باريس-“القدس العربي”: رغم تراجع زخم “السترات الصفراء” الفرنسية؛ يواصل الآلاف من متظاهري الحركة تعبئتهم الوطنية ضد السياسة الاجتماعية والاقتصادية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومته، غير آبهين بالحوار الوطني الكبير الذي أطلقه ماكرون لإنهاء أزمتهم. لكن الحركة التي تواجه أصلاً انتقادات بشأن أعمال العنف والتخريب التي يرتكبها بعض المتظاهرين تجد نفسها اليوم أمام تحد جديد قد يقوض مصداقيتها، في ظل تصاعد الأعمال التي اعتبرت ذات طابع معاد للسامية في الأيام الأخيرة والتي قوبلت بموجة استنكار واسعة في البلاد.
فقد تم تشويه صور للمناضلة الفرنسية الراحلة سيمون فاي الناجية من المحرقة النازية، ثم تعرض المفكر الفرنسي يهودي الأصل آلان فينكيلكرو لشتائم اعتبرت معادية للسامية من قبل بعض محتجي “السترات الصفراء” في باريس خلال فصل تعبئتهم ليوم السبت 16 الجاري، قبل أن يتم وضع رسومات ترمز إلى النازية على نحو ثمانين قبراً يهودياً، الثلاثاء المنصرم، في مقبرة “كاتسنايم” في شرق البلاد، التي تفقدها الرئيس ماكرون بعد هذه الحادثة؛ قبل أن يقوم بزيارة النصب التذكاري للمحرقة النازية في باريس مصحوباً برئيسي مجلس الشيوخ جيرار لارشيه والجمعية الوطنية ريشارد فيران، حيث شدد على أن معاداة السامية هي “إنكار لماهية الجمهورية وفرنسا”. في حين، التقى وزير الداخلية كريستوف كاستانير بممثلي الديانات للتأكيد على الوحدة الوطنية.
في موازاة ذلك، تجمع آلاف الفرنسيين عند ساحة الجمهورية التاريخية في قلب باريس وفِي عدة أنحاء بالبلاد استجابة لدعوة الحزب الاشتراكي من أجل التنديد بتنامي الأعمال المعادية للسامية في فرنسا، وذلك بمشاركة العديد من السياسيين، في مقدمتهم رئيس الحكومة إدوار فيليب والرئيسان السابقان فرانسوا أولاند ونيكولا ساركوزي وغيرهم. وندد معظم المسؤولين السياسيين بوجود بعض المعادين للسامية ضمن صفوف متظاهري “السترات الصفراء”.
ومع أن فرنسا تشهد بشكل منتظم بعض الأعمال هنا وهناك تعتبر معادية للسامية، لكن البلاد أحصت نحو 540 عملاً وصف بالمعادي للسامية خلال العام الماضي 2018، وهي زيادة قياسية مقارنة بالعام 2017، وإن كانت هذه الأرقام أقل من تلك المسجلة قبل 2015. لكن الجديد هذه المرة، هو تزامن هذه الأعمال مع احتجاجات أصحاب السترات الصفراء. وهو ما أدى وفق المحلل السياسي المختص في الشأن الفرنسي رامي الخليفة العلي، إلى تداعيات مختلفة، حيث “أصبحت هذه الأعمال مرتبطة أكثر بحراك السترات الصّفراء، بدل ارتباطها التقليدي – المباشر بالمسلمين والفكر الراديكالي، إذ أنه غالباً ما تستغل هذه القضايا لإشاعة الإسلاموفوبيا في المجتمع الفرنسي” . ورغم ذلك، اعتبر الخليفة العلي أن هذه الأعمال قد تؤثر على حراك السترات الصفراء كما هو الحال مع بعض أعمال العنف والتخريب التي نشهدها خلال المظاهرات، إلاّ أن “هذا التأثير سيكون محدوداً، بحسبه، وذلك لأن قضية معاداة السامية ليست بالجديدة، عكس حراك السترات الصفراء الذي يُعد ظاهرة حديثة في المجتمع الفرنسي”.
وكان رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب قد شدد في وقت سابق من هذا الأسبوع، على أن من الخطأ القول إن حركة السترات الصفراء معادية للسامية؛ لكنه قال إنه تمت تجاوزات كبيرة في ظل أزمة السترات الصفراء التي تعيشها البلاد منذ أربعة أشهر.
وفِي هذا الصدد، قال العديد من المراقبين
إنه، حتى وإن كانت الأغلبية في صفوف محتجي السترات الصفراء يرفضون العبارات والتصرفات المعادية للسامية أو تلك المعادية للأجانب …إلخ، إلا أن بعض الأشخاص والقوى السياسية المعادين لاحتجاجاتهم لن يضيعوا فرصة استغلال حوادث، على غرار تدنيس المقبرة اليهودية شرق البلاد، لمحاولة تلطيخ صورة الحركة عبر اتهامها بمعاداة السامية. وقد حذّر الصحافي علاء بونجار، قائلاً: “حبة طماطم واحدة فاسدة بإمكانها أن تفسد صندوق طماطم بأكمله” وهذا ما قد يحصل بحسبه مع حركة السترات الصفراء.
واعتبر الصحافي والمحلل السياسي مصطفى الطوسة أن عدم قدرة حركة السترات الصفراء على تنظيم نفسها وغياب قيادات موحدة للحركة، سهل اختراقها من قبل عدد من القوى المتطرفة، من اليمين واليسار وبعض الإسلاميين، حيث استغلوا الحركة الاحتجاجية لضخ “سمومهم” والنتيجة، يوضح الطوسة، أن “رسالة السترات الصفراء تلوثت بمعاداة السامية”.
وعليه، يرى محللون سياسيون فرنسيون أن حركة السترات الصفراء قد دخلت فعلاً منعطفاً خطيرا بعد هذه الأعمال الأخيرة التي صنفت ضمن خانة معاداة السامية؛ ولذلك فإنه بات محتماً عليها تنظيم صفوفها وتبني مواقف علنية وواضحة ضد فلسفة الكراهية والتمييز العنصري، وإلا فإنها تكون قد وقعت على نهايتها بنفسها.
ورداً على تزايد الأعمال التي اعتُبرت معادية للسامية على عموم التراب الوطني الفرنسي والتي دفعت وزير الهجرة الإسرائيلي يوآف غالانت، إلى دعوة اليهود في فرنسا إلى المغادرة إلى إسرائيل؛ أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن سلسلة من التدابير لمواجهة تنامي ظاهرة معاداة السامية في البلاد، وذلك خلال الكلمة التي ألقاها ليلة الأربعاء بمناسبة العشاء التقليدي السنوي للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا.
واعتبر ماكرون في كلمته أن: “معاداة الصهيونية هي شكل حديث من أشكال معاداة السامية” موضحاً أن الدولة الفرنسية ستعتمد مستقبلاً تعريفاً جديداً لمعاداة السامية يشمل أيضا معاداة الصهيونية.
لكن الرئيس الفرنسي أكد أن “معاداة الصهيونية لن تدخل في قانون العقوبات الذي لن يتغير” في رد ضمني على اقتراح مجموعة من البرلمانيين مشروع قانون يجرم معاداة الصهيونية، والذي يثير تحفظات العديد من السياسيين، بمن فيهم ريشار فيران من الجمعية الوطنية – مقرب من الرئيس ماكرون- الذي اعتبر أن الترسانة التشريعية مسلحة بما فيه الكفاية من أجل مكافحة معاداة السامية.
الرئيس الفرنسي، أعلن أيضا أنه سيتم خلال شهر أيار/مايو المقبل، طرح مشروع قانون جديد في البرلمان، يهدف إلى مكافحة الكراهية على الإنترنت بإزالة محتويات الكراهية بأسرع وقت ممكن ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم؛ وذلك عبر فرض عقوبات قضائية ومالية كما هو حاصل في بلدان مجاورة كألمانيا.
بالإضافة إلى هذه التدابير، طلب إيمانويل ماكرون أيضا من وزير داخليته كريستوف كاستانير أن يباشر في الخطوات القانونية اللازمة من أجل حلّ جمعيات محسوبة على اليمين المتطرف، وهي: باستيون سوسيال وبلود آند هونور إيكساغون وكومبا 18؛ حيث اعتبر أنها تغذي الكراهية والعنصرية ومعاداة السامية؛ مشدداً على أن “وقت الأفعال قد حان”.