باريس- “القدس العربي”:
من جديد؛ عاد الجدل في فرنسا حول وضعية الأشخاص المدرجة أسماؤهم ضمن قائمة ما يعرف ب“Fiche s” ( فيشييه-س) لأولئك الذين تراقبهم أجهزة الأمن والاستخبارات للاشتباه في أنهم يشكلون خطرا على الأمن القومي الفرنسي، بما في ذلك احتمال ارتكابهم عمليات إرهابية؛ وذلك بعد الكشف أن منفذ اعتداء مدينة ستراسبورغ قبل يومين – لاتزال السلطات تبحث عنه حتى اللحظة – مصنفٌ ضمن هذه القائمة.
فقد بادر اليمين واليمين المتطرف إلى ادانة اعتداء سوق الميلاد في مدينة ستراسبورغ ، الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة الخطيرة؛ لكنهم انتقدوا بشدة سياسة الحكومة في التعامل مع الأشخاص المصنفين ضمن قائمة “Fiche s” للإرهابيين المحتملين والمطالبة باتخاذ إجراءات حازمة بحقهم. ولاحظ المتابعون للشأن الفرنسي أن الأحزاب اليمينية لم تبادر إلى التنديد بأعمال العنف والتخريب التي قام بها متظاهرو السترات الصفراء وشملت تخريب قوس النصر المعلمة التاريخية لمدينة باريس، مثلما فعلت مع هجوم سترازبورغ.
ولم يتطلب الأمر سوى ساعات قليلة بعد الهجوم الإرهابي في مدينة ستراسبورغ ليهاجم زعيم حزب “الجمهوريين” اليميني التقليدي لوران فوكييه الحكومة منتقدا ما وصفه بالإدارة السيئة لملف المصنفين ضمن “ Fiche s” على غرار منفذ شريف شكاط منفذ اعتداء ستراسبورغ الذي وضعته المخابرات الفرنسية عام 2016 ضمن قائمة الإرهابيين المحتملين.
وتساءل فوكييه : كم من هجوم إرهابي ينفذه هؤلاء الأشخاص؛ يجب علينا أن نكون ضحيته قبل أن نلائم قوانيننا مع ضرورة محاربة الإرهاب؟!.
ولمواجهة التهديدات الإرهابية؛ يطالب حزب “الجمهوريين” بإعادة فرض حالة الطوارئ وتوقيف الأشخاص المصنفين ضمن قائمة الإرهابيين المحتملين الأخطر وترحيل غير الفرنسيين منهم إلى بلدانهم. وهي المطالب التي دافع عنها أعضاء الحزب؛ حيث حذّر النائب البرلماني و الخبير في قضايا الأمن بالحزب إريك سيوتي من مغبة أن 500 شخص من المتطرفين الإسلاميين سيخرجون من السجن قريباً؛ لذا يجب اعتقال الأكثر خطورة بينهم.
بدورها، دعت فاليري بيكرس رئيسة منطقة باريس وضواحيها (إيل دو فرانس) والتي توصف بأنها أبرز معارضي لوران فوكييه؛ دعت إلى القيام بإجراء مشددة ضد هذه الفئة من الأشخاص، معتبرةً أن الحكومة ينبغي أن تشرع فوراً في تقديمهم للعدالة بتهمة التخابر مع العدو وتحييد خطرهم عبر قانون عقوبات رادع بحق هؤلاء الذين أعلنوا الحرب على فرنسا، على حد وصفها.
أما زعيمة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتشدد مارين لوبان، فقد دعت من جهتها إلى القيام بتغيير جذري في سياسية التعاطي مع المصنفين ضمن قائمة الإرهابيين المحتملين بسبب ما وصفته بفشل السياسة الحالية لمواجهة الإرهاب. واستغربت لوبان قائلة إنها “لا تدري
ما الذي يفسر امتناع فرنسا عن مهاجمة الأصولية الإسلامية التي هي فكر قتالي قاتل!؟”.
لكن الحكومة رفضت هذه المقترحات التي تقدم بها حزب “التجمع الوطني” و حزب “الجمهوريين”، حيث انتقد بنجامين غريفو الناطق باسم الحكومة توقيت تصريحات لوران فوكييه ومارين لوبين قائلا إنه “في الوقت الذي كان فيه أشخاص يموتون وآخرون يواجهون إصاباتهم وبينما لا تزال عمليات الشرطة مستمرة للبحث عن منفذ اعتداء ستراسبورغ ؛ شاهدنا سباق تدوينات غير مجدية بين لوران فوكييه ومارين لوبين!”.
وتؤكد الأرقام الرسمية أن عدد الأشخاص المصنفين على أنهم على وشك التحول إلى إرهابيين في فرنسا، يبلغ 26 ألف شخص بينهم 10 آلاف متطرف، لكن نصفهم فقط يشكلون قلقا حقيقياً للسلطات الأمنية؛ وهو ما يجعل عدد الأشخاص الذين يشكلون تهديدا حقيقيا لا يتجاوز 3 آلاف يجب مراقبتهم.
وتقوم السلطات الأمنية بمراقبة هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم والمقربين منهم إلكترونياً؛ لكن الخلاف يكمن في طريقة التعامل مع المعلومات التي يتم جمعها ومدى قانونية التنصت على هؤلاء واستخدام المعلومات التي يتم جمعها عنهم في إطار محاربة الإرهاب بشكل استباقي. ويعتقد بعض المختصين أن
مضاعفة التنصت وتصنيف الأشخاص على أنهم جهاديون محتملون لن يكون ذا جدوى ما لم يتم توظيف تلك المعطيات للمتابعة القضائية.
وكان وزير الداخلية الحالي كريستوف كاستانير قد وقّع، في منتصف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تعميماً يسمح لرؤساء البلديات بالاطلاع على قائمة الأشخاص المقيمين في بلدياتهم والذين يمثلون خطرا بميولهم إلى التطرّف الإسلامي. وهو إجراء كان الرئيس إيمانويل ماكرون قد وعد باتخاذه خلال اجتماع مع عمد فرنسا في شهر مايو/ أيار الماضي. وقد رحب به كريستيان إستروزي (حزب الجمهوريين) عمدة مدينة نيس التي شهدت اعتداءًا إرهابياً دامياً في 14 يوليو/تموز 2016 خلف 86 قتيلاً.
وغداة اعتداء ستراسبورغ مساء الثلاثاء المنصرم، أكد إستروزي المنتمي أنه تطبيقاً لقرار وزير الداخلية سيطلب من الوزارة تزويده بقائمة المصنفين ضمن “ Fiche s” المقيمين في بلدية نيس. وهو ما سيسمح له بتتبع هؤلاء الأشخاص عبر تطبيق إلكتروني يتعرف على خصائص الوجه موجود لدى مركز المراقبة الحضرية بالمدينة، ويسمح كذلك بمراقبة تحرك الأشخاص في النقل العمومي والشوارع الكبرى والأماكن العامة. لكن استخدام هذا التطبيق يتطلب الحصول على ترخيص من الدولة، كما أوضح كريستيان إستروزي.