فرنسا عام 2023: ماكرون يختبر تحديات الافتقار إلى الأغلبية البرلمانية ويودّع الداعم الأول لمشروعه الرئاسي

آدم جابر
حجم الخط
0

ألقت الحرب الإسرائيلية على غزة بظلالها القوية على فرنسا، التي شهدت انقسامات سياسية في ظل تباين المواقف حيالها وبعض التصريحات المثيرة للجدل بشأنها.

باريس ـ «القدس العربي»: شكل إصلاح الحكومة الفرنسية لنظام التقاعد ومشروع قانونها بشأن الهجرة أكبر تحديين سياسييْن واجههما الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون في العام 2023 في ظل عدمِ تمتعه بالأغلبية البرلمانية المطلقة في فترته الرئاسية الثانية، التي شهدت البلاد هذا العام وفاة أحد أبرز السياسيين خلالها، وهو جيرار كولومب، أول سياسي مخضرم ومن الوزن الثقيل دعم ماكرون، الذي كافأه باختياره أول وزير داخلية له. كما ألقت الحرب بين حماس وإسرائيل بظلالها القوية على فرنسا.

بعد إعادة انتخابه في أيار/مايو عام 2022 والتشكيلة البرلمانية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية، يواجه الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون صعوبات في المضي قدماً في إصلاحاته دون أغلبية برلمانية مطلقة، الأمر الذي أجبر حكومته على اللجوء عدة مرات وبشكل قياسي إلى المادة 49-3 من الدّستور التي تعد «السلاح الدستوري» لتمرير إصلاحات دون الحاجة إلى تصويت البرلمانيين. أبرز هذه الإصلاحات وأكثرها إثارة للجدل وتعقيداً كان إصلاح نظام التقاعد، الذي يَنص على رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً. فعلى الرغم من الرّفض السياسي والاجتماعي الواسع والاحتجاجات الضخمة وأحيانا العنيفة التي أثارها، إلا أنه مرر بالقوة في نهاية المطاف.

انقسام الأغلبية

خلافاً لمشروع قانون إصلاح نظام التقاعد، قررت الحكومة عدم اللجوء إلى المادة إلى المادة 49-3 لتمرير مشروع قانونها المثير للجدل بشأن الهجرة، الأمرُ الذي كلفّها صفعة قوية من النواب برفضهم لمناقشة النص الأول الذي قدمته، لتضطر إلى تشديد النص تنازلاً لحزب «الجمهوريون» اليميني المحافظ المُعارض، والذي تمكنت بفضل أصوات نوابه مع نواب حزب «التجمع الوطني» اليمين المتطرف من تمرير النص بأغلبية ساحقة من الأصوات، بعد مخاض عسير.
غير أن إقرار البرلمان لمشروع القانون بدعم من اليمين واليمين المتطرف، أحدث انقساماً داخل المعسكر الرئاسي، ودفع بوزير الصحة أوريليان روسو إلى الاستقالة من الحكومة. لكن الرئيس إيمانويل ماكرون شدد على أنه «يتحمل عواقب تبني» هذا القانون الصارم معتبراً أن النص يهدف إلى ردع المهاجرين غير النظاميين، ورافضاً بشكل قاطع أن تكون أحكام القانون مستوحاة من اليمين المتطرف.

مقتل المراهق نائل وارتداء العباءة

بعيداً عن التجاذبات السياسية تحت قبة البرلمان، شهدت شوارع باريس والعديد من المدن الفرنسية أعمال شغب وتخريب عنيفة، أثارها مقتل المراهق على يد شرطي أثناء رفضه الامتثال لتفتيش مروري. فعاد مع هذه الواقعة الجدل حول عنف الشرطة إلى الواجهة، لاسيما وأنها أعادت إلى الأذهان أيضاً وقائع أخرى مماثلة لعبت فيها الصور والفيديوهات دوراً رئيسياً في تفنيد روايات الشرطة. تعقيباً على هذه الأحداث، دعت الأمم المتحدة فرنسا إلى «معالجة مشاكل العنصرية والتمييز في صفوف قوات الأمن» الأمر الذي أزعج الخارجية الفرنسية التي أكدت أن «استخدام القوة من قبل الشرطة والدرك يخضع لمبادئ الضرورة والتناسب، تحت إشراف ورقابة صارمة».
وكان قرار وزير التربية الوطنية الجديد غابرييل أتال حظر لبس العباءة (العباية) في المدارس موضع جدل واسع في البلاد وتباينت الآراء والمواقف حياله: هل هو زي تقليدي أم ديني؟ فقد اعتبر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية «CFCM» أن العباءة ليست بأي حال من الأحوال لباساً دينياً للمسلمين، وإنما هي شكل من أشكال الموضة. ولجأت جمعيات إلى مجلس الدولة أعلى سلطة قضائية إدارية في البلاد متهمة الحكومة بـ«انتهاك الحريات الأساسية». لكن الأخير أيدّ في نهاية المطاف قرار الحكومة في خطوة اعتُبرت انتصاراً لوزير التربية الشّاب الذي تشهد شعبيته صعوداً لافتاً. وحول العلمانية واحترامها، أثار الرئيس الفرنسي جدلاً بعد احتفاله في قصر الإليزيه بعيد الأنوار، أو حانوكا اليهودي، وسط حشد من الشخصيات اليهودية في فرنسا، حيث انتقده البعض بانتهاك العلمانية، باعتبار أن الحفل أقيم في قصر الإليزيه، الذي يفترض أن يكون ساكنه أوّل السّاهرين على مبادئ العلمانية القائمة على فصل الدين عن الدولة. قبل ذلك أثار إيمانويل ماكرون أيضا الجدل عندما حضر القداس الضخم الذي أقامه البابا فرنسيس في مرسيليا.

حرب غزة

ألقت الحرب بين إسرائيل وحركة حماس بظلالها القوية على فرنسا، التي شهدت انقسامات سياسية في ظل تباين المواقف حيالها وبعض التصريحات المثيرة للجدل بشأنها. فقد بَدَتْ مواقف الرئيس الفرنسي ضبابية، وفق محلّلين. فساكن الإليزيه، دان بشدة هجمات حماس «الإرهابية» ودَعَمَ دون قيد أو شرط «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». وقام وزير داخليته بحظر المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في فرنسا، قبل أن يرفض مجلس الدولة المنع «الممنهج» لهذه المظاهرات. لكن اقتراح ماكرون بإعادة توسعة نطاق عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» لتشمل قتال حركة حماس في غزّة كان موضع «استغراب» واعتبر «غير واقعي» من البعض. وفي مواجهة ضغوط اليسار الفرنسي والمنظمات غير الحكومية الدولية على خلفية المجازر في غزة، شدد الرئيس الفرنسي على أن «القتال ضد حماس يجب أن يتم مع احترام القانون الإنساني الدولي وحماية السكان المدنيين» ونظم مؤتمراً انسانياً في باريس من أجل غزة. في خضم التطورات في غزة، شهدت باريس مسيرة ضخمة تنديداً بمعاداة السامية، دعا إليها رئيسا الجمعية الوطنية مجلس الشيوخ، ووجهت إلى الرئيس ماكرون انتقادات لعدم مشاركته فيها. وكان تصريح وزير الداخلية الفرنسي، جيرار دارمانان، الذي اتهم فيه الدولي الفرنسي السابق كريم بنزيما بأنه «على صلة الإخوان المسلمين» وذلك على خلفية تعبير الأخير عن تضامنه مع سكان غزة في مواجهة القصف الإسرائيلي، كان موضع جدل كبير، لاسيما بعد مطالبة إحدى أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي بسحب الجنسية من نجم اتحاد جدة السعودي حالياً.
راحلون:
خسرت الساحة السياسية الفرنسية في العام 2023 أحد رجالاتها المخضرمين، وهو وزير الداخلية السابق والعمدة السابق لمدينة ليون، جيرار كولومب، الذي رحل عن عمر ناهز الـ76 بعد إصابته بسرطان المعدة. يُعد كولومب أبرز المسؤولين المنتخبين الأقوياء والمخضرمين الذين دعموا مشروع إيمانويل ماكرون منذ البداية، حيث غادر الحزب الاشتراكي وانضم إلى حركة «الجمهورية على الأمام» التي تحولت إلى «النهضة» حالياً. وأصبح أول وزير للداخلية في عهد إيمانويل ماكرون عام 2017 بعد أن ترك بصمته على مدينة ليون.
وشهد العام 2023 وفاة السياسي المخضرم جاك ديلور يوم 27 كانون الأول/ديسمبر عن عمر ناهز 98 عاماً. ونعى رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، السياسي السابق واصفاً إياه بـ«رجل دولة ذي مصير فرنسي» و«المناضل من أجل العدالة الإنسانية». كان الراحل وزيراً للاقتصاد في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، ورئيساً للمفوضية الأوروبية. وهو والد السياسية الاشتراكية المخضرمة والعمدة الحالية لمدينة ليل مارتين أوبري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية