الثلاثي أبو حمد: نقدم الموسيقى التي تشبهنا والأغنية اللبنانية منغرسة في وجداننا
بيروت: القدس العربي “زمن تاني” جديد فرقة “رند” أغنية وكليب يثيران الشجن. بين كلمة تنكش في الذكريات المعشعشة بين الأمكنة، وبين صورة تسرد حال المنازل الفارغة ينبعث الحنين. تُنفض الغبار وتعود الحياة إلى سابق عهدها. إنه الأمل الذي تقوله الأغنية في خواتيمها.
“رند” فرقة موسيقى شعبية كلاسيكية تتألف من الأشقاء الثلاثة يوسف وليلي وجمال أبو حمد. ثلاثي درس العزف على البيانو منذ الصغر، ومن ثم تابعوا الدراسة في المعهد الموسيقي الوطني. وهم يستثمرون معرفتهم الموسيقية في خلق تجربة فريدة تمزج بين الصوت والبيانو لأداء أعمال كلاسيكية شرقية وغربية. اختصاصاتهم المهنية ليست في مجال الفن، فيوسف مهندس زراعي حاصل على ماجسير في إدارة الأعمال. وليلي مصممة معالم طبيعية ومهندسة زراعية. وتخرجت جمال من معهد الفنون السمعية والبصرية في جامعة القديس يوسف وتابعت برنامجاً تمثيلياً مكثفاً في لوس أنجلس.
مع فرقة “رند” هذا الحوار:
*كإخوة درستم عزف البيانو منذ الطفولة فهل خطر لكم تأسيس تريو غنائي مبكراً؟
**يوسف: لاحت الفكرة كطيف من بعيد، وراحت تتضح وتنمو مع الوقت.
*من حركش أكثر لتصبح الفكرة حقيقة يوسف أم ليلي أم جمال؟
**ليلي: ساهمت والدتنا من دون قصد بظهور الفكرة إلى الحياة. كانت والدتي ناشطة في جمع التبرعات لصالح جمعية تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة. اقترحت أن نقدم حفلاً. تشجعنا نحن الثلاثي وبدأنا التمارين على بعض الأغنيات وأديناها برفقة البيانو في شهر أيار/مايو من سنة 2013. حصدنا التشجيع والترحيب في هذا الحفل، فراحت فكرة التريو الغنائي تُلحُّ علينا.
*ومتى ولدت “رند” كفرقة؟
**يوسف: في 12 أيلول/سبتمبر سنة 2013.
*جديد “رند” أغنية “زمن تاني” التي تُضاف إلى أغنياتكم الخاصة الست. من يتنصت إلى كلامها يشعر وكأنكم تنتمون لغير زمننا؟
**جمال: بل نحن من هذا الزمن. شخصياً أعيش زمني حيث يجب، إنما الزمن الماضي الذي لم أعشه هو شغفي في اللاوعي. ينقلني خيالي إلى الماضي الذي أعرفه بالصورة والقراءة والسرد الشفهي. وقد يكون خيالي هو “زمن تاني” إنما نحن شباب ننتمي إلى عصرنا حيث يجب، ولا نرحب كثيراً بما ينسجه من غرائب خاصة على صعيد العلاقات الإنسانية. الفن الذي أقدمه يسمح لي بالتمرد نسبياً على هذا الزمن.
*بصراحة مفاجئ تعبير فرقة “رند” عن الطبيعة. تنقلون المتلقي إلى زمن زكي ناصيف خاصة على صعيد الكلمة؟ أين انتم كشباب بين القديم والحديث؟
**يوسف: نقدم الموسيقى التي تشبهنا. لسنا منقطعين عن الطبيعة، وتواصلنا كبير مع الضيعة. والأغنية اللبنانية منغرسة في وجداننا، ونحاول تقديمها بقالب جديد يشبه فرقة “رند”. عندما نسمح للأغنية بالخروج للناس يجب أن نرضى عنها كلاماً ولحناً وتسجيلاً. وينطلق هذا الرضى من دراستنا للموسيقى واجتهادنا لتقديم عمل جيد تقنياً وفنياً. نعيش عصر السرعة نعم، لكننا موسيقياً نترك لأعمالنا أن تنضج “برواق” وصولاً إلى منتج يحترم المستمع والمشاهد.
جمال: إن كان السؤال هل نحن في القديم أم الجديد؟ في رأيي أننا جدد نستوحي من القديم، ونحافظ عليه بأسلوب جديد. لا قدرة لنا بالإنسلاخ عن الماضي ولا الإلتحاق كلياً بالحاضر. نشكل مزيجاً بين زمنين، وهو الغنى الذي تقدمه “رند”.
*كليب أغنية “زمن تاني” والغبار المتصاعد من البيت العتيق أعادني إلى الرابع من آب/اغسطس. كم تأثرت الأغنية والتصوير بالإنفجار؟
**يوسف: كانت الأغنية معدّة قبل الانفجار، وغنيناها كثيراً في حفلاتنا. عند كتابتي لكلماتها فكرت بمشاعر شخص فقد حبيبته، وكيف له أن يتصرّف. من يتابع الكلمات والفيديو كليب قد يربط “زمن تاني” بالانفجار كونها تتحدث عن فقدان الأحبة. إنما في متن الأغنية والكليب رسالة أمل.
*نشرت المخرجة غباراً دهرياً من البيت العتيق واسترجعت الحزن الدفين؟
**تعلق المخرجة جمال ضاحكة: نحن ماهرون في استنهاض الحزن. ومن المعروف أن المعاناة نبع لإستيلاد الأفكار الفنية. تتدفق الأفكار من مشاعر الفقدان، أو الحنين بما يفوق تلك التي يبعثها الفرح. نضُجت أفكار الكليب بعد سماعي للأغنية حوالي 200 مرّة، وفي كل منها كانت المشاهد تتكون عندي، وصولاً إلى المشهد المقنع. لبّ الفيديو كليب يتمثل باليدين اللتين لمستا باقة الأزهار فمدّتها بالحياة. وبمجرد التفكير بدور اليدين في إحياء الأشياء تخطر لي والدتي. ومن هنا ولدت فكرة الأم التي ربما غادرت إلى بلد آخر، أو دنيا ثانية، أو زمنٍ ثانٍ. مرّ الزمن وبقيت باقة الأزهار على حالها، تستمد حياتها من لمسات الأم. ولأن الأم مرّت في هذا المنزل نفضنا الغبار عنه وأحييناه في نهاية الفيديو كليب. إذاً روح الأم باقية ولا تغادرنا.
*هل كانت ليلي موافقة على بوستر “زمن تاني” حيث ظهر التريو “رند” مطأطئ الرأس وحزينا؟
**ليلي: لا شك. فالبوستر شديد التعبير عن الأغنية. عندما استغرق في التفكير وأنخطِفُ نحو زمن آخر، يتجه نظري صعوداً أو نزولاً. ولهذا وجدت البوستر مناسباً جداً للأغنية. وبمجرد رؤية البوستر سيكتثف المرء موضوع الأغنية حتى قبل سماعها.
جمال: خياراتنا الفنية ضمن فرقة “رند” وبخاصة في الفيديو كليب تستدعي موافقة يوسف وليلي لتسلك طريق التنفيذ، أو تبقى فكرة. والمعادلة تسري على كلمات الأغنية وتوزيعها الموسيقي وغير ذلك من التفاصيل. نختلف أكيد، لكننا مصممون للوصول إلى الإقناع والإقتناع.
يوسف: ظهرنا بمشاعر الحزن انسجاماً مع الزمن الثاني. هو شكل ينتمي للمضمون. العمل على صورتنا يجب أن يتلائم ويتناسب مع الأغنية كلاماً ولحناً، ومع التوزيع والتسجيل والأداء.
*”زمن تاني” الأغنية السابعة ضمن ريبرتوار “رند” الخاص. تعتمدون يوتيوب للنشر. السؤال عن حال الإعلان؟
**نعتمد التسويق الرائج أي التواجد على كافة المنصات الإلكترونية الحديثة. نخطط للتسويق وندرسه ليطال كذلك محطات التلفزيون.
*وكم هذا مُكلف؟
**يوسف: بالإجمال لكل خطة تسويقية كلفتها. ثمة منصات دون بدل مادي وأخرى تطلب المال. نحن فرقة موسيقية مستقلة، ننتج بذاتنا، وهذا يحفظ حريتنا في الإختيار وفي تقديم قناعاتنا الفنية.
ليلي: بالنسبة لنا الموسيقى شغف. نمنحها كل ما تحتاجه لتصل وتمس كل من يحيط بنا. عندما نحقق إنتاجاً نستثمره بأغنيات جديدة.
*بعد الحفل الذي أحييتموه بدفع من والدتكم كنتم جاهزين للإطلالة على الناس؟
**ليلي: ما من جهوزية تكتمل، بل تحتاج دائماً لرفدها بالخبرة العملية أمام الجمهور. تبع الخطوة الأولى تركيز على مزيد من العمل.
يوسف: بما أننا من طلاب المعهد العالي للموسيقى الذي انتسبنا إليه بعد دراسة على يد استاذ خاص بالبيانو، فنحن استفدنا من المواد النظرية إلى جانب العزف. ومن جهة أخرى كنا منتمين ولا نزال إلى جوقة الجعيتاوي الكنسية، ومنها تعلمنا الكثير.
*على ذكر جوقة الجعيتاوي أعرف أن أصدقاء لكم جرحوا أو غابوا عنّا بتفجير 4 آب. فهل استدعى ذلك تعبيراً ما من قبل “رند”؟
**يوسف: كُثُر وجدوا صلة بين أغنية “زمن تاني” والانفجار، وبأشخاص فقدوهم. بالتأكيد فقدنا أصدقاء، وتأثرنا. “زمن تاني” لها وقع مؤثر على كل من أصابه تفجير الرابع من آب/اغسطس. حتى ولو كانت الأغنية قديمة العهد فهي مؤثرة. بالعودة إلى التسلسل الزمني ففي سنة 2009 سكننا الشغف بأن نلتقي وديع الصافي، وحينها لم تكن فرقة “رند” قد ولدت. التقينا بالصافي تحادثنا وغنينا معاً في لقاء جميل للغاية. قبل المغادرة قال لي ما لا أنساه “عليكم كجيل جديد الحفاظ على الأغنية اللبنانية”. وهذا ما باشرنا به منذ سنة 2013. نحن نحافظ على القديم ونقدمه بأسلوب متجدد كما ذكرت جمال سابقاً.
*إذاً كيف للأغنية القديمة التي تعتمد في موسيقاها على العود والطبلة والمزمار أن تسلك طريقها مع البيانو فقط؟
**جمال: برزت في خاطري كافة الآلات التي ذكرتها ولم أجدها مناسبة لأغنية “زمن تاني”. القالب الجديد الذي نتحدث عنه لا يكمن فقط في اللحن والكلام والأداء، بل أيضاً في التوزيع الموسيقي. على سبيل المثال تتضمن أغنية “كيف بحبك” آلات شرقية عدّة من الناي، والإيقاع إلى جانب البيانو الهادئ جداً. بالتأكيد الأغنية واللحن هما من يحددان خلطة الآلات.
يوسف: وهذا ما نتفق بشأنه مع الموزع مارك أبو نعوم عبر جلسة نقاش طويلة.
*إن لم تجد قريحة يوسف بكلمات أغنية جديدة كم تصمد ليلي وجمال في الإنتظار؟
**ليلي: أنا ملحاحة قليلاً. لكني أوافق يوسف وجمال على ضرورة التأني وصولاً إلى نوعية جيدة جداً. تقديم أغنية سنوياً لفرقة مستقلة أمر جيد. وهذا العام رغم صعوباته انتجنا أغنيتين.
*هل تستشيرون أحداً في الكلام واللحن أم تكتفون بالنقد الذاتي كتريو؟
**يوسف: دون شك نعمل للاستئناس بآراء البعض، ويبقى الرأي الحاسم لنا. إن لم يوافق أحدنا على نقد ما فلا نسلّم به. لسنا في عجلة من أمرنا ونعطي الجانب التقني حقه كاملاً حفاظاً على مستوى أغنية راقية.
ليلي: نحن أشقاء إنما لكل منا رأيه.
*وهل من ثوابت تلتقون حولها؟
**جمال: إنها الكلمات واللحن والتوزيع والأداء الراقي، ومن ثم تأتي الصورة في الفيديو كليب ملتزمة للمعيار نفسه. إنها الثوابت الخمس التي ندقق بها قبل إطلاق أية أغنية.
*وعلى ماذا تختلفون؟
**جمال: على أمور كثيرة، وهذا ما نضعه في خانة الغنى لأننا في النهاية نعود للاتفاق، وبغير ذلك لن تصل نتيجة عملنا للناس.
*أغنية “كيف بحبك” تتضمن جملة تقول “بحبك بِحْضان الوادي”. نلمس في الكلام تأثراً واضحاً للشاعر بالطبيعة. من أين لك هذا؟
**يوسف: في الواقع كلمات “كيف بحبك” لإيميلي خوري كتبتها في القرن الماضي. وصلتنا تلك الكلمات عبر حفيدها الياس الحايك الذي كتب بعض أغنياتنا. الكلمات الواردة في “كيف بحبك” تُستعمل بنُدرة، وقد لجأنا للمُنْجِد بحثاً عن معانيها كما الدردار والشخروب.
*لماذا اسم “رند” أي الغار؟
**يوسف: اخترنا الإسم كونه يرمز للمجد والانتصار والرائحة الجميلة. وعندما كنا بصدد ايجاد الإسم لجأت للمنجد وبدأت قراءته صفحة صفحة. اكتشفنا “رند” وتوافقنا حولها.
*تصوير أغنية “زمن تاني” سمته الحالة الطبيعية. فماذا عن تفاصيله؟
**جمال: في أغلب الكليبات أتولى الإخراج والتصوير معاً، لأني أعرف ما أريده. كان تواؤم بين الصورة والإخراج خاصة صورة البداية التعبيرية جداً للدرج. والتصوير بالكامل تمّ في بلدة عازور- قضاء جزين.
*إلى “زمن تاني” هل من جديد آخر؟
**جمال: بهدف تسويق أغنياتنا بحدود ما ابتكرنا هذا العام تشكيلة ملابس بدأت مع أغنية “كيف بحبك” وهي عبارة عن قميصين وتي شرت. وكان تعاون مع الرسّام باسم علوان الذي صمم الشكل وكتب كلمات الأغنيات على القميصين والتي شرت، وعرضت للبيع عبر موقعنا الخاص، وما نجنيه يعود لإنتاج أغنيات جديدة.
يوسف: وإلى تشكيلة الملابس أضيف أننا هذا العام شاركنا بحملة تهدف لجمع تبرعات لمركز سرطان الأطفال. وأنجزنا فيديو كليب بالتعاون مع السفارة الألمانية في الأردن حيث أعدنا غناء إحدى أغنياتنا. كان ذلك في زمن كورونا المتواصل، وقد سجلنا أغنية “شو صايرلك” في المنزل، وعُرض الكليب أونلاين.