فرنسا: أي تحديات تنتظر إيمانويل ماكرون في فترته الرئاسية الثانية؟

آدم جابر
حجم الخط
1

باريس ـ «القدس العربي»: بعد إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية وأخيرة، أصبح الوسطي إيمانويل ماكرون، البالغ من العمر 44 عاماً فقط، أول رئيس منتهية ولايته يُعاد تعيينه خارج نطاق «التعايش» (أي أن يكون الرئيس ورئيس الوزراء من حزبين سياسيين مختلفين) منذ اعتماد الاقتراع العام المباشر في عام 1962 وهو أيضًا ثالث رئيس فرنسي تحت ظل الجمهورية الخامسة يحظى بفترة رئاسية ثانية بعد الاشتراكي فرانسوا ميتران (1981-1995) واليميني الديغولي جاك شيراك (1995-2007). ومع ذلك فإن فوز إيمانويل ماكرون يوم الـ24 من نيسان/ابريل 2022 على منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، لا يمنحه شيكًا على بياض للسنوات الخمس المقبلة، إذ تنظره جملة من التحديات الكبيرة ومنها:

اختيار رئيس الوزراء

سيكون اختيار رئيس وزراء جديد وتشكيل الحكومة الأولى لفترة الخمس سنوات الثانية لماكرون ضروريين، وهي معادلة تبدو دقيقة.
ففي خطاب فوزه، قال الرئيس الفرنسي إنه يعلم أن عدداً من الفرنسيين صوتوا له ليس دعما للأفكار التي يحملها بل للوقوف في وجه أفكار اليمين المتطرف، مشددا على أن هذا التصويت يلزمه للأعوام الخمسة المقبلة، وأن الغضب والاختلاف في الرأي اللذين قادا من صوت لليمين المتطرف (تصويت قياسي) يجب أن يجدا أجوبة. ناهيك عن نسبة عزوف عن التصويت قياسية وغير مسبوقة في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية منذ عام 1969.
ويبدو أن ماكرون يعتزم تجديد حكومته إلى حد كبير، مع الإبقاء على عدد قليل من الوزراء الحاليين. فمع 42 وزيرًا وكاتب دولة حاليين، تؤكد مصادر متعددة داخل أغلبية إيمانويل ماكرون، أن الأخير يُريد هذه المرة توحيد الصفوف. وحسب غالبية وسائل الإعلام الفرنسية، فإن الحكومة المقبلة ستتألف من 10 إلى 15 حقيبة وزارية. لكن كما كان الحال عقب الانتخابات الرئاسية في عام 2017 يمكن توسيع هذه الحكومة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.
المؤكد حتى الآن، على ما يبدو، هو أن رئيس الوزراء الجديد سيتم تعيينه قبل يوم الـ13 أيار/مايو المقبل، وهو التاريخ الرسمي لانتهاء صلاحية الفترة الرئاسية الأولى لإيمانويل ماكرون. ومن الوارد أن يتم التجديد لجان كاستكس، رئيس الوزراء الحالي، والعمدة اليميني السابق لبلدية براديس، حتى الانتخابات التشريعية في منتصف شهر حزيران/يونيو المقبل. ولكن، سواء كان ذلك قبل أو بعد هذا الموعد الانتخابي، سيتعين معالجة اختيار الساكن الجديد لـ«ماتينيون» (مقر رئاسة الحكومة) والذي أشار «ساكن الإليزيه» (الرئيس الفرنسي) إلى أنه سيكون شخصية «ملتزمة بالمسألة الاجتماعية والمسألة البيئية والمسألة الإنتاجية». خلال حملته الانتخابية، كان ماكرون قد وعد في حالة إعادة انتخابه بأن يكون رئيس وزرائه مسؤولاً عن «التخطيط البيئي» كأولوية.
لكن بعد الانتخابات الرئاسية والمشهد السياسي الذي أفرزته مع الأرقام الكبيرة التي حققها كل من اليمينية المتطرفة مارين لوبان واليساري الراديكالي جان ليك ميلانشون، فإن المعادلة قد تتغير، كما نقلت صحيفة «لوبارزين» الفرنسية عن «صديق مقرب للرئيس الفرنسي» لم تذكر اسمه، قائلا: «قبل كل شيء، سنحتاج إلى رئيس وزراء يكون سياسيا محنكاً للغاية لأن الهدف الأساسي هو الفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة والاحتفاظ بأغلبيتنا البرلمانية».
لخلافة جان كاستكس، القادم من حزب «الجمهوريون» اليميني الديغولي، على رأس الحكومة، يتم منذ عدة أيام تداول اسمين ضمن الحكومة الحالية، الأول هو وزير الزراعة جوليان دينورماندي، الذي يعد من المقربين جداً للرئيس ماكرون وداعميه من اللحظة الأولى، والثانية هي وزيرة العمل إليزابيت بورن. كما يتم تداول اسم العمدة الاشتراكي السابق لباريس برتران دي لانوي، أو اسم نيكولا نوتا النقابية السابقة المعروفة، وهما من اليسار. وأيضا يتم تداول اسمي كريستين لاغارد، الرئيسة الحالية للبنك المركزي الأوروبي، والوزيرة السابقة ناتالي كوسيسكو-موريزي، وهما المحسوبتان على يمين الوسط.
ويطرح البعض أيضا اسم وزير الداخلية الحالي جيرار دارمانان، ووزير الاقتصاد برونو ولومير، في حال آثر الرئيس إيمانويل ماكرون الإبقاء على رئيس وزراء من اليمين التقليدي. وفي هذه الخانة يبرز أيضا اسم كريستيان استروزي، عمدة مدينة نيس. ونقلت إذاعة «فرانس انفو» عن وزير لم تذكر اسمه قوله إنه «من المأمول هذه المرة اختيار شخصيات وازنة لتجسيد المشاريع الكبرى للسنوات الخمس المقبلة، بما في ذلك ملفات معاشات التقاعد والبيئة والتعليم وحتى الصحة».

الحفاظ على الأغلبية: مفتاح الإصلاحات الموعودة

بعد فوز إيمانويل ماكرون بنسبة 58.55 في المئة من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يوم الأحد الماضي، يَستعد معسكره لانتخابات 12 و 19 حزيران/يونيو المقبل التشريعية والتي تعد ذات رهان كبير بالنسبة للرئيس إيمانويل ماكرون وحزبه الوسطي «الجمهورية إلى الأمام» وحلفائه، من الساعين إلى الحفاظ على الأغلبية التامة التي كانت في حوزتهم خلال السنوات الخمس الماضية للفترة الرئاسية الأولى للرئيس الفرنسي.
كما يُعد هذا الاستحقاق المقبل تحدياً سياسياً واستراتيجياً للأحزاب السياسية. فبالكاد أعيد انتخاب إيمانويل ماكرون، وركزت المُعارضة بشتى اتجاهاتها على الانتخابات التشريعية، مع تقديمها على أنها «جولة ثالثة» حاسمة، بعد الجولة الأولى والثانية للانتخابات الرئاسية، كونها تشكل فرصة للأحزاب التي اقصيت من الانتخابات الرئاسية، لاسيما تلك التي حققت نتائج جيدة، من أجل محاولة أن يكون لها ثقلاً خلال السنوات الخمس المقبلة، من خلال تشكيل تحالفات. وعلى اليسار حيث يبدو جان ليك ميلانشون، زعيم حركة «فرنسا» الأبية اليسارية، في موقع قوة، من أجل اقتراع يومي 12 و19 حزيران/يونيو المقبل، بعد أن حلّ ثالثا في الانتخابات الرئاسية مع حصوله في الجولة الأولى على حوالي 22 في المئة من أصوات الناخبين بفارق نقطة واحدة عن مارين لوبان. ودعت «فرنسا الأبية» إلى انتخاب زعيمها رئيسا للوزراء «بمنحه الأغلبية في البرلمان، وبالتالي فرض فترة تعايش» على الرئيس ماكرون، الذي اعتبر ميلانشون أنه «أسوأ رئيس منتخب في الجمهورية الخامسة» و«يسبح في محيط من الامتناع عن التصويت» في إشارة إلى نسبة الامتناع عن التصويت القياسية التي عرفتها انتخابات الأحد الماضي. وسعياً إلى الوصول لهذا الهدف، بدأت حركة «فرنسا الأبية» نقاشات مع الحزب الاشتراكي وحزب «الخضر» (أنصار البيئة) بهدف تشكيل تحالف يساري في الانتخابات التشريعية.
لدى أقصى اليمين، قررت مارين لوبان العودة إلى المعترك الانتخابي بعد هزيمتها الثانية بالتوالي في الجولة الثانية من رئاسيات 2017 و2022 حيث تهدف إلى انتخاب أكبر عدد من نواب حزبها «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، ليصبحوا الخصم الأول للرئيس إيمانويل ماكرون. فخلافاً لليسار، يُغرد كل من أحزاب اليمين لوحده، على الأقل خلال الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، إذ استبعد حزبُ مارين لوبان أي تحالف مع حزب «الاسترداد» اليميني المتطرف الآخر، بزعامة إريك زمور، من دون استبعاد تنازل في الجولة الثانية. غير أن «الكتلة الرابعة» وهي كتلة الامتناع عن التصويت الذي وصلت نسبته في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية 28 في المئة، تبقى أحد رهانات هذه الانتخابات التشريعية.

أهم مشاريع فترة «ماكرون 2 »

خلال فترته الرئاسية الأولى واجه الرئيس العديد من الأزمات، في مقدمتها أزمة «السترات الصفراء» وإصلاح المعاشات الخاصة بالتقاعد وإجازة التطعيم ضد كوفيد-19. وكان ماكرون موضوع احتجاجات شديدة في صفوف الناخبين الفرنسيين وتسبب في بعض الانزعاج بسبب بعض تخريجاته. وهي وضعية يمكن أن تضعف التأييد لسياسته «الجديدة» لا سيما وأن 40 من الفرنسيين الذين يكسبون أقل من 1600 يورو شهريًا صوتوا لصالح جان ليك ميلانشون في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية أو امتنعوا عن التصويت، وهو ما سمح للأخير بتسجيل نتيجة غير مسبوقة.

تعزيز القوة الشرائية

بعد أن فرضت نفسها كالموضوع الرئيسي الذي خيم بقوة على حملة الانتخابات الرئاسية، سيكون على الحكومة التي سيختارها ماكرون لفترته الرئاسية الثانية أن تجد السبل والوسائل للمصالحة بين المواطنين والمسؤولين المنتخبين، ومعالجة مسألة القوة الشرائية، إذ سيتعين على الرئيس الفرنسي وحكومته الاستمرار في دعم الطبقات الفقيرة والمتوسط في مواجهة الزيادة في أسعار الطاقة والمنتجات الغذائية اليومية. مع الإشارة إلى أن نظام الخصم الذي يتراوح بين 15 و18 سنتا على لتر الوقود سينتهي في نهاية تموز/يوليو المقبل. بدون تخفيضات بحلول ذلك الوقت، سيتعين تمديده أو تنفيذ أدوات أخرى لتقليل الفواتير. السؤال المطروح هنا هو ما هي عواقب ذلك على المالية العامة؟
ويلقي الوضع في الجانب الآخر من أوروبا بثقله على الاقتصاد العالمي بشكل عام، وعلى الاقتصاد الفرنسي بشكل أكثر تحديدًا، مما يتسبب بشكل خاص في نقص القمح والزيت وارتفاع أسعار بعض الأطعمة، بما في ذلك الحبوب. وقد يفقد النمو نقطتين مقارنة بنسبة 4 في المئة التي كانت متوقعة. وبصرف النظر عن النمو الذي تم بتره بالفعل بسبب الوضع في أوكرانيا، سيتعين على إيمانويل ماكرون التعامل مع التضخم، الذي وصل حوالي 4.5 في المئة في شهر آذار/مارس الماضي، ومن الممكن أن يتسارع خلال هذه الفترة الرئاسية الثانية لماكرون بسبب نقص الغذاء الذي يؤثر على القوة الشرائية، التي تعد الشاغل الأكبر والأول للفرنسيين.
إذا كان ماكرون قد واجه الأزمة الصحية، فسيتعين عليه مع ذلك تحمل عواقبها. فمع عجز تجاري بلغ 84.7 مليار يورو، وهو الأسوأ في تاريخها، ودين عند 112.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 أو 2813.1 مليار يورو، تخاطر فرنسا بالاقتراض مرة أخرى بشكل كبير، بينما تستمر أسعار الفائدة في الارتفاع.

معاشات التقاعد

لم يستطع مشروع الإصلاح لعام 2019 أن يرى النور، ومن هنا جاءت رغبة إيمانويل ماكرون في التحرك بسرعة، لأن هناك حاجة ملحة لإصلاح النظام. فعدم لمسه يعني المخاطرة بخفض المعاشات ذات يوم. علاوة على ذلك، نظرًا لأن هذا الإصلاح لا يحظى بدعم شعبي كبير، فإن الطريقة الوحيدة لتمريره هي تصفح الشرعية التي تمنحها الانتخابات في بداية الفترة الرئاسية الثانية لماكرون، كما يقول فيكتور بويرير، مدير النشر في معهد «مونتين» لصحيفة «20 دقيقة» الفرنسية.
خلال حملته الانتخابية، أعلن إيمانويل ماكرون بالفعل عن نيته تمديد سن التقاعد ورفعه تدريجياً إلى 64 بحلول عام 2027 قبل أن يرفعه إلى 65. غير أن هذه الخطة لاقت انتقادات كثيرة وأزعجت الكثير من الناخبين، مما دفع الرئيس المُعاد انتخابه إلى التلويح بإمكانية التطوير، دون الخوض في نهاية تفسيراته، التي ظلت غامضة بالنسبة للكثيرين. سيتعين عليه إجراء استشارة حقيقية إذا كان لا يريد أن يلقى إصلاح المعاشات التقاعدية الجديد نفس مصير الإصلاح السابق، ويثير احتجاجات في الشارع.

التحرك لصالح التحول البيئي

تعد حالة الطوارئ المناخية أحد الاهتمامات الرئيسية للفرنسيين، لاسيما الشباب، الذين صوت الكثير منهم للمرشح اليساري جان ليك ميلانشون، والذي وضع هذه النقطة في قلب برنامجه الانتخابي، بشكل أكثر وضوحاً حتى من برنامج حزب «الخضر» (أنصار البيئة).
وأشار أحدث تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ «IPCC» إلى أن أمامنا ثلاث سنوات للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. في الوقت نفسه، تنص أهداف اتفاقية باريس لفرنسا على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 40 في المئة بحلول عام 2030 مقارنة بمستواها في عام 1990. وهو هدف معادلة الكربون في عام 2050. وهذا يستدعي اتخاذ تدابير سريعة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في جميع القطاعات، كما يشدد على ذلك العديد من الخبراء والمختصين. ويعتقد البعض أن الفكرة الأساسية لإيمانويل ماكرون باختيار رئيس وزراء مسؤول عن التخطيط البيئي جاءت من هنا، بحيث يصبح هذا الموضوع شاملاً لجميع الوزارات.
كما أعرب الرئيس الفرنسي عن رغبته في بناء ست محطات طاقة نووية من الجيل الجديد، لإنشاء 50 مزرعة رياح بحرية بحلول عام 2050 وتجديد 700 ألف منزل سنويًا، وإنتاج ملايين المركبات الكهربائية والهجينة. لكن الرهان يبدو معقداً، لأن الجهود المطلوبة من الأفراد ستتطلب منهم تغيير سلوكيات معينة، وهذا ستكون له تكلفة اقتصادية عليهم، قد لا تكون، علاوة على ذلك، بالضرورة متوافقة مع المستوى المرتفع لعدم المساواة الاجتماعية الحالية، بحسب بعض المهتمين. من أجل الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن رغبته في إنشاء نظام لتأجير السيارات الكهربائية بمبلغ 80 إلى 90 يورو شهريًا حسب الموارد.

وقف تصعيد
الحرب في أوكرانيا

تعد فرنسا الدولة العضو الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لديها قوة ردع نووية، وهي كذلك عضو في مجلس الأمن الدولي، وهو ما يعطيها وزنًا خاصًا في العلاقات الدبلوماسية. وقد لعبت فرنسا، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، حتى الآن، دورًا رئيسياً في الدبلوماسية الأوروبية بشأن الأزمة في أوكرانيا، مع دعم كييف من دون الدخول في حرب مع روسيا، التي تواصل الحديث معها. وسيتعين على إيمانويل ماكرون إدارة الخلافات الأوروبية بشأن مسألة الغاز والنفط الروسي. ومع ذلك، يعتزم الرئيس الفرنسي مواصلة «حوار الصم» مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا.
وعلى الصعيد الخارجي، أيضا، سيكون على ماكرون التعامل مع ملفات ساخنة أخرى، في مقدمتها الأزمة غير المسبوقة التي وصلت إليها العلاقة بين باريس وباماكو، الحليف التقليدي لفرنسا في غرب أفريقيا، لاسيما بعد كشف تقارير متطابقة عن استعانة المجلس العسكري الحاكم في مالي بمرتزقة فاغنر الروس، عقب إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون عن انتهاء عملية «برخان» العسكرية الفرنسية في الساحل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية