«ابن سينا» شخصية إشكالية، ما زالت محل خلاف، وستبقى كذلك، وفي سيرته وحياته وأفكاره ومعتقداته ونتاجه العلمي ما يستدعي البحث والدراسة والتأليف، وقد كتب عنه الكثير الكثير، وسيبقى بما تركه مادة خصبة للمزيد. أما إبداعيا، فقد كُتبت عنه مجموعة من الروايات منها: رواية «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان» لجيلبيرت سينويه، ورواية «الرئيس» لمحمد العدوي، ورواية «فردقان: اعتقال الشيخ الرئيس» ليوسف زيدان، موضوع مقالتنا هذه.
تتناول رواية «فردقان» شطرا من حياة ابن سينا، من خلال اعتقاله المرَّفه والمنعَّم في قلعة «فردقان»، ولا عجب فابن سينا كان منذ صغره مقربا من الأمراء والسلاطين، يبحث عن مصلحته وحظوظ نفسه، وتولى الوزارة مرتين في همذان قبل اعتقاله الذي جاء في فترة مضطربة عاصفة بالأحداث والتقلبات والصراعات والحروب بين الممالك والدويلات، وحتى بين الإخوة وأبناء الطائفة الواحدة.
الرواية اتكأت على سيرة ابن سينا والعلوم التي برع فيها، وعلى الحوادث التي عاصرها وكان لها أثر في حياته وتقلباتها، ولكنها تبقى في النهاية رواية، أي عملا إبداعيا، ولا يمكن اعتبارها مرجعا تاريخيا أو حتى سيريا لابن سينا، فالخيال والصنعة والاختلاق من لوازم الإبداع، التي تختلط بالحقائق وتمتزج بها، فيلتبس على القارئ، ولكنها تستحثه وتستفزه للبحث عن الحقائق في مظانها، ولعل هذه من أهم وأعظم فوائد الروايات التي تستند إلى التاريخ! ولست هنا في وارد مناقشة مضمون الرواية، الذي يحتمل الكثير من الكلام والاختلاف، خاصة في ما يتعلق بحياة ابن سينا الشخصية وعلاقاته الكثيرة، وخاصة النسائية منها، أما علمه وكتبه، فقد جاءت في الرواية على شكل إطلالات سريعة وخاطفة، لتعرف بأهم مؤلفات ابن سينا، وآرائه الفلسفية والطبية التي استلها الكاتب من مؤلفات وكتب ابن سينا، أو ما قيل عنه في كتب أخرى.
رواية «فردقان» دار الشروق، 2018، 153 صفحة، رواية ذات سرد سلس وأخاذ، ولغة جميلة بديعة، حفلت بكثير من المتعة والإمتاع، وأحيت مفردات رائعة غير متداولة، وأبدعت في الوصف كأنما يتجلى الموصوف بين ناظريك، وفي رسم وتصوير شخصية «الزعاق» الذي يزعق بدون سبب على مرؤوسيه، ويقوم بأدوار لا داعي لها، ويرفع صوته بلا مبرر. وجاءت أحداث الرواية على لسان راوٍ عليم، موظفا الحوار والاسترجاع والذكريات ومقتطفات من كتب ابن سينا.
الرواية التاريخية ـ في رأيي- لا تحتمل فذلكة التداخل والتلاعب الزمني، إلا ما جاء على شكل ذكريات أو جوابا على سؤال، والأصل أن تكون متسلسلة زمنيا، لكي يستقيم في ذهن القارئ أحداثها وجريانها، ولأن الكاتب لم يتقيد بالتراتبية الزمنية، فقد وقع في خلل في بعض المواطن، فاستبق أحداثا في غير مكانها، وكرر بعضها، وذكر نهايات قبل مقدماتها، ومن ذلك: بعد حوار بين ابن سينا والمزدوج حول احتمالات الحرب، يقول الكاتب: «كان «المزدوج» مخطئا في تقديره، وغافلا عما سيقع بعد سنوات قليلة. إذ ابتلع «الغزنوي» بالغدر والمكر الرخيص، مملكة «الري» وما يتبعها من إمارات قزوين والجبل، واستولى بالخديعة المشهورة على هذه النواحي الشاسعة، وأحاط بقلعة «فردقان» واستلمها بلا قتال، وقتل «المزدوج» بوشاية «الزعاق»، فقد حرق بهذه الفقرة الاستباقية كثيرا من الأحداث، وأفسد متعة القارئ، وربما أحبطه.
يلاحظ قارئ الرواية، أن الكاتب تعدى ـ أحيانا- على دور الراوي العليم، أو أنه أناط به دورا ليس له، ومن أمثلة ذلك: في أول علاقة ابن سينا بروان، وابتعاده عنها مع حسنها وجمالها وأنها ملك يمينه
ومثال آخر: بعد حديث بين ابن سينا وأبيه في مطلع شبابه، عن شراء العبيد وعتقهم، ذكر الكاتب: أن عبيد ابن سينا ـ بعد أربعين سنة- دسوا له الأفيون في دوائه، ما أدى إلى موته، وانتهبوا أمواله، كما ذكر جملة من الأحداث المستقبلية كنتيجة استباقية لرسائل ابن سينا للأمراء تحذيرا مما يدبر له الغزنوي.
كما يلاحظ قارئ الرواية، أن الكاتب تعدى ـ أحيانا- على دور الراوي العليم، أو أنه أناط به دورا ليس له، ومن أمثلة ذلك: في أول علاقة ابن سينا بروان، وابتعاده عنها مع حسنها وجمالها وأنها ملك يمينه، يقول: «ومع ذلك كله، آثر التريت.. مسكين»، فكلمة «مسكين» هنا هي تدخل مباشر وتقييم من الكاتب لا يستقيم ولا ينبغي. وقوله: «وقد أعجب به حاكم همذان فضمه إلى حاشيته المقربين، ثم عرض عليه أن يتولى الوزارة، فأخطأ ابن سينا وقبل بها»، فتخطئة ابن سينا ليست من شأن الراوي. وقوله:«كان ابن سينا آنذاك، على الرغم من نبوغه النادر وعبقريته الفائقة، قليل المعرفة بطبيعة المرأة وسريرة النساء، ولولا ذلك ما سأل امرأة كاملة مثل «روان» مثل هذا السؤال»، وهذا الرأي هو رأي الكاتب بالتأكيد، ولا شأن للراوي به. وقوله: «ما كان يعرف، وهو الحكيم الأجل العبقري، أن «ماهتاب» ليست من النساء اللواتي يلقين بأنفسهن في حضن رجل، حتى لو كان الشيخ الرئيس»، فهذا الرأي لا يتأتى للراوي العليم، وإنما هو تدخل سافر من الكاتب. وقوله: «مسكين ابن سينا، وسعيد الحظ، فقد عاش من الرجال أجيال، وماتوا، وما مروا بلحظة سحرية كتلك، وما أدركوا قط، قوة الأنوثة»، فما دخل الراوي بهذه المشاعر، لولا أن أرغمه الكاتب؟ وقوله: «وكانت وفاته في أول أيام شهر رمضان، الذي يؤقته المسلمون في سنوات صيفا، وفي سنوات أخرى في غير الصيف». ومع ما في هذا الكلام من خلل شنيع، وتلميح قبيح، إلا أنه ليس من مهمة الراوي العليم، وإنما هو رأي للكاتب أقحم به الراوي. كما أن الكاتب في حديث «ماهيار» عن أسرته وحياته، فبدلا من أن يتحدث «ماهيار» بلسانه، جرى الحديث بلسان الراوي العليم، والأصل أن يكون «ماهيار» هو المتحدث، لأن السياق كان حوارا مع ابن سينا.
رواية «فردقان» هــــي إحدى روايات القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية 2020، التي سبق أن نالها زيدان سنة 2009 عن روايــته «عزازيل»، ولكن شتان شتان بين الروايتين، فيبدو أن «عزازيل» كانت منتهى إبداع زيدان، وما بعدها محاولات يائسة لتجاوزها أو حتى لمقاربتها.
وبعد، فما الذي تريده الرواية؟ وما رسالتها وأسئلتها؟ إن كانت تهدف للتعريف بحياة ابن سينا، فإن أي موقع على الإنترنت يتحف القارئ بمعلومات أكثر وأشمل، وإن كانت تسعى للتعريف بمؤلفات وجهود ابن سينا العلمية، فلا أظن أن ما تضمنته من تضمينات يفي بالغرض، وفي غير هذا السبيل سبيل، وإن كانت لتناول أحداث الدويلات والممالك، وما بينها من صراعات وإحن، فما قالته لا يشفي الغليل، وإذا كانت تهدف إلى إخبارنا عن نسائيات ابن سينا ومغامراته في العشق والغرام، فأظنها نجحت في ذلك، ويا ليتها لم تفعل!
٭ كاتب أردني