فردانيّة أم «وان مان شو»

تعيش تونس منذ عقد أو أكثر تحوّلات اجتماعيّة مثيرة، لعلّ من أظهرها «الفردانيّة السلبيّة» أو نزعة التفكير بالذات وحدها، أو في العائلة والأصدقاء؛ وهي في الحقيقة «أنانيّة مقنّعة»، وأثرة لا إيثار حيث يضيق سلطان الدولة، ويتوسّع نشاط الفرد. صحيح أنّ هناك إنجازات في التعليم والاقتصاد تحقّقت منذ العهد البورقيبي خاصّة؛ وتحديدا في فترة التعاضد [الاشتراكيّة] التي قادها الوزير والكاتب المثقّف أحمد بن صالح. ولعلّنا لا نزال نتمتّع بما تبقّى من ثمارها. بيْد أنّها اليوم ثمار فجّة حامضة، وقد تكون نخرتها الديدان في فترة الليبراليّة الشرسة في تونس حيث تدهورت البنية المعماريّة والاجتماعيّة، وانخرمت تلك الحلقة من الوشائج والعلاقات العائليّة الحميمة، وتحوّل المجتمع أو كاد إلى مجتمع انفرادي اقتنائي، مجتمع الأثرة لا الإيثار؛ بفعل إرادة غريبة في تجزئة التقليدي، وفي استعمال الحديث بمعزل عن البنية الثقافيّة التي أنتجته.
والحياة اليوم تمسخنا نحن التونسيّين أو تكاد، في صورة «نمطيّة» أو متكرّرة أو ثابتة متجمّدة؛ لعلّها ليست غير»محصّلة من المعتقدات المشتركة المتعلّقة بسمات الشخصيّة وبالمواقف والسلوك التي تميّز أعضاء طائفة اجتماعية معيّنة» حيث يلوح الفرد أشبه بشخص مطارد، ملامحه مزيج من نماذج الهيئات المرسومة في ضوء الصفات التي أدلى بها شهودٌ همْ بدورهم صور نموذجيّة سواسية كأعواد الثقاب المتساندة في علبتها.
هل مردّ ذلك إلى انعدام الأمن الاجتماعي أم إلى صعود مؤسّسات الدولة وتمكّنها، أم إلى أزمة «الثورة» المبكّرة التي لم تهتد إلى إعادة بناء المجتمع؛ إذ ترك الكثير من الناس لمصيرهم أو قدرهم، فصار الواحد منهم صورة ذات تعاني من وطأة عالم ثقيل أعمى لا طاقة لها على تحمّله، تعيش خارج المجتمع أو خارج غمار الناس وجمعهم المتكاثف؛ دون أن تبرم أيّة علاقة تعاقديّة معهم أو تكاد؟ مع أنّ الفرد «ليس مادة أو إلكترونًا حرّا»، ووجوده يحتاج إلى الحماية أو نوع من «الدعم الاجتماعي» وإلى رعاية حقوقه التي يكفلها الدستور قديمه (2014) ومستحدثه (2022)؛ وهو الذي يئس من دولة الرفاهية التي «بشّرت» بها الثورة، وكان يظنّ أنّها حجر الزاوية في رغد الخصب ولين العيش الذي ينشده؛ بل هو دُفع من حيث لا يدري، إلى التقشّف وابتذال العيش.
ولا نملك إلاّ أن نشاطر روبرت كاستل أحد كبار علماء الاجتماع المعاصرين (توفي في آذار/ مارس الماضي) الذي يرى أنّ الحماية الاجتماعيّة في المجتمعات الحديثة حلّت محلّ الملكيّة الخاصّة قديما، هي التي شكّلت قاعدة أوسع للفرد، وأضفت على مفهومه نوعا من الاتّساق. ولكنّ الفرد في مجتمعنا التونسي يكاد يفقد الاهتمام «بالروابط الاجتماعيّة» أو»التكامل الاجتماعي» إذ حلّت أنماط «غريبة» من الهيمنة ومن اقتصاد الريع والاقتصاد الموازي، والعائلات المتنفّذة و«الكناتريّة» [المهرّبون]، ومن الصراع الذي يمزّق النسيج الاجتماعي.
ويرى علماء الاجتماع اليوم، أو بعضهم ممّن قرأت لهم، أنّ هناك خليطا من نوعين مختلفين جدًا من انعدام الأمن: أحدهما انعدام الأمن المدني الذي يشمل البضائع والسلع والأفراد، في حيّز دولة القانون وأدواتها (الشرطة والعدالة)؛ والآخر انعدام الأمن الاجتماعي، إذ فقد عدد من الناس ما انفكّ يتزايد، الدعم الذي كانت توفّره الدولة الراعية «دولة الاستقلال» التي أتاحت لهم الاطمئنان إلى مستقبلهم، أو صياغته أو التحكّم فيه بنسبة أو بأخرى؛ فيما الآن محكوم عليهم بأن يتدبّروا عيشهم يوميّا بشتّى الوسائل، بما فيها تحيّل بعضهم على بعض. وانعدام الأمن هذا في تقدير هؤلاء، ليس مجرد نقص يحتاج الفرد فقط إلى سدّه، وإنّما هو حرمان من الإعطاء والرزق. وهذا إنّما يدرك ويُكتنه في سياق العلاقة القويّة بين مفهوم الفرد الذي يعدّ جوهرا خالصا، قادرًا على الاستقلال الذاتي، والمفهوم الخاصّ للأمان والتأمين معا.
غير أنّه يطرح قضيّة المخاطرة، ويجعل الأفراد صنفين: كارها للمخاطر أو «جبانا» في تقدير غيره، أو كما يقول الشابي في «إرادة الحياة» بصياغة لشقيقه الأمين، قد تكون الأفضل «ومن يتهيّبْ صعود الجبال/ يعشْ أبد الدهر بين الحُفرْ» (من قوله في مسوّدة ديوانه بخطّه: ومن لا يحبّ صعود الجبال…) وصنفا مأخوذا بالمخاطر أو هو لا يبالي، كما هي حال هؤلاء التونسيّين والتونسيّات الذين يرمون بأنفسهم في المتوسّط وفي أمواجه المهلكة. ولعلّ هذا ما يطرح علاقة هؤلاء الأفراد وقد تحوّلوا إلى «ظاهرة»، بثقافة المخاطرة غير المحسوبة، وكنت وقفت عليها في مقال سابق. وهؤلاء المواطنون هم قبل كلّ شيء رجال ونساء يتحرّكون ويفعلون، لكنّ أفعالهم هي في الأغلب الأعمّ مغامرات، بل هي تتنزّل في جنس المخاطرة الأشدّ، أي المجازفة بما هو أساسيّ لدى الإنسان أعني حياته.
والمخاطرة أو المغامرة بهذا المعنى هي الخطر عينه، أي الرهْن الذي لا يقال عادة إلاّ في المسائل التي لها قدر ومزيّة. وهذا لا يعفي طبعا من تطارح كثير من الإشكالات مثل إدماج الديني أو الغيبي في المخاطرة التي يقوم بها الفرد، من منظور فلسفي قد يراه البعض تمحّلا على الفلسفة؛ ولكنّ مقولة كانغويلم تبدّد هذا الانطباع الخاطئ، فـ «كلّ مادّة غريبة، هي مادّة صالحة بالنسبة إلى الفلسفة من حيث هي تفكير. ويمكن أن نقول أيضا إنّ كلّ مادّة صالحة بالنسبة إليها ينبغي أن تكون غريبة». وهو طرح من شأنه أن يؤمّن حضورا عينيّا وذاتيّا لقوى هي في الأصل قوى جوهريّة وكلّية؛ يكون ربطها بالمخاطرة الفرديّة، من قبيل ما ينحت هويّة موحّدة للسماوي والبشري حيث يتمّ التّأليف في الوقت نفسه بين القوّة الكونيّة (الوظيفة الرّمزيّة للدين والخوارق الطّبيعيّة) وما يجري في الحياة من طباع (الوظيفة الرّمزيّة للبشر).
ويتمّ من ثمّة إضفاء طابع هو خليط من ديني ـ إنسانيّ على المخاطرة الفرديّة من حيث هي «رَهْن» محتمل، أو خطر متوقّع تقريبا، ملازم لحال أو موقف أو نشاط؛ أو لما يعتقد الفرد أنّه «الحلّ» في ظلّ غياب الدولة. ولعلّ هذا ممّا يعزّز الموقف الداعي إلى تكوين أنظمة اجتماعية قويّة من شأنها أن تحمي أمثال هؤلاء، مثل «الليبراليّة الاشتراكيّة» التي تبني برامجها ومخطّطاتها على مساعدة الفئات الأكثر حرمانا. وهي ما يسمّيه البعض «ديمقراطيّة اجتماعيّة متجدّدة» وهو ما يثير سؤال «المفارقة» في هذه الحال، فكيف تُجمع في هذه الديمقراطية الاجتماعيّة إنجازات الفردانيّة «المشبوهة» والحماية الاجتماعيّة؟
والمسوّغ لهذا السؤال هو الفردانيّة» نفسها، لما تتيحه من إمكانات الاستقلال والحرّيّة، أو لأنّها القيمة المرجعيّة في المجتمعات الحديثة التي تسعى من أجل مجتمع من الأفراد، وليس من أجل وحدة جماعيّة أو «قطيع». ولكنّ المشكل في مجتمعاتنا نحن أنّه ليس بإمكان أيّ شخص أن يكون دائمًا مثل هؤلاء الأفراد «الأحرار».
ذلك أنّ «ديناميكا الجماعات» أو قوانين التصرّفات في مجموعة بشريّة من حيث الأهداف الموضوعيّة والحقيقيّة لديها، كثيرا ما تقسّم الأفراد إلى نوعين: أولئك الذين ينتفعون ويحرّرون أنفسهم من القيود الجماعيّة التي يمكن أن تكون ثقيلة للغاية، وأولئك الذين لا يقدرون لسبب ذاتي أو لآخر موضوعيّ؛ فيكون مصيرهم «الإقصاء» أو «إفراد البعير المعبّد». وهذا لا يعني طبعا انتقاد قيمة فكرة الفرد؛ وهو الرهان الذي يتعين على الديمقراطية الاجتماعيّة الجديدة مواجهته رهان لا يمكن أن يتحقّق ما لم نُعِد التّفكير في المواطنة ومواصفاتها على نحو يجعل من الفرد، بما هو مصدر للشخصيّة الحرّة المستقلّة شرط إمكان لها، يتعيّن على الدّولة أن تتكفّل بضمانه. وهذا يستدعي طبعا مراجعة جذريّة لمنظوماتنا التّربويّة والتّعليميّة ورؤانا الثّقافيّة ولمفهوم المواطنة نفسه. أمّا التّعويل فقط على الوسائط والمحامل الأخرى مثل الأحزاب والجمعيّات، وهو مفيد لا محالة، فقد لا يؤدّي إلاّ إلى»فردانيّة» مجتزأة مفتّتة؛ لأنّه يقدّم بالأساس معلومات ومعطيات مهما تكن دقيقة فإنّها لا ترتقي إلى محلّ المقاربة المتكاملة لمسألة الفرد أو وضعيّتة المعيّنة؛ فضلا عن كونها لا تسمح برؤية ذات دلالة لكينونة الفرد أو المجتمع.
والفردانيّة فردانيّات، فالفردانيّة الليبراليّة الأمريكيّة محكومة كما يقول أهل الذكر بتبرير كلّ الوسائل من أجل الحريّة الفرديّة؛ بما أنّها توافق النظام القانوني مثل ميثاق الحقوق والحريات؛ حتّى ليقع في الظنّ أنّ المجتمع ليس أكثر من اتحاد حرّ للأفراد. ومن ثمّة يكون من السائغ ما يقوله معارضو هذه النزعة، بأنّ الفردانيّين الليبراليّين الأمريكان خاصّة لا يتردّدون على قوميّتهم العنيفة أو الشوفينيّة، في تبرير رفضهم للقوميّة بشكل عام؛ وهو ما تدلّ عليه الأعمال المشينة المرتكبة ضد الشعوب الأخرى.
أمّا في تونس اليوم «المرتبكة»، فقد يصعب أن نستشرف أفقا يزاوج بين القيم الفرديّة والقيم الجماعيّة. ولا نملك إلاّ العمل الفردي، حتى وإن كان الفرد صورة من الـ«وان مان شو» أو هو تقمّص أكثر من شخصيّة.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية