بالكاد استعادت فرنسا ناصية الهدوء من أحدث انتفاضة فقراء (يوليو/ تموز الماضي) ارتبطت بحكم الواقع الموضوعي بأقليّاتها من ذوي الأعراق المهاجرة – لا سيّما عرب شمال أفريقيا، بعد حادثة قتل الشرطة لمراهق فرنسي جزائري الأصل، اعتبرها كثيرون تعسفاً عنصريّ الدّوافع – حتى تفتق عقل القائمين على شؤون الجمهوريّة بابتداع مستوى جديد، أكثر سخافة هذه المرّة، من لعبة الحروب الثقافيّة، وذلك عبر إعلان حظر على ارتداء بعض المراهقات المسلمات اللبس الفضفاض المعروف بالعباية في المدارس العامّة، بحجة تعارضها مع القيم العلمانيّة للجمهوريّة بوصفها مظهراً معلناً من مظاهر الانتماء الديني، التي يمنعها القانون الفرنسي منذ العام 2004. وأعلن وزير التعليم غابرييل عتّال الصديق المقربّ من الرئيس إيمانويل ماكرون، وأصغر أعضاء الحكومة سناً في حديث للتلفزيون الفرنسي: «إن هذه الفساتين الطويلة الإنسيابية التي ترتديها بعض النساء المسلمات، لن يسمح بها بعد الآن في المدارس عندما يبدأ العام الدراسي الجديد الأسبوع المقبل»، معتبراً أن (العباية) «رمز ديني، يتحدى مقاومة الجمهورية في الدفاع عن العلمانية»، وأن المرء عندما يدخل إلى صف دراسيّ في مؤسسة وطنية معنية بتكوين الثقافة العلمانية «يجب ألا يكون قادراً على تحديد ديانة التّلاميذ بمجرد النظر إليهم.»
العتّال وكأنّه مكلّف بتسعير حروب الثقافة
وتماماً كما أراد من هو خلف هذا الوزير مدعي الحداثة (وهو مثلي الجنس، ينحدر من أبّ يهوديّ، وأم مسيحية أرثوذكسيّة)، سرعان ما انفجرت حمم الجدل عبر التلفزيونات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بين المعسكرين المستقطبين تقليدياً: أنصار العلمانيّة (المزعومة) من مختلف ألوان الطيف السياسيّ يميناً ووسطاً ويساراً، مقابل الدّاعين، لأن تدير فرنسا حروبها الثقافية وتداري خيباتها السياسيّة والاجتماعيّة بعيداً عن ملابس بعض فتيات من أقليّة قد يتجاوز عددها 5 في المئة من مجموع عدد الفرنسيين، معتبرين ذلك تمييزاً سلبياً موجهاً ودون مبرر ضد المسلمين.
أوليفييه فيران، المتحدث باسم الحكومة قال لقناة إخبارية فرنسيّة إن (العباية) كانت دائماً وبوضوح «لباساً دينيا وتعدياً سياسياً، ورمزاً ثقافيّاً»، وعملا من أعمال «التبشير» والدّعوة إلى الإسلام في مساحة مثل المدرسة يجب أن تبقى علمانية، وكان سياسيون متطرفون من تيارات اليمين الفرنسي يدفعون منذ بعض الوقت باتجاه توسيع نطاق قانون ارتداء الرموز الدينية ليشمل الجامعات، وحتى الأهالي الذين قد يرافقون الأطفال في نشاطات مدرسية، وبما يشمل العبايات.
وذهبت مارين لوبان، زعيمة المعارضة اليمينية المتطرفة خلال حملة الانتخابات الرئاسية العام الماضي إلى اقتراح حظر جميع أشكال الحجاب الإسلامي في الشوارع العامة. وفي المقابل، فإن سياسيين آخرين من اليسار الممثل في البرلمان، مثل جان لوك ميلانشون كليمنتين أوتان انتقدوا الحظر الجديد واعتبروه «شكلاً جديداً سخيفاً من الحرب الدينية»، كما انتقدته شخصيات بارزة ضمن الأقلية المسلمة في البلاد.
التاريخ الطويل العريض للإسلاموفوبيا الفرنسيّة
من نافل القول بالطبع إنّ الجمهوريّة الفرنسيّة تأسست على مبدأ الفصل الصارم بين الدولة والدين، بهدف تعزيز المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية. ولكن منذ حادثة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول (2001) في الولايات المتحدة – والتي اتهم بارتكابها متطرفون مسلمون – والحرب العمياء، التي أعلنها الغرب بعدها على ما وصم بالإرهاب (الإسلاميّ)، فقد أصبحت نوعية الملابس التقليديّة التي يرتديها بعض العرب والمسلمين في فرنسا تحديداً موضوعاً للخلاف بشأن تناقضها المفترض مع العلمانية. وكانت البداية في العام 2004 عندما منع تلاميذ المدارس الحكوميّة في البلاد – والتي لا تفرض زيّاً موحداً – من ارتداء أي رموز دينية ظاهرة، وشمل ذلك الحجاب الإسلامي والصلبان المسيحية، والقبعات اليهودية الصغيرة، كما عمائم الهنود السيخ، بينما نجت العبايات والتنانير الطويلة وقتها من الاستهداف بوصفها منطقة رماديّة يصعب تنظيمها.
وعادت قضية ملابس النساء المسلمات إلى الواجهة مجدداً في العام 2010 عندما حظرت الحكومة الفرنسيّة ارتداء النقاب في الأماكن العامة مما أثار غضب المسلمين بعدما تبيّن أن مجمل اللواتي يرتدين النقاب لا يتجاوز الـ 300 من أصل حوالي 35 مليوناً فرنسيّة. وترافق ذلك جدالات موازية لا تنتهي حول مقدار اللحم، الذي تحتاج إلى إظهاره النساء كي يسمح لهن بارتياد حمامات السباحة أو المنتجعات العامة بعد انتشار ما سمي بهوس البوركيني (ملابس السباحة المفترض إنها شرعيّة) وفرضت عدة مدن حظراً على أي سيدة ترتدي ملابس أكثر مما تراه حضرة الدولة ضروريا للغاية، لدرجة أن الشرطة في مدينة نيس أجبرت في العام 2016 امرأة مسلمة كانت تستجم عند البحر على خلع بعض ملابسها، وأصدرت لها مخالفة تفيد بأنها لم تكن ترتدي «زيا يحترم الأخلاق الحميدة وقيم العلمانية»، أي أن الأخلاق فرنسياً وعلمانياً مرتبطة بالضرورة بتعرية المرأة للساقين والأكتاف!
جمهورية الأنوار ضد العباية: لماذا هذا الذعر من الآخر
لا خلاف بين العقلاء بأن مبدأ العلمانية، كما تكرّس في عصر التنوير ضمانة بتوفر العدالة والمساواة بين الموطنين على تعدد أصولهم والمنابت، لكن الجليّ أن النخبة الحاكمة توظّف شعار العلمانية أداة للتمييز العنصري ضد عدة ملايين من الفرنسيين، ومادة لفرض تفوّق النّوع (المسيحيّ) الأبيض على بقيّة الأعراق، وسلاحاً لشيطنة مسيسة تجاه أقليّة تعاني التهميش الاقتصادي، ومعزولة اجتماعياً، بسبب سياسات الحكومات الفرنسيّة المتعاقبة.
إن هذه السياسات الانتهازية – التي تتفنن السلطات في باريس باختراعها بين الفينة والأخرى – وآخرها العباية التي هي مجرد تقليد اجتماعيّ هوياتي لا علاقة له بالضرورة بالدين، إنما تريد الاستمرار في إثارة هستيريا جماعية ضد إحدى المكونات الرئيسية في المجتمع الفرنسي لتغرق الجميع في النهاية في حال ذعر مستمر من الآخر، وعلى نحو يلهي الأغلبيّة عن تراجع مستوى معيشتهم، وذلك التقهقر المضطرد لمكانة فرنسا في العالم، سواء بعد تذيلها الموقف الأمريكيّ في حرب أوكرانيا، والصفعات التي تتلقاها الآن في مناطق نفوذها الكلاسيكي عبر الصحراء والساحل الإفريقي.
إن الخطر على فرنسا – كما يدرك أي عاقل – لن يكون يوماً بسبب قطع القماش التي تختار بعض الفتيات ارتداءها لأسباب ثقافيّة، بل في تحويل العلمانيّة إلى سلاح لمحاربة الاختلاف والقناعات والأديان والخيارات والعقائد التي قد يختارها بعض الفرنسيين، ويدعها البعض الآخر دون مساس بالقيم الجمهوريّة العتيدة.
ولعل أفضل تعليق على تخبط السلطات جاء على لسان إحدى المعلمات الفرنسيات، التي تحدثت إلى قناة إخبارية قائلة: «إن نقص المعلمين مشكلة أكبر بكثير اليوم من مسألة العبايات. ويا حبذا لو أضاع وزير التعليم وقته – إلى جانب تشغيل حسابه على انستغرام – على إيجاد حلول ناجعة لذلك، بدل من ابتداع مسألة من لا شيء، قد تؤدي بالأهالي إلى سحب بناتهم من المدارس الحكوميّة العلمانية وإرسالهن إلى مدارس دينية متزمتة».
بينما يحترق العالم، يريد صبي ماكرون أن يقتتل الفرنسيون حول عباية!
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن