رغم الشهرة الواسعة التي حصلت عليها الفنانة الكبيرة أمينة رزق، والرصيد الوفير الذي تركته من أفلام جسدت من خلالها دور الأم، إلا أن إحساساً خاصا ربط الجمهور بأم أخرى كان الصدق هو الداعم الأساسي لعلاقته بها، هذه الأم هي الفنانة فردوس محمد، التي لم تعش طويلاً ولم يستمر عطائها الفني غير نحو عشرين عاماً فقط، فقد توفيت عن عمر خمسة وخمسين عاماً فتسبب موتها في صدمة كبيرة للوسط الفني وجمهورها العريض.
ويرجع التأثر الشديد بأدوار فردوس محمد في المقام الأول إلى ذلك التماس الإنساني بينها وبين القطاع الأكبر من جمهور السينما المصرية والعربية ولهذا بالقطع أسبابة الجوهرية، فهي الفتاة اليتيمة التي تربت في بيت الشيخ علي يوسف، مؤسس جريدة “المؤيد” وتزوجت في سن صغيرة وحُرمت من نعمة الإنجاب لفترة طويلة عانت خلالها من الإحساس الشديد بفقد الأمومة، وحين من الله عليها بطفل لم تهنأ بتربيته ولا تدليله، حيث مات وهو رضيع فحزنت عليه حزناً شديداً، ولكنها لم تفقد الأمل في حُلم الأمومة وباتت تنتظر العوض بطفل آخر يملأ حياتها ويعيد إليها البسمة التي غابت بغياب طفلها الوحيد.
وقد كان، فخلال سنوات قليلة جاءتها المولودة الثانية، طفلة جميلة بعينين جميلتين وثغر باسم وشفتين ورديتين، ومسحة من براءة الأطفال ملأت وجهها فأشرقت الشمس مجدداً في حياة الأم الحنون، فردوس محمد التي لم تكن بعد قد دخلت عالم التمثيل ولا تعرف شيئاً عن أدوار الأم وموهبة التقمص والإقناع، فهاهي قد عادت تمارس أمومتها الحقيقية بعد سنوات الانكسار والحزن، ونسيت مع طفلتها كل ما مضى من آلام، فجل سعادتها كانت في العناية بها واختيار ملابسها وعرائسها وما يليق بها من تسريحات الشعر والإكسسوارات المناسبة لسنها وبراءة طفولتها.
لكن أبت الأقدار إلا أن تعطيها درساً آخر في الصبر والجلد وتحمل المكاره، فلم يمر وقت طويل حتى فقدت الأم طفلتها الثانية، فما كان منها غير الحزن والانطواء والانخراط في العمل الفني واستدعاء هوايتها الأساسية التي ظلت كامنة لفترة طويلة تتحين اللحظة للانطلاق، فما كانت تؤجل من أجله حُلمها كممثلة قد أمسى سراباً ولم يتبق لها سوى الموهبة التي حباها الله بها لتكون طاقة الاستمرار والاحتمال، وبالفعل اعتنت فردوس محمد بالتمثيل الذي هوته منذ كانت طالبة في المدرسة الانكليزية، وطالما حاولت استثمار موهبتها فيه لمرات عديدة، لكن نتيجة لزواجها المبكر أرجأت حُلمها طويلاً حتى كادت أن تفقده، لولا أنها وجدت فيه السلوى بعد وفاة طفلتها الثانية وشعورها القاتل بالفراغ.
الكوميديا الخفيفة
بدأت الفنانة تتبع خيوط رحلتها في عالم الفن وتتلمس النجاح بمساعدة كبار النجوم، كعبد الوارث عسر وبشارة واكيم ونجيب الريحاني وبقية الممثلين من ذوي الخبرات الواسعة في مجال التمثيل والإبداع، واستطاعت أن تنهل من علمهم الكثير بشغف المُحبة الموهوبة، وقد أسندت إليها أدواراً أكبر من سنها في كثير من الأفلام، كونها اتسمت بالبدانة وكانت تتمتع بملامح إنسانية ووجه بشوش ونبرة صوتية تحمل الكثير من دلالات ومعاني وعمق الأمومة، ولهذا فلم يكن مُستغرباً أن تصبح الأكثر إقناعاً في دور الأم وأن تتميز فيه إلى حد التماهي والمعايشة الكاملة.
في فيلم “غزل البنات” مع نجيب الريحاني وليلى مراد لعبت دور الأم البديلة “المربية” حيث كانت المسؤولة عن ليلى، والمكلفة رعايتها وحمايتها من قبل والدها الباشا سليمان نجيب، وحسب الطبيعة الدرامية للأحداث تلون أداء فردوس محمد من التراجيديا الإنسانية المقبولة التي ميزت الكثير من أدوارها إلى تلك المسحة الكوميدية الخفيفة المتضمنة في المشاهد المشتركة بينها وبين الأستاذ حمام نجيب الريحاني، وكذلك لعبت الفنانة الكبيرة دور الأم المكفوفة مرتين في مشوارها الفني، كان الأول في خمسينيات القرن الماضي، مع محمود المليجي، في دور النصاب الذي استغل ظروفها الصحية وأدعى أنه ابنها الغائب العائد بعد عشرين عاماً من السفر، ولكنها كشفته بحاسة الأم المرهفة تجاه ولدها، أما الدور الثاني من تلك النوعية فكان مع عبد الحليم حافظ في فيلم “حكاية حُب” فهي أم أحمد سامي، المطرب الصاعد الذي تستضيفه الإذاعية آمال فهمي في برنامج “على الناصية” فيُكتب له النجاح ويصير مشهوراً، وهذا الفيلم بالتحديد ترك أثراً إيجابياً كبيراً لدى الجمهور من فرط الصدق الذي أدت به النجمة الراحلة دورها كأم لنجم الغناء عبد الحليم حافظ.
وقياساً على هذين الفيلمين جاءت أدوارها المختلفة في أفلام أخرى متميزة كان من بينها، “سيدة القصر” و”رد قلبي” و”ابن النيل” بالإضافة إلى فيلمي “ممنوع الحب” و”يوم سعيد” مع مُكتشفها الأول المخرج محمد كريم.
وبالعودة للأمومة الحقيقية في حياة الفنانة الكبيرة فردوس محمد، نجد أن الأقدار منحتها فرصة جديدة لتكون أما بشكل واقعي بعيداً صورتها التقليدية على الشاشة، فقد أنجبت طفلة وخشيت عليها من الموت فظلت تُخفي خبر ميلادها، إلى أن كبرت الطفلة وبات حتمياً أن تظهر معها في الحياة العامة وأمام الأهل والأصدقاء والأقارب، حينئذ ادعت الأم التي احترقت بنيران الفراق مرتين متتاليتين، أنها أتت بالطفلة من ملجأ الأيتام، وتحملت إزاء هذه الكذبة البريئة العديد من أوجه النقد وعدم التصديق.
والغريب أن سميرة الابنة الوحيدة للفنانة القديرة عاشت وملأت حياتها زهواً وفرحاً، بيد أن شيئاً آخر تغير وعاد ليطفئ الفرحة في عينيها، لقد أصيبت فردوس محمد الفنانة والإنسانة والأم بمرض عضال تركت على أثره الحياة بحلوها ومرها وقسوتها، لتبقى في الذاكرة صورة حية على الشاشة للأم المثالية.