فرنسا تُحاول اللعب على الطاولتين في ليبيا

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-“القدس العربي”: منذ وصوله إلى السلطة في أيار/مايو عام 2017، وضع الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الملف الليبي في أولويات دبلوماسيته. فخلافاً لسلفيه نيكولا ساركوزي الذي دفع إلى التدخل الغربي في ليبيا وفرانسوا أولاند، الذي اتسمت دبلوماسيته حيال ليبيا بالغموض، تميزت فترة ماكرون الرئاسية لحد الآن بقدر أكبر من المبادرة السياسية، مع تأكيد المراقبين أن الدور الفرنسي في ليبيا لم يطرأ عليه تغيير كبير.

فبعد شهرين من توليه السلطة، جمع إيمانويل ماكرون بين طرفي النزاع الليبي الرئيسين فائز السّراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والمُشير خليفة حفتر قائد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي المدعوم من مصر والإمارات العربية المتحدة، يوم 25 تموز/يوليو 2017، في ضاحية سان-سين-كلو الباريسية. قبل أن يترأس في نهاية أيار/مايو الماضي اجتماع باريس الدولي حول ليبيا. وقد ترجمت هذه المبادرات الفرنسية باتفاق حكومة الوفاق والمجلس الداعم لها من جهة، وخليفة حفتر وبرلمان طبرق الموالي له من جهة أخرى، على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2018، والتي دخلت بعد ذلك في دوامة التأجيلات، وسط استمرار الخلاف الداخلي وفشل الفرقاء في تنظيم عملية الاستفتاء الدستوري، بالإضافة إلى التجاذب الدبلوماسي المتصاعد بين باريس وروما.

ويرى الإعلامي عبد الرحمن ولد امبيربك، أن ماكرون واصل رؤية فرنسا الخاصة للأزمة الليبية القائمة على مسايرة الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق الوطني، وفي الوقت نفسه تقديم الدعم لخليفة حفتر من منطق أنه الأقدر على حسم الأمور عسكريا – بلغ الدعم ذروته في عام 2016 خلال عهد فرانسوا أولاند حين كُشف عن وجود عناصر من القوات الفرنسية الخاصة إثر تحطم طائرة عسكرية ومقتل جنود فرنسيين على متنها – كما أنه عدو لدود للإسلاميين الذين تنظر إليهم باريس بقدر من الشك وحتى العداء الضمني. وفي هذا السياق يقول سالم كواكبي، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس: “السياسة الفرنسية في ليبيا تعتمد على قاعدة دعم خليفة حفتر، مع السعي إلى عدم وصوله إلى الحكم. والخطأ الأكبر في الحسابات الفرنسية بشأن ليبيا هو اصطفافها إلى جانب السياسة المصرية في تحليل الواقع الليبي وهي قراءة مغلوطة بشكل عام”.

غير أن دبلوماسية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وجدت نفسها أمام منافسة ايطاليا، المُستعمر السابق لليبيا، التي حاولت بدورها اللعب على وتر المصالحة الوطنية بطريقتها الخاصة، عبر عقد مؤتمر باليرمو الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وهذا التنافس يفسر جزئياً الأزمة الأخيرة بين البلدين وإن كانت هناك أسباب أخرى ربما أهم؛ مثل التحضير للانتخابات الأوروبية، كما يقول الصحافي عبد الرحمن أمبيرك. لكن الكاتبة والمحللة السياسية المختصة في الشؤون الفرنسية والأوروبية لينا كنوش، شددت على أن: “الخلاف الفرنسي – الايطالي في ليبيا هو خلافٌ على نفط هذا البلد. فكلٌ منهما يبحث عن النصيب الأكبر من الكعكة وسوق إعمار ليبيا، بالتالي فهو صراع بين قوتين إمبرياليتين. فرنسا بعد أن شاركت في تحويل ليبيا إلى ما هي عليه الآن وتريد أن تبسط يدها على الثروة الطبيعة لليبيا. هي حاضرةٌ في الميدان ونسجت علاقات مع مصر”.

ويرى مراقبون أنّ فرنسا تقدم استقرار ليبيا، بما يضمن مصالحها ويخدم أمنها القومي، على أي تسوية سياسية تؤسس لدولة مدنية وديمقراطية. ولا يعدُ موضوع الهجرة عبر ليبيا والذي أشعل أزمة حادة داخل الاتحاد الأوروبي، لا يُعد أولوية ضاغطة بالنسبة لباريس، خلافاً لايطاليا التي تجد نفسها في خط المواجهة الأول مع تدفق أفواج المهاجرين بأعداد كبيرة قادمين من الشواطئ الليبية.

وعليه، يعتبر محللون، بمن فيهم عبد الرحمن أمبيريك، أنه يمكن القول بتعدد الأجندات في الساحل ومنه ليبيا، وتناقضها بالنسبة لكل من الجيران والقوى العظمى.

ففرنسا والولايات المتحدة هاجسهما أمني واقتصادي (المجموعات المتطرفة والثروات الباطنية مثل النفط وأيضا اليورانيوم؛ أكبر مصانع آريفا الفرنسية يوجد بشمال النيجر)، كما يوضح عبد الرحمن أمبيريك. ثم إن هناك أجندة أوروبية قوامها؛ إرساء الأمن ومحاربة الهجرة غير النظامية، وهذه الأجندة تمثلها ايطاليا، التي من الواضح أن مصالحها هي مصالح جيوستراتيجية اقتصادية بامتياز.

ويضيف الصحافي، أنه توجد أجندة أخرى متعلقة بدول جوار ليبيا ومنطقة الساحل ومخاوف أمنية من تداعيات ما يحدث في ليبيا، والتصرف في حدود هوامش المناورة المتاحة في زحام الأجندات الغربية. وتعد مجموعة الخمس في الساحل المدعومة بقوة من قبل فرنسا، أهم أجندة تمثل دول المنطقة، وإن كانت ما زالت تواجه مشاكل الدعم، كما أنها تصطدم بأجندة الجزائر القائمة على “ترحيل” أو “إزاحة” التهديد الإرهابي ونشاطات الجريمة المنظمة المرتبطة به إلى الجنوب. وفي ضوء هذه الأجندة يمكن فهم كيف انزاح نطاق نشاط المجموعات الإرهابية عبر السنين، تحديداً منذ 2003 مع تعاظم قوة الجماعة السلفية للدعوة والقتال وتحولها في 2007 إلى القاعدة في المغرب الإسلامي، من الجزائر إلى شمال مالي ثم النيجر واليوم نيجيريا وبوركينا فاسو.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية