فرنسا تبحث عن مواقع نفوذ جديدة في أفريقيا بعد أن أضاعت شركاءها التقليديين

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: عاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلقي يوم الإثنين الماضي في قصر الإليزيه، خطاباً جديداً وُصف بـ«المهم» حول استراتيجية بلاده الدبلوماسية والعسكرية الجديدة حيال القارة السمراء، لاسيما مستعمراتها السابقة. خطابٌ، أتى في وقت يشهد فيه نفوذ باريس في القارة تراجعاً واضحاً وبشكل متزايد، مقابل تصاعد لنفوذ روسيا والصين. وجاء خطاب ماكرون هذا بعد خمسة أعوام وثلاثة أشهر على خطابه الشهير في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2017 إلى الأفارقة والذي أعلن فيه عن عزمه طي صفحة ما يُعرف بسياسية «فرانس- أفريك» (فرنسا-أفريقيا) الموروثة من الحقبة الاستعمارية والتي شهدت تواطؤا سياسياً بين قيادات فرنسا وقيادات دول أفريقية تأخذ عليها شعوبها كثيرا من المآخذ منها تسخير جزء كبير من أموال الخزينة العامة لخدمة مصالحها الشخصية لا لخدمة هذه الشعوب.

خطاب الإليزيه الجديد حول أفريقيا

في مواجهة المنافسة الصينية-الروسية، بما في ذلك في مناطق نفوذ باريس التقليدية في أفريقيا، يسعى إيمانويل ماكرون إلى إحياء النفوذ الفرنسي في هذه القارة الواعدة اقتصادياً، بما في ذلك من خلال الرّهان على «القوة الناعمة» بدلاً من السياسة أو الجيش: أدوات النفوذ الفرنسي التقليدية في القارة الأفريقية. في هذا الإطار، أتى خطاب الإليزيه يوم الـ 27 شباط/فبراير عام 2023 حيث دعا إلى «علاقة جديدة متوازنة ومتبادلة ومسؤولة» مع دول القارة الأفريقية، رافضاً، في الوقت نفسه، أن تكون القارة الأفريقية مسرحاً لـ«المنافسة» الاستراتيجية التي يفرضها من «يستقرون في بعض البلدان مع جيوشهم ومرتزقتهم» على حد قوله، في إشارة إلى الوجود الروسي. كما رفض ساكن الإليزيه «قراءة شبكات من الماضي» موضحاً أن أفريقيا ليست «محفوفة بالمخاطر»، ومشددا على ضرورة «انتقال فرنسا من منطق المساعدة إلى منطق الاستثمار» في علاقاتها مع الدول الأفريقية، قائلاً إن زمن الحديقة الخلفية لفرنسا في غرب أفريقيا انتهى، وداعياً إلى شراكات جديدة في القارة بعيدًا عن العلاقات المبهمة وعن دعم القادة الحاليين.

فشل دبلوماسية العمل العسكري

ماكرون، أعلن أيضا عن «خفض ملموس» مرتقب في عدد العسكريين الفرنسيين في أفريقيا و«نموذج جديد للشراكة» يتضمن «زيادة قوة» الأفارقة، واعداً «بزيادة الجهود من جانب فرنسا فيما يتعلق بالتدريب والمعدات». والحقيقة أن «هذا التحول» الذي سيبدأ في الأشهر المقبلة، كما أعلن الرئيس الفرنسي، يأتي عقب حوالي ستة أشهر ونصف من الانسحاب النهائي للجيش الفرنسي من مالي، في ظل مناخ من العداء مع المجلس العسكري الحاكم في البلاد وتزايد العداء ذاته تجاه فرنسا من قبل السكان المحليين. هذا الانسحاب، الذي أمر به الرئيس إيمانويل ماكرون يوم 17 شباط/فبراير الماضي يضع حداً لما يقرب من عقد من التدخل العسكري الفرنسي في مالي، في إطار عمليتي «سرفال» ثم «برخان» ضد الجماعات الجهادية في البلاد ومنطقة الساحل. السيناريو المالي انتقل إلى بوركينا فاسو، المستعمَرة السابقة لفرنسا أيضا، ما بعد الانقلاب العسكري الأخير الذي شهدته. تمثلت آخر حلقات العداء الحاصل في إعلان الحكومة البوركينابية أو البوركينية هذا الأسبوع عن وقف العمل بـ«اتفاق المساعدة العسكرية» الموقع عام 1961 مع فرنسا، وذلك عقب بضعة أسابيع من مطالبتها القوات الفرنسية بمغادرة أراضيها في غضون شهر، وسط احتجاجات شعبية على هذا الوجود الفرنسي مستمرة منذ أشهر، تماماً كما حصل في مالي. ويبدو أن باريس «استسلمت لخسارتها، كما هو واضح من خلال التعاطي إزاء انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينافاسو، لأن المد الشعبي الذي هو أساس رفض وجودها هناك، أقوى منها ومن الأنظمة العسكرية الحاكمة في هذين البلدين، كما يقول الباحث في الشؤون الأفريقية محفوظ السّالك لـ«القدس العربي» مضيفا أنه «لذلك سعت فرنسا بدل مواجهة روسيا، إلى تحصين ما تبقى من نفوذ لها في المنطقة، وقد تجلى ذلك في استقبال ماكرون مؤخرا في الإليزيه رؤساء تشاد والنيجر والسنغال وكوت ديفوار، وهذه الدول جميعها محسوبة تقليدياً على فرنسا، التي تحافظ على حضور وازن فيها وعلاقات هامة معها».

من الغرب إلى الوسط

وسط مناخ عدم الثقة والمساعي الروسية لتجسيد بديل للنموذج الغربي الذي تجسده فرنسا في أفريقيا والنفوذ الاقتصادي المتزايد لدول كالصين وتركيا، حط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع الرحال في القارة السمراء، ضمن جولة إلى أربع دول تقع وسط أفريقيا هي الغابون وأنغولا والكونغو-برازافيل والكونغو الديمقراطية. اختيار ماكرون لزيارة هذه الدول الأربع، يستحضر، وفق الباحث محفوظ السالك خلفية التنافس مع روسيا، لأن ثلاثاً من هذه الدول رفضت مؤخرا التصويت على مشروع قرار أممي يطالب بانسحاب روسيا من أوكرانيا. كما أن الغابون التي شكلت أولى محطات الزيارة، انضمت قبل أشهر إلى منظمة الكومنولث، في إشارة إلى البحث عن بدائل لفرنسا. لكن، علاوة على ذلك، فإن زيارة هذه الدول الواقعة في وسط القارة الأفريقية تعكس، وفق الباحث في الشؤون الأفريقية، مساعي باريس إلى إيجاد منطقة نفوذ جديدة لها بالقارة وإيجاد شراكات لها خارج الفضاء غرب الأفريقي، بما في ذلك من خلال الاهتمام الآن بدول وسط أفريقيا، في ظل تضييق الخناق الروسي عليها في منطقة نفوذها التقليدية بالساحل وغرب أفريقيا. وذاك هو الحال بالنسبة إلى أنغولا. فالعلاقات التي تعتزم فرنسا تطويرها مع هذه المستعمرة السابقة الناطقة بالبرتغالية والمستقلة منذ عام 1975 ستوضح النهج الفرنسي الجديد للقارة، على غرار ما هو حاصل مع «دول محورية إقليمية» أخرى مثل إثيوبيا أو نيجيريا أو كينيا. وترى باريس أن هذه الدول يمكن أن تستجيب لطموحها الرامي إلى تنويع شراكاتها الواقعة خارج حديقتها الخلفية التاريخية، حيث تعرضت لانتكاسات سياسية ودبلوماسية.
في ليبرفيل، المحطة الأولى في جولة ماكرون عبر عدد من البلدان الأفريقية، شدد الرئيس الفرنسي أن بلاده أضحت «محاوراً محايداً في القارة أفريقيا، يتحدث إلى الجميع ولا يتمثل دوره في التدخل في المنازعات السياسية الداخلية» وأن عهد ما يعرف بـ«فرانس- أفريك» قد ولَّى، علما أن لهذا المصلح دلالات سلبية، إذ يُستعمل لوصف العلاقات المعقّدة التي ربطت فرنسا بمستعمراتها السابقة بعد استقلالها. كما أوضح ماكرون، على صعيد آخر، أن إعادة تنظيم انتشار القوات الفرنسية في أفريقيا الذي تحدث عنه في خطابه بباريس الإثنين الماضي لا تشكّل «لا انسحابًا ولا فكّ ارتباط» معتبراً في الوقت نفسه أنه تبقى هناك احتياجات، ومشيرا في هذا الصدد إلى حوادث القرصنة البحرية في خليج غينيا والتنقيب غير الشرعي عن الذهب وجرائم «الإتجار بالمخدرات» التي تغذّيها «حركة إرهابية تنشط أيضا في منطقة بحيرة تشاد» في إشارة إلى تنظيمي بوكوحرام و«الدولة الإسلامية» في غرب أفريقيا. وتتعلّق إعادة التنظيم بالقواعد الفرنسية في ليبرفيل وأبيدجان وداكار، لكنها لا تشمل القاعدة الموجودة في جيبوتي والتي تتولى مهام أكثر ارتباطاً بالشراكات في المحيط الهندي.
جولة الرئيس الفرنسي هذه الوسط-أفريقية، قوبلت أيضا برفض من بعض الأوساط الغابونية، كما احتجت عليها بعض الأوساط الكونغولية. وبعد مظاهرات صغيرة هذا الأسبوع، أعلنت عشرات المنظمات غير الحكومية في الكونغو الديمقراطية أن الرئيس الفرنسي «غير مرحب به». ويعكس كل ذلك، حسب الباحث محفوظ السّالك «تمدد الرفض والامتعاض من السياسة الفرنسية في القارة الأفريقية». وهو رفضٌ، يمكن، وفق هذا الأخير، أن يتغير «إذا ما قدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل ملموس، ما يجسد بالفعل طي صفحة منطق الحديقة الخلفية، وسياسة الأبوة والإخضاع، وفتح صفحة جديدة قوامها الشراكة والتعاون. حينها قد تغير فرنسا من صورتها وسمعتها في أفريقيا». وهذا ما سمعه ساكن الإليزيه من نظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، خلال المؤتمر الصحافي الذي جمعه في كينشاسا يوم السبت المنصرم، حيث شدد رئيس كونغو الديمقراطية على ضرورة أن «تتغير طريقة التعاون بين فرنسا وأوروبا عامة، وينظر الفرنسيون إلى الأفارقة باحترام كشريك حقيقي وليس بنظرة أبوية وإملاءات» على حد قوله، ليصفق له الصحافيون الكونغوليون والأفارقة الذين حضروا المؤتمر الصحافي.
يرى أنتوان جلاسر، المؤلف المشارك في صياغة مادة كتاب «فخ ماكرون الأفريقي» في مقابلة مع صحيفة «ويست فرانس» أن الجولة الأفريقية للرئيس الفرنسي «تعد أساسية، وفرصة لفتح تسلسل جديد في العلاقات بين فرنسا وأفريقيا». فخلال الفترة الرئاسية الأولى لإيمانويل ماكرون (2017 – 2022) كانت فرنسا تنظر إلى نفسها إلى حد كبير كما لو كانت دركيا أفريقيا، لا سيما مع وجود الجيش الفرنسي في منطقة الساحل، يضيف أنتوان جلاسر، معتبراً أيضاً أن الأفارقة باتوا يرفضون اليوم الاختيار بين هذا المعسكر أو ذاك في إشارة أساسا إلى أطراف أربعة حريصة على اقتطاع مكان نفوذ لها في القارة السمراء هي روسيا والصين وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية التي نشطت دبلوماسيتها كثيرا في هذه القارة بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير عام 2021 لاسيما وأن «رؤساء الدول الأفريقية لديهم العالم كله في غرفة الانتظار الخاصة بهم الآن» حسب أنتوان جلاسر الذي يضيف في هذا الشأن فيقول: «لا ينبغي الاستهانة بعولمة أفريقيا». غير أن الرئيس الفرنسي يواجه انتقادات متزايدة من الشباب الأفريقي بسبب علاقته واجتماعاته مع القادة الأفارقة الذين يعتبرون سلطويين. ويعد ذلك من التحديات الأفريقية التي تواجه ساكن الإليزيه. ففي الكونغو- برازافيل التي يحكمها دينيس ساسونغيسو بقبضة من حديد منذ نحو أربعة عقود، دعت منظمات حقوقية الرئيس الفرنسي إلى التطرق لمخاوفها، والضغط على مضيفه من أجل الإفراج عن الرئيس السابق لأركان الجيش الجنرال جان ماري ميشيل موكوكو والوزير السابق أندريه أوكومبي ساليسا اللذين سجنا بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2016 والتي خسراها وطعنا في نتائجها. قبل جولته الأفريقية هذا الأسبوع، قام إيمانويل ماكرون بأخرى مماثلة شملت الكاميرون وبنين وغينيا بيساو، والتي جدد فيها ما جاء في خطاب واغادوغو الشهير عام 2017 بشأن عزمه على طي صفحة «فرانس-أفريك» التي طبعتها الكثير من العلاقات المضطربة ودعم حكام محليين مستبدين.

ضرورة إقران القول بالفعل

أمام كل هذه التحديات التي تواجه باريس اليوم في القارة الأفريقية، يرى محفوظ السالك، أنه يمكن لفرنسا تعزيز نفوذها، إذا انخرطت بشكل عملي في سياسة جديدة تقطع فيها مع السياسة الحالية النابعة بالأساس من الإرث الاستعماري، والهيمنة.. وقد تسهم – حسبه- السياسة الجديدة التي أعلنها إيمانويل ماكرون، في إذابة الجليد، وخلق مستوى من القبول الفرنسي، لأن تقليص القوات الفرنسية الذي يشكل أحد أسس هذه السياسة الجديدة، قد ينسجم مع التطلعات الشعبية الرافضة للوجود العسكري الفرنسي، إذا كان هذا التقليص سيقود في النهاية إلى الانسحاب العسكري الكلي، لأن الأفارقة يريدون من يقدم لهم السلاح والتكوين والتدريب، لا من يقاتل عنهم، لأن التجربة أثبتت عدم نجاعة ذلك. كما أن النقطة الثانية الجوهرية في السياسة الجديدة، والمتمثلة في تعزيز الشراكة والتعاون، تمثل جوهر ما يصبو إليه الأفارقة، ولكن ذلك قد لا يشكل نقطة قوة فرنسية، نتيجة لوجود منافسين أقوى منها كالصين والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرهما. وإذا لم تتغير النظرة الفرنسية تجاه علاقاتها مع أفريقيا رأسا على عقب، فإن باريس ستواصل حصد الخيبات في القارة الأفريقية، وسيظل نفوذها في تراجع مستمر، لا أمام روسيا فحسب بل أيضا أمام عديد الشركاء الدوليين الآخرين، وفق محفوظ السالك. وثمة اليوم رأي يكاد أن يجمع عليه كل المتخصصين في الشأن الأفريقي ومفاده أن فرنسا فقدت كثيرا من مواقع نفوذها في القارة الأفريقية لأنها لم تُقرن القول بالفعل في سعيها المُعلن إلى التخلص من تركة شبكة «فرانس-أفريك». ومن هذه الثغرة دخل منافسوها في القارة الأفريقية وفي مقدمتهم الصينيون والروس والأتراك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية