باريس-“القدس العربي”:بين اعتبار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أسابيع أن “الإسلام في أزمة” خلال الخطاب الذي ألقاه في بداية شهر تشرين الأول/اكتوبر المنصرم حول التصدي لما صفها بـ”الانفصالية الإسلامية” وخطابه قبل بضعة أيام خلال تأبين مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي، الذي قتله شاب مهاجر شيشاني بعد عرضه على طلبته رسوماً كاريكاتيرية لمجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة تصور النبي محمد عليه الصلاة والسلام بشكل مسيء، بين هذا وذاك، وجد المسلمون في فرنسا (يقدر عددهم بنحو 7 ملايين نسمة) أنفسهم من جديد في قلب الجدل السياسي في البلاد، وأمام واقع مشحون وتصعيد واضح من اليمين المتطرف خاصة.
موجة غضب
ففي حين كانت ردود الفعل داخل وخارج فرنسا – المنتقدة أحياناً والمتحفظة أحياناً أخرى – لمسألة اعتبار الرئيس الفرنسي أن “الإسلام دين يعيش أزمة اليوم في جميع أنحاء العالم” مستمرة، أتت التصريحات التي أدلى بها ماكرون الأسبوع الماضي والتي تعهد فيها بأن فرنسا “لن تتخلى عن مبدأ الحرية في نشر رسوم كاريكاتيرية تصور النبي محمد (عليه صلوات الله وسلامه) حفاظا على حرية التعبير” لتشعل موجة غضب خارجية ضد فرنسا على المستوى الشعبي ولكن أيضا السياسي، خاصة من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي شن هجوماً لاذعاً وتكرراً على نظيره الفرنسي واصفاً إياها بــ”المختل عقلياً” وبأنه يقود “حملة كراهية” ضد المسلمين في فرنسا والعالم. ولكن أيضاً من رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الذي وصف الرئيس الفرنسي ماكرون بــ”مهاجم الإسلام”. كما أن دولا توصف بــ”الصديقة لفرنسا” دانت “نشر الرسوم المسيئة للإسلام والنبي محمد عليه الصلاة والسلام” بما في ذلك المغرب ومصر والسعودية وقطر. غير أن معظم الحكومات في هذه الدول لم تفعل مثل الرئيس التركي اردوغان إذ تدخل على خط الدعوات الشعبية المطالبة بمقاطعة البضائع الفرنسية. وهي دعوات أيضا لم تلق تجاوباً علنياً وواضحاً من المسلمين في فرنسا.
في هذا السياق، توضح الصحافية الفرنسية-الجزائرية المقيمة في باريس أمل بيروك لـ”القدس العربي” أنه بالنسبة لموضوع مقاطعة المنتجات الفرنسية، فإن أغلب المراقبين في فرنسا يرون أن الحاصل حالياً هو “حملة شعبية آنية، وأن العقود الفرنسية مع الدول العربية في غالبيتها عقود مع السلطات الرسمية. وبالتالي، فإنه من المستبعد تماماً أن تلغي دولة كالجزائر أو مصر عقود استيرادها للقمح من فرنسا ونفس الحالة تنطبق على المغرب الذي تربطه بفرنسا عقودا لإنشاء السكك الحديدية. أما بالنسبة لتركيا ودول الشرق الأوسط، فإن أغلب العقود التجارية تتعلق بقطاع الخدمات المدنية والعسكرية والتكنولوجية. وخلاصة القول إن فرنسا لن تتضرر من حملات المقاطعة لأن السلع التي يقوم المسلمون بمقاطعتها هي سلع مصنعة في بلدانهم من قبل شركات محلية أو منتجات قبضت السلطات الفرنسية حقها مسبقا من قبل السلطات المعنية في هذه الدول”.
محمد موسوي، رئيس “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” الذي يعد المحاور الرئيسي للسلطات العامة في فرنسا، شدد على أن “فرنسا دولة كبيرة والمواطنون المسلمون ليسوا مضطهدين، يبنون مساجدهم بحريّة ويمارسون ديانتهم بحريّة” داعياً من وصفهم بــ”مروّجي المشاكل إلى التحلي بالحكمة” ومطالباً من المسلمين في فرنسا “الدفاع عن مصالح بلدهم” في مواجهة الدعوة لمقاطعة المنتجات الفرنسية. غير أن موسوي عاد بعد ذلك ليقول في بيان إنه “لا بد من وضع ضوابط للمبادرات الرامية لعرض الرسوم الكاريكاتيرية في المؤسسات التربوية للترويج لحرية التعبير” معتبراً أن هناك طريقة للتعامل وضوابط قائمة و”يجب أيضا ان يؤخذ في الاعتبار الإطار الذي يمارس ضمنه هذا الحق”. وقال موسوي إنه يتفهم الشعور بالاستفزاز الذي أثاره عرض الرسوم الكاريكاتيرية التي أريد منها تجسيد النبي محمد، لإنه لا حاجة لتعمد إهانة المشاعر.
انتقام جماعي؟
لم تكتف السلطات بالتنديد والتوعد بالرد بصرامة في أعقاب جريمة قطع المدرس صامويل باتي، بل سارعت إلى اتخاذ إجراءات بحق بعض الجماعات، بما في ذلك جماعة “الشيخ أحمد ياسين” والتي تتهمها بــ”الضلوع مباشرة” في الاعتداء حسب ما أعلن عن ذلك الرئيس الفرنسي نفسه. كما حلت السلطات الفرنسية جمعية “بركة سيتي” غير الحكومية بتهمة “الارتباط بعلاقات داخل التيار الإسلامي المتطرف وتبرير الأعمال الإرهابية”. ورداً على هذه الخطوة، دان المحاميان اللذان يدافعان عن الجمعية في بما اعتبراه “ضعف الدوافع التي جمعتها الإدارة من لا شيء لتشويه سمعة الجمعية”.
إغلاق مساجد
الإجراءات الحكومية الفرنسية هذه، طالت كذلك المساجد، حيث تم إغلاق مسجد ضاحية “بانتين” الباريسية كجزء من حملتها “الصارمة” ضد “التطرف الإسلاموي” حيث تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بأنه ستكون هناك قرارات مماثلة ستصدر في الأيام والأسابيع المقبلة. وأخذت وزارة الداخلية الفرنسية على مسجد “بانتين” الذي يرتاده أكثر من ألف وخمسمئة من المصلين، مشاركته لمقطع فيديو على صفحته على منصة فيسبوك فيه تنديد بحصة المدرس صامويل باتي حول حرية التعبير والتي عرض فيها رسوم “شارلي إيبدو” التي أرادت بها تجسيد النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) قبل أيام من قتله على يد شاب مهاجر شيشياني يبلغ من العمر 18 عاماً، والذي أطلقت عليه الشرطة النار بعد ذلك وأردته قتيلاً. وأمام هذه التحركات الحكومية، لجأت جمعية “التجمع ضد الإسلاموفوبيا” في فرنسا (CCIF) إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، معتبرة أن جريمة ذبح المدرس صامويل باتي على يد الشاب المهاجر الشيشاني “شكلت نفساً جديداً لكل المبادرات الهادفة إلى التضييق على الجاليات المسلمة في فرنسا”.
وبين هذا وذاك، ذهب بعض المراقبين والمختصين إلى التحذير من مغبة أن اللجوء إلى خطوات من قبيل إغلاق المساجد، قد تكون له “نتائج عكسية”. فقد رأى الأستاذ في جامعة “السوربون-الجديدة ثلاث” برنار روجيه، أنه كان من الأفضل أن تقوم السلطات الفرنسية بالتفاوض، وإبعاد بعض الشخصيات (…)، قائلا إن الخطر الآن هو أن “ينظر إلى هذه الإجراءات على أنها انتقام جماعي ضد المسلمين”.
تجنب الصراع والانقسام
ورغم، ذلك، فإن طارق أوبرو، إمام المسجد الكبير بمدينة، بوردو حث، في تصريح لـــ”القدس العربي” المسلمين في فرنسا على “تجنب الصراع وتهدئة الوضع، لأنه ليس من مصلحتهم ما يحدث”. وأضاف أن “السبيل الوحيد للتنديد واسترجاع الحقوق، يتمثل في اللجوء إلى القانون، وتفادي الانسياق وراء ممارسات وأفعال تسيئ إلى رسول الله”. وتابع إمام بوردو قائلاً: “يجب الإشارة أيضا إلى أنه سبق وأن تم نشر رسومات وكاريكاتيرات أريد منها تجسيد الإله والأنبياء ولم يتظاهر أحد. فلماذا هذا الهيجان اليوم؟”.
وفي أوج التصعيد والجدل على خلفية جريمة قتل المدرس ومسألة نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أتى الاعتداء الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص داخل كنيسة نوتردام في مدينة نيس والذي نفذه شاب تونسي مهاجر غير نظامي وصل فرنسا حديثاً عبر إيطاليا، أتى ليزيد الطين بلة. فقد استغل اليمين المتطرف هذه الجريمة لانتقاد “سياسات الهجرة” فيما ذهبت شخصيات من قادة اليمين المحافظ واليمين المتشدد إلى تبني لهجة حرب، وطالب البعض منهم بتغيير القانون الفرنسي لمحاربة “التطرف الإسلاموي” بشكل فعّال، في وقت قال فيه وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان، إن بلاده تخوض حربا ضد الأيديولوجية الإسلاموية المتطرفة، منبهاً إلى أنه من المرجح أن تحصل هجمات إرهابية جديدة على أراضيها، داعياً على توخي الحذر.
مواجهة الإرهاب
غير أن الرئيس إيمانويل ماكرون دعا الفرنسيين إلى الوحدة في مواجهة الإرهاب، قائلاً “إن هناك مجتمعا واحدا فقط هو المجتمع الوطني” وأنه يريد القول لجميع الفرنسيين بغض النظر عن دينهم، سواء كانوا يؤمنون أو لا يؤمنون، إنه “يجب على الجميع الاتحاد في هذه اللحظات وعدم الاستسلام لروح الانقسام”. وشدد ماكرون على أن فرنسا “لن تتنازل” عن أي من قيمها، خاصة تلك المتعلقة بــ”حرية الاعتقاد أو عدمه”.
ووسط هذه الدعوات وتلك، بدأت تتعالى في فرنسا أيضا أصوات تقول إن الدولة الفرنسية لم تسع إلى تطبيق القوانين الفرنسية على المسلمين على مر السنين، بل حاولت أن تقايضهم بشكل غير مباشر عبر ما يشبه صفقة سياسية هي التالية: أن يصوت هؤلاء الفرنسيون المسلمون لهذا الحزب أو ذاك مقابل السماح لهم بعدم الالتزام ببعض القوانين الفرنسية المتعلقة بالشعائر الدينية التي تخرق مبدأ العلمانية.
ويرى بعض المتابعين والمراقبين أن المطالبة بتغيير هذه المقاربة في فترة وجيزة تعد أمراً غير ممكن. لأن ذلك يتطلب جهودا متعددة الأطراف، منها مثلا تلك التي تتمثل في الإجراءات التالية: أولا، مساعدة مسلمي فرنسا على ممارسة شعائرهم الدينية في ظروف أفضل بكثير من الظروف الحالية على نحو يجعل أتباع مختلف الديانات مالكة لنفس الحقوق وعليها نفس الواجبات. ثانيا، وضع حد للمقاربة الحالية والتي ينظر فيها إلى المواطنين الفرنسيين من أتباع الديانة الإسلامية كما لو كانوا مسلمين وليسوا مواطنين لاسيما عندما تحصل أعمال إرهابية لا علاقة لهم بها. ثالثا، إدراج تدريس الديانات في مختلف مراحل التعليم الابتدائي والثانوي من أجل التأكيد على أن العلمانية ليست عدواً لهذه الديانات بل إنها تحمي أتباعها ولا تفرق بين أتباع هذه الديانة أو تلك. رابعاً، ترسيخ ثقافة في المجتمع الفرنسي مفادها أن الإسلام جزء من الواقع الفرنسي الجديد اليوم.