فرنسا: اقتراح تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول «الإسلاموفوبيا»

آدم جابر
حجم الخط
2

باريس ـ «القدس العربي»:بينما أظهرت عدة تقارير ودراسات في الأشهر والأسابيع الأخيرة أنه منذ هجوم السابع من أكتوبر عام 2023 الذي نفذته حركة حماس في إسرائيل وما تبعه من هجمات إسرائيلية على قطاع غزة، تنامت مشاعر العداء تجاه المسلمين «الإسلاموفوبيا» في عدد من دول الاتحاد الأوروبي؛ وقدّم نواب من حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي هذا الأسبوع مقترح قرار في الجمعية الوطنية يهدف إلى إنشاء لجنة تحقيق حول الإسلاموفوبيا في البلاد. هذه المبادرة البرلمانية، تأتي بعد أقل من ثلاثة أسابيع من نقاش جرى في الجمعية الوطنية الفرنسية حول الموضوع ذاته، أعقب سلسلة من جلسات الاستماع التي نُظمت في آذار/مارس المنصرم. ويُندّد هؤلاء البرلمانيون الفرنسيون بـ«إسلاموفوبيا سائدة في الجو/المناخ العام» ويرغبون في «تقييم تقاعس فرنسا في مواجهة الأعمال المعادية للمسلمين».
وأيضًا عبّر الحزب اليساري الفرنسي بزعامة جان لوك ميلنشون عن قلقه الشديد حيال تزايد الأعمال المعادية للمسلمين والمعادية للإسلام خلال السنوات الأخيرة. ومن خلال إنشاء هذه اللجنة، يؤكد النواب رغبتهم في «تحليل تأثير هذه التمييزات على الحياة اليومية للمسلمين، وعلى اندماجهم في المجتمع والمناخ الاجتماعي العام»، مع «تقديم توصيات ملموسة لمكافحة هذه الظاهرة بفعالية، وخصوصًا عبر الوقاية، والتشريع، والتوعية، وتعزيز القيم الجمهورية».
يوضح الفريق البرلماني للحزب في مقترحه أن إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية ورابطة حقوق الإنسان تُظهر بالفعل زيادة في الأعمال المعادية للإسلام، مستندًا إلى أرقام صادرة عن التجمع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا «CCIE» وهو فرع بلجيكي خلف التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا «CCIF»الذي تم حله بقرار من وزير الداخلية الفرنسي وقتها جيرالد دارمانان في عام 2020. كما يشيرون إلى معالجة وسائل الإعلام للإسلام والمسلمين والخطابات التي تحمل وصمًا والتي يُروَّج لها باستمرار من قبل بعض المعلقين في القنوات الإخبارية. وبالتالي، سيكون من مهام اللجنة «تقييم الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والجهات السياسية في نشر الصور النمطية عن الإسلام وأتباعه». اختار نواب حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي التركيز على ما وصفوه بـ«الإسلاموفوبيا المناخية» التي تسود، بحسب رأيهم، في فرنسا. ويسعون إلى «تحليل تأثير هذه الظواهر على الحياة اليومية للمسلمين، ومكانتهم في المجتمع الفرنسي، وعلى المناخ الاجتماعي بشكل عام».

الاعتداء على الممتلكات والأشخاص

في حين أن بعض الفرنسيين يعتبر أن الإسلام «غير متوافق» مع قيم المجتمع الفرنسي- حسب دراسة أجرتها مؤسسة إيبسوس لصالح مركز الدراسات السياسية الفرنسيCevipof، فإن حزب «فرنسا الأبية» بزعامة جان لوك ميلنشون يلقي اللوم على طريقة تناول وسائل الإعلام للإسلام والمسلمين، وخصوصًا من خلال قنوات الأخبار المستمرة، والصحافة المكتوبة، وشبكات التواصل الاجتماعي. ويعتزم نواب الحزب، انطلاقًا من نتائج هذا التحقيق، إيجاد حلول لوقف حالة الريبة تجاه الدين الإسلامي والمسلمين.
من بين 173 عملاً معاديًا للمسلمين تم إحصاؤها في عام 2024، شكّلت الاعتداءات على الممتلكات نسبة 52 في المئة، بينما شكّلت الاعتداءات على الأشخاص 48 في المئة. وتقدّم اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان «CNCDH» التي تستعرض الإحصاءات الوزارية الأخيرة في تقاريرها السنوية حول مكافحة العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب، تعريفًا لماهية الاعتداءات على الممتلكات وعلى الأشخاص.
فالاعتداءات على الممتلكات تشمل أعمال التخريب (الحرائق، السرقات، والتلفيات الدائمة)، الإيماءات أو العبارات التهديدية (المنطوقة أو المنتشرة إلكترونيًا)، الكتابات، الرسائل الإلكترونية أو الورقية، بالإضافة إلى المنشورات الورقية. أما الاعتداءات على الأشخاص، فتشمل الأفعال التي تحمل درجة من الخطورة، والتي تستهدف الأشخاص (الهجمات، القتل أو محاولات القتل، العنف الجسدي مهما كانت درجة العجز الطبي الناتجة عنه)، والعبارات أو الإيماءات التهديدية، والمنشورات والرسائل.

منع الحجاب في الرياضة

قبل بضعة أيام، هاجمت النائبة الفرنسية عن التيار البيئي، ساندرين روسو، بشدة، ما وصفته بـ«الإسلاموفوبيا المنفلتة» في فرنسا، مشيرة إلى «هوس» وطني بالمسلمات الظاهرات، وذلك رداً على تعبير عدة وزراء وشخصيات سياسية مؤخراً عن دعمهم لحظر الحجاب في المسابقات الرياضية. ونددت ساندرين روسو بالتركيز المستمر على اختيارات المسلمات في اللباس، معتبرة أن هذا الموقف يعكس مناخاً متزايداً من الوصم. كما أشارت إلى الألعاب الأولمبية الأخيرة في باريس، مؤكدة أن فرنسا كانت البلد الوحيد خلال الأولمبياد الذي حظر على رياضياته ارتداء أي شيء على الشعر، منتقدة موقفاً يستبعد بدلاً من أن يحتضن، ويتنافى مع المعايير الأكثر تسامحاً المعتمدة عالميا. كما أعادت البرلمانية الفرنسية التأكيد على أهمية الممارسات الفردية، مشيرة إلى أنه يمكن الحديث عن «إسلاموفوبيا» في هذه الحالة، ومشددة على أنه من حق النساء أن يكنّ متدينات ويمارسن الرياضة.
وكان مجلس الشيوخ الفرنسي، قد اعتمد قبل نحو شهرين، مُقترح قانون قدمه نواب اليمين يقضي بمنع ارتداء الرموز الدينية، ولا سيما الحجاب، في جميع المنافسات الرياضية بما في ذلك على مستوى الهواة، وذلك بدعم واضح من الحكومة، التي رسمت، بذلك، تحولًا في هذا الجدل الحساس، الذي قوبل بانتقادات شديدة من اليسار. أما حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، فقد شدد من لهجته تجاه ارتداء الحجاب، وأشار رئيسه جوردان بارديلا إلى حظره في الشارع كـ»هدف على المدى البعيد»، ما يزيد الضغط على حكومة تسعى إلى الوضوح.

تباين في الآراء

ثمة خلاف كبير حول تعريف مصطلح «الإسلاموفوبيا» الذي يعود إلى عام 1910 حسب المؤرخ نيكولا لوبورغ. وعبر البعض عن تحفظه حيال استخدام هذا المصطلح، لأنه يسلّط الضوء على ديانة بعينها، بينما تسمح الجمهورية الفرنسية بانتقاد أو السخرية من أي ديانة. مع ذلك، يرى برلمانيون أن استخدام المصطلح «مشروع»، حيث يميزون بين النقد المباح لديانة ما، وبين الإسلاموفوبيا التي قد تكون في الواقع نوعًا من العنصرية ضد المغاربيين، والتي قد تطال أيضًا أشخاصًا غير مسلمين يُنظر إليهم على أنهم مسلمون بسبب أسمائهم أو مظهرهم الخارجي.
غير أن بعض نواب اليسار لا يرفضون تماماً إدراج هذا المفهوم ضمن التشريعات الفرنسية، لكنهم يؤكدون أن هناك بالفعل «أسسًا قانونية متعددة» تتيح معاقبة الأفعال أو التصريحات الإسلاموفوبية. وأوضحت إدارة الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل أن إنشاء جريمة جديدة مخصصة للأفعال المعادية للمسلمين «غير ممكن وغير مناسب، خصوصًا لأنه سيتطلب تسجيل ديانة الضحايا ضمن قواعد البيانات»، وهو أمر غير قانوني في فرنسا. ويُمثّل المسلمون ثاني أكبر مجموعة دينية في الاتحاد الأوروبي، إذ يبلغ عددهم نحو 26 مليون نسمة، أي ما يعادل 5 في المئة من إجمالي السكان، وفقاً لتقديرات مركز بيو للأبحاث الصادرة لعام 2016. ويقيم معظمهم في فرنسا وألمانيا. وزاد هذا العدد بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب فرار العديد من الأشخاص من النزاعات في عدد من البلدان، لاسميا أفغانستان والعراق وسوريا، حسب عدة تقارير.

أن تكون مسلما في أوروبا

مؤخرا، صرّحت نيكول رومان، المتحدثة باسم وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أنه «من الأصعب فأصعب أن تكون مسلماً في بلدان الاتحاد الأوروبي»، وذلك بعد نشر دراسة جديدة أجرتها المؤسسة، والتي أوضحت أن 50 في المئة من المسلمين المقيمين في 13 من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يتعرضون للتمييز في حياتهم اليومية.
وفق الدراسة، تُعد النمسا بحوالي 71 في المئة وألمانيا 68 في المئة من أكثر الدول التي أفاد فيها المسلمون بأنهم ضحايا للعنصرية. أما فرنسا، بنسبة 39 في المئة فتعدّ خامس بلد في هذا الترتيب. وتأتي إسبانيا والسويد بعد ذلك بنسب تبلغ 30 في المئة و22 في المئة على التوالي. ووفقاً لهذه الدراسة، «يُستهدف المسلمون ليس فقط بسبب دينهم، بل أيضاً بسبب لون بشرتهم وأصلهم العرقي أو خلفيتهم المهاجرة». ويعتقد نحو نصفهم أن آخر مرة تم توقيفهم فيها كانت نتيجة لـ«تنميط عنصري» غير قانوني، وهم «أكثر عرضة بثلاث مرات لترك المدرسة في سن مبكرة مقارنة ببقية السكان». ويشعرون بأشد أنواع التمييز في سوق العمل وفي البحث عن سكن، كما أن النساء اللواتي يرتدين ملابس دينية يواجهن تمييزاً أكبر مقارنة بالنساء غير المحجبات والرجال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية