مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي أقيمت دورته الثالثة والأربعين في 26 تشرين الثاني/نوفمبر واستمرت حتى 5 كانون الأول/ديسمبر 2021 استطاع خلال تلك الفترة أن يُبين حجم المُساهمة الفقيرة للفيلم المصري الروائي الطويل والتي تنبع بشكل أساسي من أزمة المستوى الفني والتقني، حيث عكس الاهتمام الكبير بفيلم «أبو صدام» للمخرجة نادين خان، ابنة المخرج الراحل محمد خان ما تُعانيه السينما المصرية من مُشكلات حقيقية في المضمون إلى الحد الذي يجعل القبول بمُشاركة أي فيلم داخل المُسابقة الرسمية فعلاً اضطرارياً لسد العجز ورفع الحرج المُتزايد عن السينما المصرية دورة بعد دورة.
وقد لا تكون الانتقادات الكثيرة التي وجهت إلى الفيلم المصري الوحيد الذي نافس على الجوائز الدولية خاصة فقط بالمستوى الإبداعي المتوسط، لكنها بكل تأكيد تشمل منظومة الصناعة السينمائية بالكامل التي تم التفريط فيها منذ سنوات، إهمالاً وتقصيراً من صُناعها الذين اهتموا بالمضمون التجاري لرفع اقتصادها على حساب قيمتها، ولا شك في أن الضعف الذي يتحدث عنه الكثيرون ممن شاهدوا الفيلم جاء لأسباب خارجة عن إرادة المُخرجة التي عهدنا فيها التميز منذ أن قدمت مسلسل «سابع جار» وتجربتها السينمائية الأولى في فيلم «هرج مرج» عام 2012 ربما تكشف تصريحاتها الأخيرة بشأن صعوبة التصوير داخل شاحنة جانباً من أسباب المُشكلة، فهناك بالقطع إمكانيات تقنية ومهارية لابد من توافرها في مثل هذه الحالات التي يكون فيها التصوير محدودا بإطار ضيق. وقد حدث ذلك في فيلمين شهيرين هما «بين السماء والأرض» للمخرج الكبير صلاح أبو سيف و«ثلاثة على الطريق» للمخرج محمد كامل القليوبي، والفيلمان لهما قيمة إبداعية كبيرة لكنهما مرا بنفس المُشكلة، ولولا تميزهما على مستوى القصة والإخراج لأصبحا في عداد الأفلام المتوسطة.
وهذا الاستدعاء ليس من قبيل المُقارنة، وإنما هو محض مُقاربة بين الأفلام الثلاثة التي تم تصويرها في أماكن ضيقة، خاصة فيلم «ثلاثة على الطريق» إنتاج 1992 والذي تم تصويره في شاحنة أيضاً وقام ببطولته الفنان محمود عبد العزيز مع الطفل آن ذاك نادر حسن، الذي رافق البطل في رحلة السفر بالشاحنة، وهو ما يتشابه مع دور محمد ممدوح سائق الشاحنة في فيلم «أبو صدام» ورفيقه في الرحلة أحمد داش، وغاية القول أن السيناريو الذي كتبه محمود عزت جعل من الصعوبة بمكان خروج الفيلم بمستوى أفضل لأن المُشكلة تخلقت من قلب الأحداث وهو ما يحتم التماس العذر بشكل ما للمخرجة.
وحول الحضور المهم للسينما العربية كانت الدلالة واضحة في بعض العينات المتميزة كفيلم «غدوة» للنجم التونسي ظافر العابدين الذي قدم نفسه للجمهور هذا العام في تجربة جديدة له كمخرج، وهي التجربة التي استوحى أحداثها الدرامية السياسية من محنة المرض العُضال السرطان، الذي أصاب شقيقه على حد قوله، ولظافر قصة مع هذه النوعية من المُعالجة الدرامية المُتصلة بمرض السرطان، حيث سبق له تقديم مسلسل مع هند صبري بعنوان «حلاوة الدنيا» عُرض في شهر رمضان منذ نحو ثلاث سنوات تقريباً وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، وها هو يُكرر التجربة ذاتها في فيلم سينمائي من إخراجه.
والغريب أن زوجة ظافر التي ظهرت على السجادة الحمراء في المهرجان مثلت أكبر دعاية لفيلمه الجديد الذي يُشاركه البطولة فيه نُخبة من النجوم التونسيين، نجلاء بن عبد الله والبحري الرحالي وغانم الزرلي ورباب السرايري. ويعد فيلم «غدوة» هو الإسهام الثاني للسينما التونسية في مهرجان القاهرة السينمائي، حيث عُرض أيضاً فيلم «مجنون فرح» للمخرجة ليلى بو زيد وهو إنتاج تونسي- فرنسي مُشترك وتدور أحداثة حول قصة رومانسية تجمع بين فتاة تونسية وشاب فرنسي من أصل جزائري، حيث إمكانية التواصل العاطفي بين طرفين من بلدين مُختلفين، طالما وجد التفاهم بينهما على أسس إنسانية ووجدانية.
وفي إطار التواجد السينمائي العربي المهم احتفى مهرجان القاهرة بالفيلم الفلسطيني-السوري المُشترك «الغريب» وهو تنويع على القضايا السياسية الإنسانية المُتشابهة بين سوريا وفلسطين بُمعالجة درامية احترافية، وكذلك تم عرض الفيلم الوثائقي اللبناني «كفى» الحاصل مُسبقاً على جائزة من مهرجان كان من فرنسا وهو للمخرجة اللبنانية الاسترالية دايزي جدعون والتي توثق فيه لمراحل التدهور التي مرت بها لبنان على مدار سنوات لأسباب كثيرة متداخلة.
ومن بين الأفلام العالمية المتميزة التي عبرت عن مدى تقدم الصناعة السينمائية في العالم ومثلت صعوبة كبيرة في عملية المُنافسة على الجوائز أو التأييد الجماهيري، فيلم «ملك الضحك» إنتاج إيطالي أسباني «وإنهم يحملون الموت» إنتاج أسباني كولومبي، و«صاروخ أحمر» إنتاج أمريكي و«دوار» إنتاج فرنسي، وهذه النوعيات يعتبرها خبراء صناعة السينما في العالم كله مقياساً حقيقياً للتقدم التقني والفني والموضوعي في هذا المجال، حيث تطرح الأفلام ما يُثير الشغف ويجعل المُشاهد في حالة ترقب وانتباه طوال مدة العرض بعكس ما تطرحه سينما العالم الثالث من موضوعات ساذجة وسطحية في أفلام تدخل المهرجانات الدولية وتشارك في المسابقات بدرجات الرأفة أو من باب المُجاملة.