء»، إلى بروفة أخيرة جادة قبل مواجهة الفائز من برشلونة وإنتر في نهائي وطن الماكينات المعمرة، فهل يا ترى يؤكد باريس سان جيرمان تفوقه على آرسنال في ملحمة الأربعاء؟ أم سنكون على موعد مع «ريمونتادا» من زمن ألف ليلة وليلة في عالم الساحرة المستديرة؟ هذا ما سنعرفه في منتصف الأسبوع.
لحظات هاربة
مع نعرفه عن «اللحظات الهاربة» في ملاعب كرة القدم، أنها دقائق عابرة مجنونة تنقلب فيها الأمور رأسا على عقب، بطريقة لا ينصحى بها لأصحاب القلوب الضعيفة، مثل لحظات انهيار جدار ميلان العظيم أمام ستيفن جيرارد ورفاقه المحاربين في ليفربول في نهائي اسطنبول الشهير عام 2005، وقبلها في النسخة الأخيرة في القرن الماضي، ريمونتادا مانشستر يونايتد أمام بايرن ميونيخ في الوقت المحتسب بدل من الضائع في نهائي «كامب نو» 1999، ومؤخرا انتفاضة ريال مدريد في مباراة «الفما حاجة» أمام مانشستر سيتي، لكن الجديد في سهرة الأربعاء بين البرسا والإنتر، أنها ربما كانت المرة الأولى والوحيدة، التي تكون شاهدة على «90 دقيقة كاملة» من الأوقات الهاربة التي ستبقى عالقة في الأذهان لسنوات وعقود، بعبارة أكثر وضوحا، ستكون سببا في تعلق الأجيال الجديدة «ألفا» و «زد» بأعرق كؤوس القارة العجوز، تماما كما أصيب مواليد الثمانينات ومن قبلهم بـ«متلازمة الأبطال»، بعد التحول الجوهري في نظام البطولة بداية من منتصف عقد التسعينات، بابتكار فكرة دوري المجموعات، التي سمحت بمشاركة جُل عمالقة الدوريات الأوروبية الكبرى، وكانت سببا في استمتاع الملايين بأشهر نجوم وأساطير الحقبة في مسابقة واحدة، والآن وبعد رهان الاتحاد الأوروبي على نظام المسابقة الجديد، جاءت موقعة البلو غرانا والأفاعي، كمكافأة أو هدية السماء إلى المسؤولين وأصحاب القرار في «اليويفا»، بعد تسليم الكثير من النقاد والمتابعين، بحقيقة أن البطولة كانت عامرة بالمباريات المثيرة والمجنونة منذ الجولة الأولى لمرحلة الدوري وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، بالأحرى حتى مباراة الأربعاء الهيتشكوكية، التي بدأت بآخر سيناريو كان يتوقعه أو ينتظره المشجع الكاتالوني، أن يرى فريقه متأخرا بهدفين نظيفين في أول 20 دقيقة، قبل أن يقرر الأعجوبة لامين يامال، أن يبدأ الحصار الكاتالوني، بلوحة إبداعية، أقل ما يُقال عنها أنها ستخلد في تاريخ البطولة، متقمصا دور مُلهمه ليونيل ميسي، من خلال الاعتماد على نفسه، لشق الدفاع الإيطالي كما السكين في الزبد، مع إنهاء على طريقة أسطورة البرازيل روماريو، بتسديدة غير متوقعة بـ «سن» حذاء القدم، وتبعه جاء الدور على بطل الأوقات الصعبة رافينيا، ليعطي فيران توريس هدية ثمينة أمام خط المرمى، في مشهد كربوني كرره الأعسر البرازيلي أكثر من مرة هذا الموسم، الفارق هذه المرة أن توريس هو من تابع الكرة في المرمى، وليس الغائب بداعي الإصابة روبرت ليفاندوفسكي، لكن قبل أن تصل المباراة إلى نتيجة التعادل بهدفين لمثلهما في نهاية الشوط الأول، كان الضيف الإيطالي، قد أعطى درسا في كيفية ضرب الدفاع البرشلوني المتقدم، من خلال الرهان على الظهير الجناح الطائر، الذي يأتي كالسهم من منتصف ملعبه، ليتلقى التمريرة الطويلة الساقطة في ظهر المدافعين، بعد خروجهم من اللعبة، بتلك التقنية التي كسر بها رجل المباراة بالنسبة لإنتر دينزل دومفريس، في لقطة الهدف الأول، بانطلاقة غير متوقعة من الطرف الأيمن، انتهت بعرضية ارتدت من الدفاع، ثم عادت في جهته مرة أخرى، ليرسل العرضية التي سجل منها ماركوس تورام، هدفه الرائع على طريق أيقونة الجزائر رابح ماجر، بمتابعة الكرة العرضية بضربة مفاجئة بعقب القدم، وهذا الهدف في حد ذاته، كان كافيا لإعادة رجال المدرب سيموني إنزاغي، إلى الحياة مرة أخرى، أو بدون مبالغة، أعاد لهم الكثير من الثقة، بعد خسائرهم المدوية في آخر 3 مباريات على المستوى المحلي (بولونيا وروما في الدوري وثلاثية نكراء من ميلان في كوبا إيطاليا)، من دون أن يتمكن خط الهجوم من تسجيل ولو هدف يتيم في هذه المباريات، مع الوقت، استعاد بطل الكالتشيو الموسم الماضي، جزءا من النسخة المهيبة التي كان عليها في الموسم قبل الماضي، الذي ختمه بالخسارة من مانشستر سيتي في المباراة النهائية للأبطال، لكن مع فعله المدمر لامين يامال، سواء بهدفه العنتري، أو الفرصة التي تبعتها، التي بعثر خلالها خط الدفاع، وفي الأخير أطلق سهامه في العارضة، تسبب بشكل أو بآخر في إحياء البرسا مرة أخرى ودخوله إلى أجواء المباراة، وصلت لحد الحصار داخل منطقة الجزاء، خاصة بعد الضربة التي تلقاها الفريق بإصابة القائد الهداف لاوتارو مارتينيز مع نهاية الشوط الأول، وما تبعها من تغييرات حدت كثيرا من خطورة التحولات السريعة التي شكلت خطورة بالغة على الحارس فويتشخ تشيزني في أول ساعة لعب، لكنها لم تحرم الفريق من سلاحه الأكثر فتكا بالخصوم على المستوى المحلي والقاري، بعد تسجيل هدف دومفريس الشخصي الثاني من ركلة ركنية، تجسيدا للأرقام الإيجابية، التي تخبرنا أن المدرب إنزاغي، يملك المجموعة الأكثر فوزا بحوارات الفضاء في إيطاليا وأوروبا.
ويُحسب لمدرب النيراتزوري، نجاحه في استغلال واحدة من أبرز نقاط قوة فريقه، أمام الفريق الأقل استقبالا للأهداف من الكرات الثابتة على مستوى الليغا، مشكلة إنزاغي الوحيدة، أنه اصطدم بنسخة برشلونة هانزي فليك، كفريق لا يعرف ولا يعترف في قاموسه بكلمة خسارة، حتى لو كان متأخرا بأكثر من هدف في أوقت، على غرار ريمونتادا بنفيكا في مرحلة الدوري، والريمونتادا الأخيرة أمام الغريم الأزلي ريال مدريد في كلاسيكو نهائي كأس الملك، قبل أن ينضم ممثل السيريا آه إلى هذه القائمة، كأحدث الفرق التي عُوقبت بقسوة بعد أخذ الأسبقية على البلو غرانا، الفارق أن الإنتر تجنب الهزيمة، وربما لولا سوء حظ مخيتاريان، لحظة تسلمه الكرة في هدفه الملغي بداعي التسلل، لحقق الفريق سيموني إنزاغي انتصارا تاريخيا قبل ملحمة العودة، لكن في كل الأحوال، المباراة كانت شاهدة على كل أنواع الإثارة والتشويق في فنون اللعبة الشعبية الأولى عالميا، وكلمة السر تكمن في الطرف الحاضر دوما في هكذا مواعيد قابلة لكل الاحتمالات، والحديث عن برشلونة ومدربه الألماني، الذي يثبت من مباراة لأخرى، أنه بالفعل الرجل المُخلّص الذي كان ينتظره الجميع في الإقليم الثوري منذ خروج الفيلسوف بيب غوارديولا في العام 2012، محققا حتى هذه اللحظة، ما فاق أحلام وتوقعات أكثر المتفائلين بنجاحه في موسمه الأول، والأمر لا يتعلق بتتويجه بلقبي الكأس السوبر الإسبانية وكأس الملك على حساب النادي الميرينغي، بجانب اقترابه من حسم لقب الليغا ووصوله إلى نصف نهائي الأبطال وجمع عائدات بميزانية لم يكن يتخيلها الرئيس جوان لابورتا قبل ضربة بداية هذا الموسم، بل فتش عن جوهر المشروع وبصمة المدرب على أداء اللاعبين وعقليتهم داخل المستطيل الأخضر، نتحدث عن قوام رئيسي مكون من 40 لـ50% من أبناء الأكاديمية، وتحديدا من المراهقين الذين لم يتخطوا حاجز الـ20 ربيعا أو في بداية عقد العشرينات من نوعية باو كوبارسي، وفيرمن لوبيز ولامين وآخرين بنفس العمر أو أكثر قليلا، هذا بخلاف تأثير المدرب على فئة «المنبوذين» في حقبة المدرب السابق تشافي هيرنانديز، في مقدمتهم فرينكي دي يونغ والمفاجأة السارة رافينيا، إذ يبدو الشاب العشريني وكأنه لاعب آخر تحت قيادة فليك، تقريبا أول مرة مستواه يلامس النسخة البراقة التي كان عليها مع أياكس، وبالمثل يشهد الداني والقاصي، أن الأعسر البرازيلي، يصنف كواحد من أفضل 3 لاعبين في العالم هذا الموسم، وذلك بعدما كان على أعتاب الطرد في فصل الصيف الماضي، وهذا ما يعكس التحول المذهل في عقلية ورغبة هذه المجموعة، من فريق متذبذب أحيانا يكون في عنان السماء، وأحيانا أخرى يصدم جماهيره بهزائم وعروض أقل ما يقال عنها محطمة للآمال، إلى ما نشاهده في الأوقات الحاسمة من الموسم، كفريق لا يعرف اليأس ولا الإحباط، بعد تمرس لاعبيه على ثقافة العودة في النتيجة والمباريات، بصرف النظر عن النتيجة، وهذا ما قد يعطي لامين ورفاقه أفضلية نفسية ومعنوية قبل زيارة «جوسيبي مياتزا»، إلى جانب الفوارق الفردية المتمثلة في مواهب برشلونة القادرة على صنع الفارق من العدم، أما عملاق الكرة الإيطالية، فسوف يعول على دعم جماهيره وفارق الخبرة والاحتكاك والتعامل مع هذا النوع من المباريات، بعد تأهل هذه المجموعة إلى نهائي نسخة 2023، مقارنة بالأغلبية في برشلونة التي لم يسبق لها اللعب في مباراة بنفس هذا الوزن والضغط الإعلامي والجماهيري خارج القواعد، فمن يا ترى سيكون سعيد الحظ باقتناص تذكرة السفر إلى ميونيخ في الموافق الـ31 من مايو/ آيار الحالي؟ إنزاغي ورجاله المخضرمون؟ أم فليك ونجوم المستقبل القريب؟ دعونا ننتظر ما ستكشف عنه مواجهتا الدور نصف النهائي.