باريس-“القدس العربي”:أثار الاعتداء الإرهابي ضد مسلمين في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية أثناء أدائهم صلاة الجمعة والذي أسفر عن مقتل تسعة وأربعين منهم وإصابة العشرات، أثار ردود فعل عديدة في فرنسا وتصدر اهتمامات وسائل الإعلام التي تم توجيه سهام الانتقاد لبعهضا لاتهامها بلعب دور أساسي في تعزيز الإسلاموفوبيا، كما تم التفاعل بشكل كبير على منصات التواصل الاجتماعي بشأن هذا الاعتداء الإرهابي غير المسبوق الذي يعد الأكثر دموية ضد المسلمين في الغرب، والذي أعاد إلى الواجهة مخاوف مسلمي فرنسا من تنامي الإسلاموفوبيا في البلاد وخطر حدوث عمليات مماثلة، خاصة مع تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا.
فقد تصدر الموضوع الصحف الفرنسية غداة هذا الاعتداء الإرهابي، خاصة صحيفة “ليبراسيون” اليسارية، التي اختارت لغلاف عدد خلفية سوداء وصورة لأحد ضحايا الاعتداء وهو مغطى الوجه، وعنونت بالعريض: “الإرهاب العنصري”. وكما فعل كافة ممثلي الديانة الإسلامية في فرنسا، حذرت “ليبراسيون” هي الأخرى من مغبة تصاعد كراهية المسلمين والمهاجرين في فرنسا في السّنوات الأخيرة، مشيرةً إلى أن أجهرة الاستخبارات الداخلية الفرنسية تراقب منذ سنوات صحوة الحركة القومية والنازية الجديدة، التي تثير المخاوف من ارتكاب أعمال عنيفة على الأراضي الفرنسية.
فيما توقفت وسائل إعلام أخرى مكتوبة ومرئية عند البيان الذي نشره منفذ الاعتداء الرئيسي على تويتر، والذي أخبر فيه أنه من مواليد أستراليا من عائلة عادية ويبلغ من العمر 28 عاما، وأن إحدى اللحظات التي دفعته إلى التطرف كانت هزيمة زعيمة أقصى اليمين الفرنسي مارين لوبن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2017 ضد الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون. وكتبت صحيفة “لوباريزيان” المحسوبة على وسط اليمين، على غلافها العنوان التالي: “أكل شيء بدأ من فرنسا؟” في إشارة إلى أن الإرهابي منفذ الاعتداء سبق له وأن زار فرنسا كما أن خسارة مارين لوبان الانتخابات كانت من أسباب قيامه بهذا العمل الإرهابي.
وتسابق المسؤولون السياسيون لإدانة هذا الاعتداء الإرهابي ضد المسلمين في نيوزيلندا عبر تغريدات تناقلتها كافة وسائل الإعلام السمعية-البصرية والمكتوبة، حيث وصفه الرئيس إيمانويل ماكرون بـ”الجريمة البشعة” فيما دعت مارين لوبان إلى معاقبة منفذي هذا الهجوم بلا رحمة. في حين، اعتبر زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون أن “كراهية المسلمين هي أيضا سم قاتل في المجتمعات الغربية”.
وفي بيان نشرته مختلف وسائل الإعلام، حذر عميد مسجد باريس الكبير دليل بوبكر من مغبة ان الخطاب الإسلاموفوبي الذي يتبناه بعض المثقفين والسياسيين في البلاد، يشجّع على القيام بأعمال مماثلة للاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا. وحث هذا الأخير مسلمي فرنسا على عدم “الاستسلام للاستفزازات”. فيما دعا إمام الجامع الكبير في مدينة ليون المسؤولين ووسائل الإعلام الفرنسية الذين يشجعون على تنامي الخطاب الإسلاموفوبي إلى تحمل مسؤولياتهم وإدراك حجم الكراهية الذي يحمله هذا الخطاب والذي أدى إلى قتل المسلمين العزل في نيوزيلندا.
وتحت هاشتاغ #كرايستشيرش_مسجد بالفرنسية، تنوعت تعليقات العديد من المدونين ورواد تويتر، إذ صبّ الكثير منهم جام غضبهم على عدد من السياسيين ووسائل الإعلام متهماً إياها بتغذية خطاب الكراهية ضد المسلمين (الاسلاموفوبيا). وغرّدت جليلة دبابي قائلة: “نحن جميعاً متواطؤون في هذا العمل الإرهابي في نيوزيلندا: نحن كمسلمين لعدم ردّنا بشكل صارم على مواجهة الهجمات الإسلاموفوبية التي نتعرض لها كل يوم. والسياسيون ووسائل الإعلام بسبب خطابهم الذي يحضّ على الكراهية والإسلاموفوبيا”. فيما حذر مارك آندريه دافور من مغبة “سقوط غالبية وسائل الإعلام الفرنسية في فخّ الإثارة الممدود من قبل القتلة في نيوزيلندا”. بدورها، كتبت تيتيو لوكوك: “ربّما هي فرصة للتساؤل عن النوايا الفرنسية تجاه مفكري اليمين المتطرف وغيرهم من الإسلاموفوبيين الذين يعطوْن الكلمة في كل مكان”. بدورها غرّدت إيزابيل لانغلوا قائلة: “الاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا يعد لحظة رهيبة للإنسانية. معاً دعونا نتأكد من أننا جميعاً نستطيع العيش دون تمييز وبأمان دون كره”.
ومن التغريدات التي لاقت سيلاً من الانتقادات، تلك التي كتبتها زينب الغزوي الصحافية السابقة في مجلة “شارلي إيبدو” الساخرة، والتي حذرت فيها من مغبة أنّ “الإسلاميين يستغلون اعتداء نيوزيلندا الدموي لتسوية حساباتهم في فرنسا” مضيفة “نحن بعيدون عن ردّ الفعل الإنساني للشعب الفرنسي بعد الاعتداء على مجلة شارلي إيبدو. فأكثر من أي وقت مضى، يتغذى المتطرفون على بعضهم البعض”. وعلق تيتيف قائلا: “علينا احترام الضحايا. في وقت ما يجب أن نلتزم الصمت، وانا لست إسلاميا”. غير أن تعليق الصحافية السابقة في شارلي إيبدو والتي تعتبر من أكثر المنتقدين للإسلام والمسلمين في فرنسا، شاطرته مونيك بلازا التي قالت: “نحن مهددون من قبل تيارين لليمين المتطرف: عنصري-شمولي وإرهابي. ثم تيار الإسلاميين. فهي إيديولوجيات متشابهة لا يتررد أصحابها في القتل. لذلك يجب محاربتهما وإدانتهما”.