فرنسا: حرية الصحافة وعنف الشرطة في قلب الجدل

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-“القدس العربي”:منذ اندلاع أزمة “السترات الصفراء” في أيار/مايو عام 2018 والمواجهات بين الشرطة وبعض المتظاهرين التي خيمت عليها، بات موضوع عنف الشرطة الفرنسية محل جدل كبير في البلاد، في ظل انتقادات العديد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية والأحزاب اليسارية له. وعاد هذا الموضوع ليتصدر المشهد بقوة في الأيام الأخيرة، على خلفية اعتداء شرطيين على مواطن في العاصمة باريس وتفكيكهم بعنف لمخيم للمهاجرين في قلبه، وذلك وسط سياق يشهد انتقادات واسعة لمشروع قانون طرحته الحكومة يمنع تصوير رجال الشرطة، وهو ما اعتبره الصحافيون والمدافعون عن الحريات “انتهاكاً لحرية الإعلام” ليحتدم الجدل مع كشف هاتين القضيتين، محوّلا مرحلة سياسية صعبة على الحكومة إلى أزمة حقيقية.

فبينما كانت البلاد تعيش على وقع احتجاجات “السترات الصفراء” التي تخللتها أعمال عنف ونهب وتكسير من بعض المتظاهرين، واستخدام الشرطة للقوة، وجهت انتقادات لاذعة لأساليب قوات مكافحة الشغب، خاصة لاستخدامهم ما يعرف بـ”LBD” وهي الجيل الجديد من مسدّسات الكرات المطاطية التي يطلق عليها “فلاش بول” والتي تسببت في إصابة خطيرة في صفوف عشرات المتظاهرين (الرأس- العين -…إلخ).  وهو ما أدى إلى ارتفاع العديد من الأصوات الحقوقية والسياسية المطالبة بمنع استخدام هذا السلاح، الذي تعتبر وزارة الداخلية ونقابات الشرطة بأنه السلاح الوحيد غير القاتل الذي يتيح لرجال الشرطة مواجهة العنف الذي يتعرضون له من بعض المتظاهرين، خاصة مما يعرف بمجموعات ” البلاك-بلوك”.

قمع الحريات

موضوع عنف الشرطة والحريات عاد ليتصدر المشهد السياسي الفرنسي الشهر الماضي، بعد طرح الحكومة لمشروع قانون “الأمن الشامل” الذي تنص المادة 24 منه، والتي يتركز عليها الاهتمام، على عقوبة بالسجن سنة ودفع غرامة قدرها 45 ألف يورو، لكل من ينشر صوة أو فيديوهات لعناصر من الشرطة والدرك بدافع “سوء النية”. ويؤكد وزير الداخلية جيرار دارمانان، المدافع الأول وبقوة عن مشروع القانون هذا، أن هذه المادة تهدف إلى حماية العناصر الذين يتعرضون لحملات كراهية ودعوات للقتل على شبكات التواصل الاجتماعي مع كشف تفاصيل من حياتهم الخاصة. لكن معارضي النص، بمن فيهم الصحافيون والمدافعون عن الحريات والأحزاب اليسارية خاصة، يعتبرون بأنه “يقمع الحريات” وخرجوا في مظاهرات متفرقة ضده. ويشدد هؤلاء على أنه بفضل عدسات كاميرات الصحافيين وهواتف مواطنين، تم الكشف عن العديد من الاعتداءات العنيفة التي يرتكبها أفراد من الشرطة. ويؤكدون أن مشروع قانون “الأمن الشامل” غير مجد، إذ أن القوانين الحالية كافية للتصدي لجرائم أولئك الذين يعتدون على أفراد من الشرطة في بعض الحالات، ومشيرين إلى أن القانون الفرنسي “يعاقب الأفعال وليس النوايا”.

في مقابلة مع منصة “بروت” الإعلامية الإلكترونية، وهي الوسيلة الإعلامية المنتشرة في صفوف الشباب في فرنسا، هذا الجمعة، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن فرنسا “تم تصويرها بشكل كاريكاتوري” في النقاش حول المادة 24 من مشروع القانون الأمني الذي استحال مادة جدالية حول عنف الشرطة في البلاد. واعتبر أنه “جرى نسب الكثير من الهراء إلى المشرّع، وعندما أرى الكثير من المراسلين الأجانب يشيرون إلى صحف أو صحافيين أو غيرهم ممن هم نشطاء تقريباً ويستخدمون ذلك للقول إننا في فرنسا سنقلّص الحريات كلّها” على حد تعبيره.

واحتدم الجدل حول عنف بعض عناصر الشرطة والمادة 24 من مشروع قانون “الأمن الشامل” الذي يجرم تصويرهم، بعد قيام الشرطة، قبل نحو أسبوعين بتدخل عنيف لتفكيك مخيم للمهاجرين غير النظاميين أقيم في ساحة وسط باريس. وتم تداول صور وفيديوهات بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، يظهر فيها رجال الشرطة وهم يضربون بعنف مجموعة من المهاجرين غير النظاميين، أثناء عملية إزالة الخيم التي أقامها هؤلاء المهاجرون، وفرقوا بضع مئات من المهاجرين غير النظاميين وبعض المتعاطفين معهم بالقوة تحت نيران الغاز المسيل للدموع والقنابل اليدوية.

وأمام تلك المشاهد وسهام انتقاد الجمعيات التي تعنى بالدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين وتلك التي تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام وضغوط الأحزاب اليسارية، أمر وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان بفتح تحقيق حول استخدام الشرطة للعنف أثناء إخلاء المخيم، معتبراً أن صور الاشتباكات كانت “صادمة”.

 

الاعتداء على مواطن أسود وصدمة ماكرون 

 لكن التنديد بعنف الشرطة الفرنسية بلغ ذروته، منتصف الأسبوع الماضي، في كشف موقع “Loopsider” واقعة تعرض المنتج الموسيقى الأسود ميشيل زيكلير للضرب العنيف جداً على يد ثلاثة من أفراد الشرطة، ووصفوه أيضا بــ”الأسود القذر”. وأدى هذا الفيديو الذي تابعه الملايين على موجة غضب عامة داخل البلاد، حيث نددت الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي وبعض كبار وجوه الرياضة بعنف الشرطة، مما وضع الحكومة، وخاصة وزير الداخلية جيرار دارمانان، في موقف حرج، ودفعه هذا المشهد العنيف جداً، الذي صورته كاميرات المراقبة كاملاً، إلى الأمر بإيقاف رجال الشرطة الثلاثة المعنيين، كإجراء احترازي، قبل أن يوجه إليهم القضاء لاحقاً تهمة “العنف المتعمد من جانب شخص يتولى سلطة عامة” و”الكذب في وثائق رسمية”  تماشياً مع ما طلبته نيابة باريس العامة. وجهت تهمة “العنف المتعمد” في وقت سابق إلى الشرطي الرابع الذي يشتبه أنه قام برمي قنبلة غاز مسيل للدموع داخل استوديو الموسيقي الواقع في الدائرة 17 بباريس حيث وقع الاعتداء على ميشيل زيكلير.

ووسط تزايد الضغوط حيال عملية الاعتداء على زيكلير التي هزت البلاد ووصل صداها إلى خارج فرنسا مع تنديد الصحافة الأجنبية أيضاً بـ”جنوح أمني” وبـ”إساءة إلى الحقوق” وانتقاد رئيسة المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشال باشليه ومقررو حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، وطرح موضوع عنف الشرطة الفرنسية للبحث في البرلمان الأوروبي، ووسط كل ذلك، أعرب الرئيس إيمانويل ماكرون في تغريدة على تويتر عن “صدمته الكبيرة” من الصور التي أظهرت عناصر من شرطة باريس وهم يضربون منتجا موسيقيا أسود مستنكراً ما وصفه بــ”الاعتداء غير المقبول” و”الصور المخزية”. كما طلب من حكومته تقديم “مقترحات سريعة لإعادة التأكيد على رابط الثقة الذي يجب أن يكون قائماً بشكل طبيعي بين الفرنسيين ومن يقومون بحمايتهم، ومن أجل مكافحة جميع أشكال التمييز بفعالية أكبر”.

وفي مقابلته مع منصة “بروت” الجمعة، أٌقر إيمانويل ماكرون أيضاً بوجود “حالات عنف على يد عناصر في الشرطة” لكنّه ندد بعبارة “عنف الشرطة” التي صارت وفقاً له “شعارا لمن لهم مشروع سياسي”. وحاول أيضاً التنديد بأعمال عنف يقع ضحيتها عناصر في الشرطة. وأعلن الرئيس الفرنسي، في هذا الصدد، عن إطلاق منصة وطنية في شهر كانون الثاني/يناير المقبل من أجل الإبلاغ عن التمييز العنصري، قائلا: “حاليا عندما يكون لون بشرتنا غير أبيض، فإننا نتعرض للتفتيش أكثر بكثير، ويتم تحديدنا كمشكلة وهذا أمر لا يطاق”.

وأججت قضية المنتج الموسيقى الأسود مظاهرات المعارضين لمشروع قانون “الأمن الشامل” الذي ينص بشكل رئيسي على تقييد إمكانية تصوير عناصر الشرطة، حيث خرج يوم السبت قبل الماضي، حوالي مئة وثلاثين ألف شخص (بحسب وزارة الداخلية) ونحو خمسمئة ألف شخص (بحسب المنظمين) في مظاهرات متفرقة، تخللتها مواجهات عنيفة أحياناً لا سيما في العاصمة باريس. وقد أصيب خلالها نحو مئة شرطي ودركي بجروح، وفق الشرطة التي أوقفت عشرات المتظاهرين في باريس خاصة. كما أصيب المصور السوري أمير الحلبي (24 عاما) المتعاون مع مجلة “بولكا” ووكالة “فرانس برس” بجروح في وجهه، خلال تغطيته مظاهرة باريس. وطلبت “فرانس برس” من الشرطة الفرنسية فتح تحقيق بعد إصابة المصور، فيما شدد الأمين العام لـمنظمة “مراسلون بلا حدود” كريستوف دولوار على أن الحلبي “أصيب بجروح في وجهه بضربة هراوة” منددا بارتكاب الشرطة أعمال عنف “غير مقبولة”.

تراجع غير كاف

وفي خضم هذا الرفض القوي للمعارضين لمشروع قانون “الأمن الشامل” والذي عززته قضية المنتج الأسود ميشيل زيكلير، وجدت الحكومة الفرنسية نفسها محاصرة بين قاعدة احتجاجية يسارية وأخرى انتخابية يمينية أساسية بالنسبة للرئيس إيمانويل ماكرون. وسعى رئيس الحكومة جان كاستيكس لإيجاد مخرج للأزمة، من خلال تشكيل “لجنة مستقلة مكلفة اقتراح صياغة جديدة”. غير أن خطوته هذه سرعان ما اصطدمت برفض البرلمانيين من جميع التوجهات الذين اعتبروها “تعدياً على صلاحيات النواب” وإشارة “ازدراء” وقوبلت خاصة بمعارضة قوية من رئيس الجمعية الوطنية ريشار فيران، الذي ينتمي إلى حركة الرئيس الفرنسي ماكرون” الجمهورية إلى الأمام” ذات الأغلبية البرلمانية، ويعد من بين أقرب المقربين سياسياً منه.

ومع تزايد الضغط حتى من داخل الأغلبية البرلمانية الحاكمة، أعلن رئيس الكتلة البرلمانية للأغلبية الرئاسية كريستوف كاستانير (وزير الداخلية السابق) أن الأغلبية البرلمانية قررت إعادة صياغة المادة 24 في نص مشروع قانون “الأمن الشامل” بشكل تام، قائلا إنه “يجب تبديد الشكوك” المتعلقة بالنص. غير أن هذه الخطوة غير كافية بالنسبة للمعارضين، الذين واصلوا احتجاجاتهم ضد مشروع القانون هذا المثير للجدل، مطالبين بسحب النص بحذافيره. بما في ذلك بعض أحزاب المعارضة، التي تعتبر أن المشكلة أضحت تتجاوز المادة 24 من النص والتي تقيد إمكانية تصوير عناصر الشرطة.

وفي ظل ما وصفته زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بـ”الفوضى المتكررة” وفقدان الحكومة “السيطرة على الأمور” يبدو أن الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته يجدان نفسيهما أمام خيار حساس للتفاوض على مخرج من الأزمة. فالرئيسُ الشاب الذي وصل إلى السلطة في عام 2017 مستفيداً من أصوات اليمين واليسار، ها هو اليوم محاصر بين التيارين، على بعد أقل من عامين من الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2022.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية