باريس-“القدس العربي”: بعد أن تصدر مشروع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإصلاح قانون العمل والذي تم تمريرُه من خلال مراسيم دون الرجوع إلى البرلمان، المشهد السياسي الفرنسي2017 بعد أن قوبل بانتقادات المعارضة وإضرابات النقابات؛ واصلت الحكومةُ الفرنسية عام 2018 العمل على تمرير أبرز إصلاحات ماكرون المتبقية، لدرجة أن عدداً من النّواب اشتكوا من الإرهاق والتعب من جراء الجلسات التي تتواصل في بعض الأحيان إلى وقت متأخر من الليل لمناقشة مشاريع قوانين كان بعضها محل جدل كبير، في مقدمتها مشروع قانون الهجرة واللجوء، والذي لاقت بعض مواده معارضة من بعض برلمانيي حركة الرئيس “الجمهورية إلى الأمام” التي تمتلك الأغلبية المطلقة في البرلمان مع حلفائها في حزب “الموديم” من وسط اليمين؛ ما سهل في نهاية المطاف المصادقة على نص القانون.
كما تصدر مشروع قانون إصلاح الشركة الوطنية للسكك الحديدية المثير للجدل هو الآخر المناقشات في البرلمان على مدار أسابيع، وسط موجة إضرابات من نقابات هذا القطاع هي الأطول من نوعها في البلاد منذ ثلاثين عاماً وأدت في بعض الأحيان إلى شلّ حركة سير القطارات. وبحكم الأغلبية؛ صدق عليه البرلمان في حزيران/يونيو واضعاً حداً لموجة الإضرابات.
وفي الوقت الذي كانت فيه احتفالات الفرنسيين بتتويج منتخبهم الوطني بمونديال روسيا في أوجها، اندلعت قضية “آلكسندر بينالا” المساعد الأمني السابق للرئيس ماكرون، بعد نشر صحيفة “لوموند” في 18تموز/يوليو مقطع فيديو يعتدي فيه هذا الأخير على اثنين من المحتجين خلال مظاهرات عيد العمال منتحلاً صفة رجل أمن، ما أدى إلى إقالته لاحقا في خضم اشتعال القضية وتحولها إلى أزمة سياسية خانقة أربكت الرئيس ماكرون وحكومته وأغلبيته البرلمانية، وأجبرت وزير الداخلية حينها جيرار كولومب وقائد شرطة باريس بالإضافة إلى مدير مكتب الرئيس، على المثول أمام لجنتي تحقيق برلمانيتين. وتشتبه المعارضة بكل أطيافها في أن الرئيس ماكرون وديوانه كانوا على علم بسلوك بينالا وحاولوا طمس الوقائع.
لكن أسابيع العطلة الصيفية الثلاثة للرئيس ماكرون وحكومته والبرلمان، كانت كفيلة بإطفاء فتيل هذه الأزمة تدريجياً، بعد أن تسببت في تراجع شعبية الرئيس التي تعرف هبوطاً مطرداً منذ نهاية عام 2017 مع بدء تنفيذ الحكومة لإجراءاتها الهادفة لاستعادة النمو ومواجهة البطالة والتي لاقى بعضها معارضة كبيرة، كما قرار زيادة المبلغ الذي يتم اقتطاعه من معاشات المتقاعدين بهدف تمويل صندوق ضمانهم الصحي، بالإضافة إلى الإلغاء الجزئي للضريبة على الثروة والذي ألصق بماكرون وصف “رئيس الأغنياء”.
استقالة وزير التحول البيئي نيكولا إيلو، في نهاية اب/أغسطس بعد امتعاضه من تحركه بشكل منفرد في مواجهة التحدي البيئي الكبير؛ شكلت هي الأخرى ضربة قوية للرئيس ماكرون. إذ كان إيلو يعد الوزير الأكثر شعبية في الحكومة التي شكل قبوله الانضمام إليها نجاحاً سياسياً لماكرون، حيث سبق لسلفيْه اولاند وساركوزي أن فشلا في إقناعه بالانضمام إلى حكوماتهما. وبعد ذلك بنحو شهر، أتى الدور على وزير الداخلية جيرار كولومب ليعلن عن استقالته هو الآخر، تاركاً تساؤلات كثيرة، لكونه أول شخصية سياسية ذات ثقل سياسي كبير تدعم ماكرون منذ انطلاق مشواره نحو الاليزيه.
السترات الصفراء
ورغم التدني المستمر في الشعبية والأزمات سالفة الذكر؛ تمكن الرئيس ماكرون وحكومته من التكيّف بشكل أو بآخر مع الوضع ومواصلة النهج نفسه في تطبيق إصلاحاتهم. لكن الرئيس الفرنسي الذي حول باريس إلى عاصمة السلام العالمي عندما جمع أكثر من 50 من زعماء العالم للاحتفال بمئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى والمشاركة في “منتدى باريس للسلام” الذي عقد على هامشها؛ لم يكن يعلم أن قوس النصر وجادة الشانزليزيه، اللذين أقيمت عليهما الاحتفالات، سيتحولان بعد ذلك بأيام إلى مسرح لأحداث عنف وشغب وتخريب ومواجهات عنيفة بين أفراد الشرطة ومتظاهرين من حَراك “السترات الصفراء” الاجتماعي العفوي الذي جلب أنظار العالم وبات يضع عهدة ماكرون الرئاسية على المحك.
وقد انطلق الفصل الأول من هذا الحراك الشعبي يوم 17 تشرين الأول/نوفمبر، احتجاجاً على قرار الحكومة رفع الضريبة على أسعار البنزين، وتواصلت فصوله الأخرى أيام السبت من الأسابيع اللاحقة، ليتحول مع مرور الوقت إلى حراك شعبي ضد مجمل السياسات الاجتماعية والاقتصادية للرئيس وحكومته.
وبعد أربعة فصول من الاحتجاجات تخللتها أعمال شغب وتخريب وصدامات في باريس ومدن أخرى، أدت إلى خسائر مادية كبيرة وانعكست سلباً على اقتصاد البلاد وصورتها؛ وجد الرئيس ماكرون نفسه مضطرا إلى تقديم تنازلات لامتصاص غضب المتظاهرين، عبر جملة من الإجراءات الاجتماعية أعلن عنها في خطاب متلفز تابعه نحو 23 مليون فرنسي. كما أعلن بالتزامن مع ذلك عن إطلاق حوار اجتماعي شامل من أجل الخروج من هذه الأزمة التي تعد الأخطر حتى الآن في فترته الرئاسية الممتددة حتى عام 2022. لكن هذه الإجراءات وإن كانت أحدثت حالة من الانقسام في صفوف السترات الصفراء، إلا أنها لم تنه الأزمة التي ما زالت نارها ملتهبة.
وبالتوازي مع هذا الوضع السياسي المتأزم؛ أتى اعتداء سترازبوغ الذي قتل فيه أربعة أشخاص وأصيب 13 آخرون بجروح؛ ليذكّر الفرنسيين بأن الخطر الإرهابي ما يزال ُمحدقاً. ويعد الهجوم ثالث اعتداء إرهابي تشهده فرنسا خلال عام 2018؛ بعد ذلك الذي نفذه الفرنسي الشيشاني خازمات آزيموف في أيار/مايو، حيث قام بطعن عدد من المارة في قلب باريس قبل أن تطلق عليه الشرطة النار.
وقبله، نفذ الشاب رضوان لقديم ثلاثة اعتدءات متزامنة في مدينة كاركاسون في أقصى جنوب البلاد، ثم بلدة تريب المجاورة والتابعة لها والتي احتجز فيها رهائن داخل متجر لمدة ساعات، وحيّدته قوات الأمن بعد أن قتل خمسة أشخاص، بينهم الكولونيل في الدرك آرنو بيلترام الذي ضحى بحياته من أجل إنقاذ سيدة كانت رهينة عند الإرهابي.
تصريحات
تعد جملة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “ما عليك إلا أن تعبر الشارع فستجد عملاً” أكثر تصريح لسياسي أثار جدلا واسعاً خلال العام. والتصريح كان موجهاً إلى شاب عاطل عن العمل اشتكى من صعوبة الحصول على فرصة عمل، وقد أثار موجة سخرية وانتقاد الكثير من الفرنسيين الذين اعتبروا أنه ينم عن جهل ماكرون بالمشاكل اليومية لملايين الفرنسيين.