السلطات تحشد 12 ألف شرطي ودركي تحسباً لاشتباكات وتوترات في شوارع فرنسا خلال مظاهرات عيد العمال. وتخشى الحكومة من حدوث تجاوزات في جميع أنحاء البلاد.
باريس ـ «القدس العربي»: في فرنسا وفي سياق اجتماعي يبدو أكثر توتراً من أي وقت مضى بعد إصدار الحكومة قانون إصلاح نظام التقاعد، يرتبط عيد العمل هذا العام ارتباطًا وثيقًا بهذا الإصلاح المثير للجدل، حيث دعت النقابات العمالية مجموعة إلى «تعبئة تاريخية» يوم الأول من مايو/أيار في جميع المناطق وعلى مستوى جميع المهن، للتعبير عن الرفض التام لتمرير الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته برئاسة إليزابيت بورن لقانون إصلاح نظام التقاعد، القاضي برفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاما، بالقوة. وتريد النقابات أن تجعل من التجمعات التقليدية ليوم العمل/عيد العمال هذا علامة احتجاج على قانون إصلاح نظام التقاعد، وأن تكون جولة التعبئة هذه ضده «تاريخية». فعلى الرغم من إقرار القانون، إلا أن الأمينة العامة للاتحاد العام للشغل، صوفي بينيه شددت على أنه «لن تكون هناك عودة إلى الوضع الطبيعي إذا لم يتم سحب إصلاح نظام التقاعد» مؤكدة أن النقابات «لن تتحدث عن إجراءات رجعية».
وقد تم التخطيط لمسيرات احتجاجية في جميع أنحاء فرنسا، بالإضافة إلى اضطرابات على مستوى وسائل النقل. ووعدت السكرتيرة الجديدة للاتحاد العام للعمال، صوفي بينيه، بـ تعبئة غير مسبوقة واستثنائية في المسيرات الـ300 المخطط لها في كافة أنحاء فرنسا» فهي تقريبا المرة الأولى التي تتظاهر فيها جميع النقابات مع بعضها البعض ضد الحكومة.
ستنطلق العشرات من المسيرات في جميع أنحاء فرنسا بمناسبة عيد العمال. ففي باريس، ستنطلق المظاهرة من ساحة الجمهورية بعد الظهر متجهة إلى ساحة ناسيون، ومن المتوقع أن يصل عدد المتظاهرين في باريس إلى ما بين ثمانين ألفا ومئة ألف متظاهر، بما في ذلك ما بين ألف وألفي عنصر متطرف، حسب مذكرة استخباراتية.
مع العلم أن التعبئة النقابية الأخيرة ضد إصلاح نظام التقاعد شهدت تراجعاً، حيث خرج نحو 380 ألف شخص إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد حسب الداخلية «أكثر من 1.5 مليون» حسب النقابات. وخلال اليوم السابق، أحصى المصدران 570 ألفًا ونحو مليوني متظاهر.
علاوة على ذلك، ستطال الاضطربات كذلك قطاع النقل الجوي، حيث أكدت المديرية العامة للطيران المدني أنها طلبت من شركات الطيران إلغاء أكثر من ثلاثين في المئة من الرحلات المجدولة في مطار أورلي بضاحية باريس، وكذلك ربع الرحلات في مطار رواسي شارل ديغول بضاحية باريس هو الآخر. وتمس هذه الاضطرابات أيضًا العديد من المطارات الداخلية، إذ سيتعين إلغاء أكثر من ثلاثين في المئة من الرحلات بشكل وقائي في مدن مرسيليا وليون وبوردو ونانت وتولوز، بينما سيتم إلغاء حوالي خمسة وعشرين في المئة من الرحلات الجوية في نيس.
كما ستطال هذه الاضطرابات بمناسبة يوم العمل أو عيد العمال قطاع السكك الحديدية، حيث نشرت النقابات المعنية دعوة من أجل توحيد الصفوف في الأول من ايار/مايو، لإنجاح التعبئة وجعل استيائهم مسموعًا من خلال الإضرابات والمظاهرات. وستظل بعض محطات المترو مغلقة في باريس.
وتخشى الحكومة من حدوث تجاوزات في جميع أنحاء البلاد، إذ تعتقد السلطات أن هذا اليوم «لن يكون في الواقع احتفالاً بالعمال وحدهم، بل سيكون يوماً غير مسبوق من حيث الوحدة والاحتجاج على الحكومة وروح الانتقام».
استعداداً لهذه التعبئة «التاريخية» التي دعت إليها النقابات، أعلن وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان عن تعبئة «غير مسبوقة» لرجال الشرطة، مع حشد اثني عشر ألفاً من رجال الشرطة والدرك في جميع أنحاء فرنسا خلال مظاهرات الأول من شهر ايار/مايو، بما في ذلك خمسة آلاف شرطي ودركي في العاصمة باريس. وأكد جيرار دارمانان أنه من المهم أن يتظاهر الناس والنقابات في أفضل الظروف، معلنا عن انتشار «مهم للغاية» للشرطة على هامش المسيرات الاحتجاجية، تحسباً لأي تجاوزات. فحسب وزير الداخلية، هناك عدد معين من العناصر المتطرفة ضربوا له موعداً في مدن باريس ونانت ورين، وهو ما يفسر التعبئة الأمنية الكبيرة في هذه المدن.
وأوصت الداخلية سائقي السيارات بتجنب المنطقة التي سيمر منها الموكب الاحتجاجي، على نطاق واسع. كما أوصت بإغلاق المحلات التجارية الموجودة في مسار الحدث. وأوضحت أن رجال الشرطة سيقومون بإجراءات تفتيشية قبل الحدث، تهدف بشكل خاص إلى مكافحة حمل أسلحة محظورة أو أشياء غير مشروعة أو خطرة.
من جانبها، قالت رئيسة الوزراء إليزابيت بورن إنها «تثق في النقابات» كي تتم المظاهرات دون عوائق، مشيرة، مع ذلك، إلى أنه «لا يحق لأي شخص كان قطع التيار الكهربائي» كما حدث خلال عدة زيارات رسمية في الأيام الأخيرة.
فمنذ بداية الحركة الاجتماعية ضد إصلاح الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون لنظام التقاعد، في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، أثرت أعمال الشغب التي لحقت بالبنية التحتية العامة، خلال المواكب الاحتجاجية، بشكل كبير على العاصمة باريس اقتصادياً، خلال جولات التعبئة الـ12 التي شهدتها البلاد حتى الآن. فإذا كانت التحركات قد نفد زخمها في الأسابيع الأخيرة، فقد تحولت، في بعض الأحيان، إلى عنف من قبل جماعات راديكالية معينة، حيث تسببت في كثير من الأحيان في أضرار جسيمة للبنية التحتية والممتلكات العامة، كلفت بلدية باريس 1.6 مليون يورو، وفق ما كشفت صحيفة «لوبارزين» الفرنسية نهاية هذا الأسبوع. وأكدت بلدية باريس أن هذا المبلغ يمثل فقط تكلفة الأضرار التي لحقت بالشوارع، وليس تلك التي لحقت بالشركات الخاصة، كما المحلات التجارية والمتاجر.
ورغم المصادقة على إصلاح نظام التقاعد من قبل المجلس الدستوري وإصداره الفوري في الجريدة الرسمية من قِبَل الرئيس الفرنسي، ما يزال الغضب يسيطر على العديد من الفرنسيين، وانعكس ذلك على شعبية إيمانويل ماكرون، التي تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2017 وفق استطلاعات الرأي الأخيرة.