فقدت لوبان منصبها كمستشارة إقليمية، لكنها ما تزال نائبة برلمانية، ما يعني أنها يمكنها الاحتفاظ بمنصبها الحالي، ولكنها قد لا تتمكن من الترشح في انتخابات جديدة.
باريس ـ «القدس العربي»:شكلت إدانة زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان بتهمة تحويل أموال البرلمان الأوروبي لصالح حزبها والحكم عليها بعقوبات تتضمن عدم الأهلية للترشح للمناصب العامة مع التنفيذ الفوري، أبرز حدث سياسي في فرنسا، إذ يُعد السيناريو كارثياً قبل سنتين فقط من الانتخابات الرئاسية، وقد تردّد صداه إلى الخارج.
فقد حكم على الرئيسة الحالية للكتلة البرلمانية لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، مارين لوبان، بالسّجن أربع سنوات، منها سنتان نافذتان تحت المراقبة الإلكترونية، بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها مئة ألف يورو، ومنعٍ من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات. وقالت رئيسة المحكمة، بنيديكت دو بيرتوي، إن «الهدف هو التأكيد على أن المنتخبين، مثلهم مثل أي مواطن، لا يتمتعون بامتيازات خاصة». أما محامي البرلمان الأوروبي، باتريك ميزونوف، فأكد أن الحكم يعكس خطورة الأفعال وسلوك المتهمين أثناء المحاكمة.
قدرت المحكمة أن حوالي 2.9 مليون يورو من الأموال العامة الأوروبية تم تحويلها لصالح حزب «الجبهة الوطنية» سابقا (حزب التجمع الوطني حالياً) بين عامي 2004 و2016. وخلصت إلى أن هذه الأموال استُخدمت لدفع أجور مساعدين برلمانيين لم يقوموا فعليًا بمهامهم النيابية، بل خدموا الحزب السياسي.
كما رأت المحكمة أن هناك نظامًا محكمًا ومنظمًا أُنشئ لتحقيق وفورات مالية للحزب. وكانت لوبان «في قلب هذا النظام» منذ عام 2009، وشاركت في تنفيذه منذ 2004 مع والدها جان ماري لوبان. ووُصفت بأنها المسؤولة الرئيسية عن العقود التي أبرمتها شخصيًا، وشريكة في بقية المخالفات ابتداءً من 2011.
اعتبر القضاة أن المتهمين لم يُظهروا أي رغبة في المساهمة في كشف الحقيقة، ورفضوا الاعتراف بأي خطأ، واعتبروا القضية مجرد «خلاف إداري مع البرلمان الأوروبي».
استندت المحكمة في قرارها بإعلان عدم الأهلية مع التنفيذ الفوري إلى مبدأي الردع وحماية النظام العام. واستشهدت بقرار صادر عن المجلس الدستوري في 28 اذار/مارس، يؤكد أن التنفيذ الفوري يعزز متطلبات النزاهة والثقة في المرشحين. وأكدت المحكمة «كلما زادت أهمية المنصب الذي يطمح إليه الشخص مثل رئاسة الجمهورية، زادت ضرورة ألا يكون مدانًا باختلاس أموال عامة». ولهذا السبب، رأى القضاة أن خطر التكرار موجود، بالإضافة إلى «اضطراب كبير في النظام العام الديمقراطي»، خاصة أن المرشحة للرئاسة مدانة بالفعل.
هاجم مسؤولو حزب «التجمع الوطني» ومعهم بعض قياديي حزب «الجمهوريون» اليميني المُحافظ، الحكم الصادر بحق مارين لوبان، التي وصفت، من جهتها، الحكم بأنه «قرار سياسي»، معتبرةً أنه بمثابة محاولة لإقصائها سياسيًا، وقالت إن رئيسة المحكمة «اعترفت صراحةً بأنها قررت التنفيذ الفوري لمنع الاستئناف من أن يكون مجديًا، وذلك لمنعي من الترشح والانتخاب في الانتخابات الرئاسية».
وبانتظار محاكمة الاستئناف، تظل لوبان بريئة حتى تثبت إدانتها بشكل نهائي من قبل محكمة الاستئناف، ثم ربما محكمة النقض لاحقا، لتنفيذ العقوبة والغرامة. أما فيما يتعلق بعدم الأهلية السياسية لمدة خمس سنوات، فإن هذا الحكم تم إصداره مع التنفيذ الفوري، ما يعني أن لوبان غير قادرة على الترشح لأي انتخابات خلال هذه الفترة، حتى مع استئنافها. وبناء على ذلك، فقدت لوبان منصبها كمستشارة إقليمية، لكنها ما تزال نائبة برلمانية، ما يعني أنها يمكنها الاحتفاظ بمنصبها الحالي، ولكنها قد لا تتمكن من الترشح مجددا إذا تم حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة.
منذ الإعلان عن إدانتها، توالت ردود الفعل، بدءًا من الكرملين الذي لم يتأخر في التعبير عن أسفه لـ«انتهاك المعايير الديمقراطية» بعد قرار محكمة باريس. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف: «في الواقع، تتجه المزيد من العواصم الأوروبية نحو انتهاك المعايير الديمقراطية». كما وصف الحكم بأنه «شأن داخلي فرنسي».
من جهتها، اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن استبعاد مرشحين من الحياة السياسية أمر «مقلق»، وذلك في رد فعل على الحكم بعدم أهلية زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان بشكل فوري. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، تامي بروس، للصحافة: «إن استبعاد أشخاص من العملية السياسية يثير القلق بشكل خاص، نظرًا لحرب قضائية عدوانية وفاسدة تُشن ضد الرئيس دونالد ترامب هنا في الولايات المتحدة».
وقارن الرئيس الأمريكي ترامب إدانة لوبان بقضاياه القضائية الخاصة في الولايات المتحدة، معتبرًا أن عدم أهليتها «أمر بالغ الأهمية». وقال: «هذا يُذكرنا ببلدنا، يشبه كثيرًا ما يحدث لدينا»، مشيرًا إلى إدانته العام الماضي في قضية المدفوعات المخفية لممثلة أفلام إباحية.
أما الملياردير الأمريكي إيلون ماسك فقد وصف ما جرى بأنه «إساءة استخدام للنظام القضائي»، محذرًا من حدوث «رد فعل عنيف» كما حدث مع الهجمات القضائية على دونالد ترامب. وكتب ماسك: «عندما لا يستطيع اليسار المتطرف الفوز عبر التصويت الديمقراطي، فإنه يسعى لإساءة استخدام القضاء لسجن معارضيه. هذا هو أسلوبه في جميع أنحاء العالم».
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي يُعد حزبه فيدس حليفًا لحزب «التجمع الوطني» في البرلمان الأوروبي، عبّر عن دعمه للوبان قائلاً: «أنا مع مارين!». ويعد أوربان الزعيم القومي الذي يدين بانتظام الهجمات القضائية على حلفائه.
من جهته، انتقد نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني ما سماه «إعلان حرب من بروكسل» على خلفية، حسب تعبيره، إدانة مارين لوبان. وقال زعيم حزب الرابطة: «من يخاف من حكم الناخبين غالبًا ما يطمئن عبر حكم المحاكم. في باريس، أدانوا مارين لوبان ويريدون استبعادها من الحياة السياسية. إنه فيلم سيئ نراه في دول أخرى مثل رومانيا».
وقال رئيسُ حزب «التجمع الوطني» اليمني المتطرف، جوردان بارديلا: «اليوم، لم تتم إدانة مارين لوبان ظلماً فقط.. لقد تم إعدام الديمقراطية الفرنسية». ووصف الحكم بأنه «فضيحة ديمقراطية». وقالت ابنة شقيقة مارين لوبان، ماريون مارشال: «الذنب الوحيد لمارين لوبان هو أنها كانت تقود معسكرنا نحو النصر». وأضافت النائبة الأوروبية القول: «قضاة يعتقدون أنهم فوق الشعب السيادي قرروا تنفيذ حكم في محكمة ضد من لم يتمكنوا من هزيمتها في صناديق الاقتراع»، وأرفقت تغريدتها بصورة مبتسمة إلى جانب لوبان.
أما إريك سيوتي فقد وصف الأمر بأنه «مؤامرة قضائية غير كريمة» و«مصادرة للمصير الديمقراطي للأمة الفرنسية». بدوره، قال رئيس حزب «الاسترداد» إريك زمور: «ليس من حق القضاة أن يقرروا من يصوت له الشعب. بغض النظر عن خلافاتنا، فإن مارين لوبان لها الحق في الترشح أمام الناخبين».
كما حظيت لوبان بدعم من رئيس نواب حزب «الجمهوريين»، لوران فوكييه، الذي صرح قائلاً: «ليس من الصحي في الديمقراطية أن يُمنع منتخب من الترشح لبرنامج تلفزيوني. الشعب الفرنسي هو من يجب أن يقرر».
الحكومة لم تُعلّق على الحكم القضائي، لكنها عبّرت عن دعمها للقضاء. من جانبه، عبّر المجلس الأعلى للقضاء عن قلقه إزاء ردود الفعل العنيفة بعد إدانة لوبان، معتبرًا أنها «من شأنها أن تقوض بشدة استقلال السلطة القضائية». وأضاف أن «التهديدات الموجهة شخصيًا إلى القضاة المكلفين بالقضية، وكذلك التصريحات السياسية بشأن مبررات الملاحقة أو الإدانة، خصوصًا أثناء المداولة، غير مقبولة في مجتمع ديمقراطي».
كما دان رئيس محكمة الاستئناف في باريس التهديدات ضد القضاة الذين أصدروا الحكم في قضية المساعدين البرلمانيين الأوروبيين، وعبر عن قلقه الشديد من الهجمات الشخصية على القضاة الثلاثة. وأضاف: «في دولة قانون ديمقراطية، لا يمكن أن يتم التعبير عن نقد القرار القضائي من خلال تهديد القضاة».
ووصف وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، التهديدات الموجهة إلى قضاة محكمة باريس بأنها «غير مقبولة في ديمقراطية»، فيما عبّر رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو عن «انزعاجه من منطوق الحكم» الصادر بحق زعيمة التجمع الوطني. ومع ذلك، أكد أنه «لن يعلق على حكم قضائي» قائلاً: «لا يحق لأي مسؤول حكومي أن ينتقد حكمًا قضائيًا، حتى نحن لا نملك هذا الحق». وأضاف أنه يقدم «دعماً غير مشروط وقوي» للقضاة الذين أصدروا الحكم، معتبرًا أنه من «المهم جدًا أن يعبر ممثلو الأمة عن هذا الدعم». ودعا بايرو إلى «تفكير برلماني» حول تنفيذ الأحكام بشكل فوري، الذي يجعل القرارات الثقيلة والخطيرة غير قابلة للطعن.
اليسار: العدالة هي العدالة
على اليسار، شدد رئيس الحزب الاشتراكي أوليفييه فور على أن فصل السلطات لم يعد «مطروحًا على جدول أعمال الحكومة». وعبّر عن استغرابه من «الارتباك الذي أبداه رئيس الوزراء»، قائلاً إن احترام القانون ودولة القانون وفصل السلطات لم تعد من أولويات الحكومة. من جانبه، قال الرئيس السابق فرانسوا أولاند إن رئيس الوزراء «ليس له أن يشعر بالارتباك، فحين يكون المرء رئيس حكومة في جمهورية، وهو حارس القانون، فعليه أن يقبل بضمان استقلال المحاكم».
واعتبرت مارين توندولييه، السكرتيرة الوطنية لحزب الخضر أن مارين لوبان «يجب أن تتحمل عقوبتها» لأنها «مثلها مثل أي مواطن خاضع للقانون». وأضافت: «عندما نعطي دروسًا في النزاهة للجميع، يجب أن نبدأ بأنفسنا». وكتب فابيان روسيل، السكرتير الوطني للحزب الشيوعي الفرنسي: «العدالة هي العدالة. سواء كنت قويًا أم ضعيفًا». وقال حزب «فرنسا الأبية» بزعامة جان ليك ميلونشون: «نأخذ علمًا بهذا الحكم القضائي، لكننا نرفض من حيث المبدأ ألا يتمكن أي متقاضٍ من الطعن». وأضاف: «لم نستخدم يومًا المحكمة كوسيلة للتخلص من التجمع الوطني. نحن نحاربه في صناديق الاقتراع وفي الشوارع، وسنهزمه غدًا أيضًا في صناديق الاقتراع، مهما كان مرشحه أو مرشحته».